October 09, 2013

خبر وتعليق شبح الفاشية يطارد الأنظمة الوضعية

الخبر:


أورد موقع "المصري اليوم" بتاريخ 3/10/2013م الخبر التالي: "وافق مجلس الوزراء المصري يوم الأربعاء، على مشروع قرار رئيس الجمهورية بقانون بشأن العلم المصري والسلام الوطني، وأبرز ما تضمنه المشروع النص على أن إهانة العلم المصري وعدم الوقوف احتراماً عند عزف السلام الوطني في مكان عام أو بإحدى طرق العلانية يعتبر جريمة يعاقب فاعلها بالحبس مدة لا تزيد على 6 أشهر وبغرامة لا تزيد على خمسة آلاف جنيه أو بإحدى العقوبتين."

التعليق:


لا يضيع النظام الحالي في مصر أي فرصة لكي يثبت حرصه على حماية الدولة المصرية وحفاظه على هيبتها، خصوصاً وقد نصب نفسه كحامٍ أوحد لهذا الوطن، الذي يصوره كوطن مستهدف تكثر حوله الذئاب ويتآمر عليه الجميع، فيُظهر أنه يصب جل اهتمامه لاستعادة هيبة الجيش وتعزيز الأمن القومي. ويكرس النظام جميع أجهزته ليحقق هذا الهدف؛ فيجند جهازه الأمني لملاحقة خصومه، بينما يقوم الإعلام الخاضع له بإثارة مشاعر الناس وترهيبهم حتى ساد الشارعَ جوٌّ من التخوين والريبة، وانتقلت الخلافات من بين النخبة إلى الشارع المصري بمساندة هذا الجهاز الإعلامي الذي يُضرب به المثل في التضليل. وفي هذا السياق يعلن النظام عن تمييز الصفوف ومعاقبة من يثبت عليه الجرم الأكبر ويقف ضد الوطن أو أحد رموزه بتهمة إهانة العَلم. حافظ النظام على هيبة العَلم فماذا عن الإنسان في مصر؟ ماذا عن دمه المهدر وكرامته المهانة؟ وماذا عن حقوقه الضائعة؟ يُجرّم النظام إهانة العَلم، فماذا عن تجريم إهانة حِجاب المنقبات ولحية الملتزمين الذين سخرت منهم قنوات التلفزيون وسفّه أفعالَهم أشباهُ المثقفين؟ ماذا عن المحاكمات العسكرية للمدنيين؟ ماذا عن ترويع الأطفال في مدارسهم ونقل الاستقطاب والخلاف السياسي للفصول الدراسية؟


والإجابة متكررة ومتوقعة، وتسبقها نبرة حادة تستهجن مثل هذه الاستفسارات في مثل هذه الأجواء الحرجة التي يمر بها "الوطن" والتي تستدعي وقفة جادة وتعزيزًا لمفهوم "المواطنة"، مع ترديد لشعارات المرحلة وحاجة البلاد لوقفة حاسمة ضد شبح "الإرهاب"؛ فيتم تمرير إجراءات غير اعتيادية يدعون أن لها ما يبررها في إطار ما أسموه بـ "الانتصار" لمنطق القانون والنظام وتخليص مصر من "الفاشية الدينية" حسب ادعائهم، منطق "الديمقراطية الخلاقة" التي لا يزال يرددها مصطفى حجازي مستشار الرئاسة المصرية لشؤون السياسة (سي ان ان 20-9-2013)، هذه الديمقراطية الخلاقة لا تترك مجالاً لمعارض ولا تعترف بحوار؛ فهي تعتمد على منطق التخوين وتصنيف الشعب لقطبين؛ فإما أن يكونوا مع النظام وإما أن يكونوا جزءًا من محور الشر وعدوًّا لأهل مصر، بل إن الأجواء الحالية تشجع "الاعتزاز الوطني المتطرف" وتغض الطرف على موجة غريبة على المجتمع المصري تظهر العداء لمن هو غريب. هذه السياسات التي تدعي المحافظة على الوحدة الوطنية تزرع فتيل الفتنة بين أبنائه؛ فتجعل من كل فريق خصماً للآخر، وتسلط الضوء على مواطن الاختلاف لا على الرابطة الصحيحة بين بني البشر.. فهل توحدهم بعد ذلك قطعة قماش؟


وضع النظام المواطنة كقيمة عليا وسلط اهتمامه على كون الدولة هي هدفًا بحد ذاته، لهذا وجب على الأفراد طاعة النظام ورموزه طاعة عمياء حتى يتسنى لهم تخليص البلاد من الأعداء، وإلى ذلك الأمد فعلى الشعب أن يسير في فلك الدولة، قال موسوليني: (كل شيء داخل الدولة، لا شيء خارج الدولة، ولا شيء ضد الدولة). وها نحن اليوم نسمع أصوات أبواق النظام المصري تتعالى وتنادي بتذليل كل العقبات لتقوية الدولة، فيما سكت ثوار الأمس عن سفك الدماء وقتل السجناء وترهيب المعارضين في سبيل الدولة المنقذة التي ستنعش الاقتصاد وتعيد هيبة البلاد وتوقف ما أسموه بالمد الإسلامي وتحمي قيم الليبرالية الغربية المستوردة. سقطت ورقة التوت حينما غض الليبراليون الطرف عن صعود نظام استبدادي قمعي لا يضع قيمة للإنسان ولا يلتزم بقوانين؛ فقد فوض نفسه كزعيم يقوم بدور أسطوري في معركة تاريخية فاصلة مستفيداً من مشجعيه الذين أعمتهم نشوة النصر على خصومهم وانشغلوا بالتصفيق لكل قتل والشماتة لكل اعتقال والتهليل لكل قرار عبثي غير قابل للتطبيق.


وليتهم يعلمون أن قيمة الإنسان وحياته أهم من العَلم الذي صُنع ولُوِّن على أيديهم، وأن توحيد الشعب لا يأتي من شعارات مقحمة أو قرارات اتخذت على عُجالة لترسيخ الوطنية التي فشلت في صهر أبناء البلد الواحد ومواجهة تحديات المرحلة. إن توحيد الشعب وبناء الدولة يحتاجان لمراجعة مبدئية لمعنى الدولة ولأسس الحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم وهيئة الدولة وأجهزتها.. توحيد الشعب يحتاج لميثاق يؤخذ عن بيّنة ليبني رابطة حقيقية تصهر أهل البلاد وتُصلح ما هُدم وتعيد اللحمة بين أهل مصر. ولن يصلح أمر الناس اليوم بدون إعمال فكرهم ليتدفق الدم في عروقهم ويبنوا دولتهم على أسس يرضون عنها ويرضى عنها رب العرش، وكيف يوحد أطياف الشعب المصري نظامٌ تبنى مقولة كودربانو "أن العنف مشروع أخلاقياً في المعركة الدفاعية التي يخوضها الخير ضد الشرّ" إنه أساس الفرقة والفتن؟


يتمادى النظام في غيّه ويتلاعب بمصطلحات مبهمة مثل الديمقراطية الخلاقة ويتخذ قرارات بإصدار قوانين مجحفة من أجل بسط نفوذ وهيمنة دولة الزعيم، دولة شمولية لا تُراعى فيها حرمةٌ لدم أو حقوقٌ شرعية أقرها الإسلام. إن سياسة الترهيب والقتل لن تؤدي لنتيجة، ولن يتمكن أي نظام من أن يعتقل شعباً بأسره، وهذا النموذج فاشل وشواهده كثيرة تدرّس لطلبة المدارس إلى يومنا هذا، لتكون عبرة وعظة لبني البشر، وسبب فشله كامن في إهداره لقيمة الإنسان، فما بالك لو كان هذا الإنسان مسلماً قال عنه وعن قيمة دمه الهادي الأمين:


عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: "مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا" رواه ابن ماجه.


إن مصر اليوم تواجه نظاماً اختار أن يحارب الإسلام في عقر داره، ويذل أهل التوحيد في قاهرة المعز لدين الله، ويطارد المسلمين بين قلعة صلاح الدين وقلعة قايباي المحمودي، إنه نظام فقد عقله وظن أنه سيجعل من حفظة القرآن أعداءً للشريعة الغراء مستنداً إلى دعم الكافر المستعمر. هذا النظام لا يتحدى جماعة بذاتها بل يقف ليتحدى بفكره الزائف زهاء 14 قرنا من الوجود الإسلامي في مصر، يتحدى ولاء أهل مصر(مسلمين وأقباطاً) للإسلام كنظام رباني أنصف الرعية وجعل التابعية حقاً لكل من استوطن مصر، لم يميز بين الرعية أو يزرع الفتنة بينهم بل حفظ عليهم دينهم ومالهم وعرضهم.. إنه نظام يهلع من رفع راية ولواء الرسول صلّى الله عليه وسلم ويسعى لكبت الرغبة الجامحة بتطبيق الشريعة.. ولكن هيهات فإن المعركة محسومة والمآذن تشهد بذلك، وفي تاريخ هذه الأرض الطيبة دروس وعبر.


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار