خبر وتعليق   سبب الاختراقات البركانية التي يتلظى بها السودان
April 15, 2014

خبر وتعليق سبب الاختراقات البركانية التي يتلظى بها السودان


الخبر:


أوردت صحيفة الشروق بتاريخ 2014/4/10 خبرا جاء فيه: ظاهرة العمالة الأجنبية بالسودان بصورة كبيرة أصبحت تؤرق الجميع على المستويين الشعبي والرسمي بسبب الآثار السلبية التي تهدد أهل السودان عبر بث ثقافاتها وممارساتها التي تتنافي مع قيمنا وعاداتنا.


الجهات الرسمية قالت إنها تسعى لرقابة وضبط وتقنين الوجود الأجنبي، فما هو الدور المطلوب تجاه هؤلاء، وكيفية حصرهم وتحجيم المخاطر الأمنية والمجتمعية والتفلتات التي تبدر بين الحين والآخر من بعضهم، حلقة "إشارة حمراء" ناقشت قضية الوجود الأجنبي بكل تفاصيلها مع ضيوفها اللواء شرطة/ أحمد عطا المنان، مدير الإدارة العامة للجوازات والهجرة، ودكتور/ ياسر عنقال مدير مركز أبحاث الجريمة، وزاهر عبد الرحمن عباس، الباحث الاجتماعي.

التعليق:


من يستمع للضجة الإعلامية التي تثيرها الجهات الرسمية والمواطن في السودان حول ظاهرة تزايد العمالة الأجنبية يتبادر إلى ذهنه أن هؤلاء يحتلون وظائف وأعمالاً كبيرة تسببت في التضييق على المواطن، ولكن الحقيقة أن ما يسمونه بعمالة أجنبية يعملون في أعمال بسيطة جداً (عمال نظافة في البيوت أو المحلات التجارية والكافتريات ....الخ)، أعمال لا يقوم بها إلا من اضطرته الحاجة والعوز، مع العلم أن هؤلاء في الغالب من دول الجوار (أغلبهم مسلمون) قد اضطرتهم أحوال معيشية صعبة للمجيء إلى السودان والعمل في مثل هذه المهن. وفي الزمن القريب كان (قبل سيطرة الأفكار الرأسمالية على الرأي العام)، كان من المفاخر أن السودان يجمع الناس من كل الدول ويحتضنهم ويوفر لهم أسباب الحياة لأنه:


بلاد ناسا تكرم الضيف


حتى الطير يجيها جعان ومن أطراف تقيها شبع


تشيل الناس وكل الناس وسع بي خيرو لينا يسع


ديل أهلي ديل أهلي


يبدو الغير على ذاتم


يقسموا اللقمة بيناتم


يدو الزاد حتى إن كان مصيرم جوع


ولكن أصبحت هذه القيم من الماضي بعد ضنك المعيشة التي أفقدتنا حتى أن تكون لنا لقمة كريمة، بل أصبح الجوع ضجيع الكثيرين.


والآن بعد ما أصاب البلاد من ضياع وتدهور في كل مجالات الاقتصاد توقفت المشاريع الزراعية الكبيرة وخُصخصت موارد مرتبطة مباشرة بقوت الناس، أصبح السودان مع ضخامة الموارد وشعارات (سلة غذاء العالم) بلدًا يقول الجهاز المركزي للإحصاء أن عدد الأسر الفقيرة (5.159.012)، والأسر الأشد فقراً (2.288725). الأولى (363.527)، والثانية (1679944) والثالثة (245.254)، بل لا نجافي الحقيقة إن قلنا إن المواطن في السودان أصبح يحلم بوطن آخر يوفر له حياة كريمة ولو كان بلدًا عدوًّا ظاهر العداوة، بل لو كانت النتيجة مخاطرة بالحياة على ناقلات نجاتها من مياه البحر محفوفة بالمخاطر (سنبك).


وبدلاً عن الجدية في حل مشكلات الناس الاجتماعية والاقتصادية وغيرها انغمس الجميع في إثبات أن الوجود الأجنبي هو سبب المشاكل، ومن الجهات الرسمية التي قامت بدراسات للكشف عن الآثار السلبية للوجود الأجنبي خاصة على الناحية الاجتماعية والاقتصادية. في هذا الإطار قام مركز دراسات المجتمع (مدا) بدراسة استطلاعية لقياس الرأي العام حول ظاهرة الوجود الأجنبي في ولاية الخرطوم، وكشفت الدراسة عن الآثار الاجتماعية والثقافية والأمنية والاقتصادية للوجود الأجنبي.


إن الآثار السلبية التي أصبحت حجة وحيلة لمطاردة وملاحقة هؤلاء هي نتاج القوانين الوضعية التي تطبق في البلد، ما أوجد آثارا سلبية من أهل البلد لم تكن في أسلافهم بشهادة العديد من المسئولين. في الماضي القريب كانت الأسرة السودانية وحدة اجتماعية، تتميز بعادات وخصائص متعددة منها التعاون والتسامح والتكافل والعلاقات الاجتماعية الممتدة وتوارث الأجيال والأب هو رب البيت الآمر الناهي، ويتم غرس هذه القيم الفاضلة في نفوس الأطفال منذ الصغر، وتنتقل من جيل إلى جيل، ولكن بمرور الزمن ثمة تغيرات طرأت بسبب انتشار قيم أخرى، فرضت نفسها بقوة وهي (الحريات) فأصبحت الأسرة مكونة من أفراد، كل شخص حر حتى البنت، تخرج من منزلها على شكل عروس ليلة زفافها والأب يجلس هو وابنه أمام الباب، فهي حرة وهذه حقوق الإنسان وحقوق المرأة، ولو نبس أحدهم ببنت شفة فقد يسمع ما لا يسره.


السودان جزء لا يتجزأ من هذا العالم الذي أصبح قرية صغيرة جدا وما يحدث في كل العالم يشاهد عندنا في السودان في نفس اللحظة ونتيجة طبيعية لرقة وهزال الدعامة التي كانت تحميه من الانحرافات (العادات والتقاليد) التي أصبحت أرق بالضغوط الشديدة والانفتاح والعولمة وانعدام الوازع الديني عند الأفراد الذين يتصلون مع بعضهم بعلاقات دائمية (أفكار ومشاعر وأنظمة) لا تقيم أي وزن إلا للدنيا ولا تراعي للانضباط على أساس الدين أي قيد، كل ذلك سهل الاختراقات البركانية للمجتمع الذي يتلظى كل يوم فيها، أدت إلى تفكك في الأسر وزيادة معدلات الطلاق وانتشار ظاهرة التسول والتسرب من المدارس وغيرها، والميل للفردية، وترك العمل الجماعي.


وفي الماضي كانت الموبقات موجودة علناً والآن مع أنه ممنوع لكن عدم تفعيل القوانين وجديتها ومراعاة الحريات، دخلت موبقات تجعل الولدان شيبا، وأهم أسباب تدهور الأخلاق نتج عن تدهور الخُلق والثقافات الخارجية والغزو الثقافي والعولمة، نعم لا كلام ولكن الضابط الأوحد والأهم هو وجود أحكام الله في حياة الناس، وهو الغربال الذي يحجب الغث ويسمح للسمين ليغذي المجتمع بما يحتاجه من إضافات تسهم في حركة نموه وتقدمه.


وما لم تضطلع الدولة متمثلة في مؤسساتها الرسمية والشعبية لتؤسس لثوابت مجتمعية ربانية متينة لحماية المجتمع مما يعانيه بتطبيق شرع رب العالمين المتين عن طريق توجيه التعليم والإعلام لمصلحة المجتمع الإسلامي وعدم تسليطه فقط لمصلحة السلطة وحفظ كرسيها بخضوعها لإملاءات الغرب ببسط الحريات التي أجهزت على المجتمع في الغرب وجعلته يتقلب في بهيمية ستقطع نسله من الدنيا ما لم نحمل لهم الإسلام ليصلح حالهم الأعوج. وما لم تقم الدولة بذلك فإن الكارثة ستحل بالناس.


بهذا يصلح حال المجتمع ويحمى ويرتق نسيجه على أساس تقوى الله فيكون في مأمن من أي خلل ومن يأتي للعيش في مجتمع كهذا يلزم بالتقيد بقوانينه بطبيعة الحال فتصلح أحواله فيكون فردًا صالحًا في مجتمع صالح.


قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.




كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم أواب - غادة عبد الجبار

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار