خبر وتعليق   شركاء متشاكسون في ليبيا    
April 29, 2014

  خبر وتعليق شركاء متشاكسون في ليبيا  


الخبر:


نقلت وكالة رويترز في 2014/4/24 تصريحات نائب وزير الخارجية الأمريكي وليام بيرز أثناء زيارته لليبيا قال فيها: "إن تزايد التطرف المصحوب بالعنف تحد هائل لليبيا في المقام الأول وأيضا للشركاء الدوليين". وأضاف: "هذا هو سبب شعورنا بالإلحاح ومثل هذا الشعور بالعزم على مساعدة الليبيين في بناء قدراتهم الأمنية وتعميق التعاون لمكافحة الإرهاب وأيضا تعزيز عملية سياسية سليمة تزيد فرص تحقيق أمن أفضل على المدى البعيد". وقال: "إن إعادة بناء الأمن أمر حيوي لنجاح ليبيا ووعد بزيادة المساعدات الأمريكية في مواجهة عنف المتطرفين". وقال "إن الولايات المتحدة ستواصل مع شركاء آخرين تدريب الجيش وقوات الأمن".

التعليق:


إن تصريحات هذا المسؤول الأمريكي لتدل على أن الأوضاع في ليبيا لم تستقر للأمريكيين ولا للذين أطلق عليهم الشركاء الدوليون أي الدول الغربية الأخرى وخاصة بريطانيا وفرنسا، فهم شركاء من جانب ومتشاكسون من جانب آخر.


فأما الجانب الأول فهو حرص هذه الدول على ألا تتحرر ليبيا من ربقة الاستعمار الغربي وأن تبقى تحت سيطرتهم بأشكال مختلفة خاصة السياسية والاقتصادية.

ولهذا شاركت كلها في التدخل تحت ذريعة مساعدة الشعب الليبي لتبديل عميل بعميل أي إزاحة عميلهم القذافي الذي خدمهم أكثر من أربعين عاما بعدما ثار الناس عليه وكان يعمل على توريث أحد أبنائه والدول الغربية الديمقراطية كانت موافقة ضمنيا على ذلك، فخافت هذه الدول من أن يستعيد الشعب الليبي سلطته ويمسك بزمام الأمور في بلاده ويقيم النظام الذي يؤمن به وهو نظام الإسلام. ولهذا حرص الغرب وعملاؤه على أن لا يردد الثوار في ليبيا شعارات إسلامية وأن لا يرفعوا رايات إسلامية، بل حرصوا على رفع ما يسمى برايات الاستقلال التي رسمها الإنجليز لليبيا عندما حددوا حدودها كدولة منفصلة عن بقية البلاد الإسلامية تحت اسم الاستقلال ليؤبد الانقسام بين هذه البلاد ويمنع وحدتها في دولة واحدة كما كانت قبل قدومه وغزوه ليبقيها تحت نفوذه، وركز الغرب وعملاؤه ووسائل إعلامهم على الديمقراطية في عملية خداعية للناس بأنهم سوف يتحررون بالديمقراطية وسوف يقيمون نظامهم الذي يريدونه عن طريقها في أسرع وقت وبأقل التضحيات، وقد أرادوا أن يفعلوا مثل ذلك في سوريا ولكنهم لم ينجحوا بمنة الله على أهل سوريا بالوعي والثبات، والناس في ليبيا لم يدركوا أنها كانت عملية خداعية وتضليلية ضللتهم عن الهدف الصحيح وهو تبني الإسلام ورفع شعاراته وراياته والعمل على إقامة نظامه مهما بلغت التضحيات ومهما طالت الطريق.


وأما الجانب الآخر وهو التشاكس والتنافس بين هذه الدول الاستعمارية على النفوذ حيث تحرص كل دولة من هذه الدول على ربط النظام السياسي في البلد والقائمين عليه بها، وجعل أكثر الاستثمارات لشركاتها وخاصة النفط والغاز. فيأتي نائب وزير خارجية أمريكا ليحذر ممن أسماهم المتطرفين وأن بلاده على استعداد لمساعدة القائمين على النظام في حربهم على هؤلاء من خلال تدريب الجيش والأمن وذلك كوسيلة لبسط النفوذ. فإذا تمكنت أمريكا من تدريب الجيش والأمن فإنها ستعمل على كسب الضباط وتجعل نظامهم العسكري والأمني أمريكيا، وكذلك سلاحهم سلاحا أمريكيا، وبذلك تكون قد أمسكت بزمام القوة في البلد، حتى تجعل هذه القوة مسلطة على النظام السياسي كما هو في مصر المجاورة حتى تتمكن في النهاية من السيطرة على النظام السياسي كما فعلت في السودان المجاورة.


وتأتي تصريحات هذا المسؤول الأمريكي بعدما أعلن وزير دفاع فرنسا جان إيفان لودريان في 2014/4/7أن "جنوب ليبيا تحول إلى وكر أفاعٍ للمسلحين وأن الطريقة الوحيدة للتعامل معه هي من خلال تحرك جماعي قوي من الدول المجاورة". وقال: "شعورنا بالقلق يتنامى، إنه وكر أفاعٍ يعود إليه الجهاديون للحصول على السلاح وتجنيد العناصر، إنها منطقة خطرة والظروف ليست مواتية لإيجاد حل". وقال: "الرد الوحيد الممكن يكون من خلال التعاون القوي بين الدول المجاورة لضمان أمن الحدود لأن مقومات الدولة غائبة في ليبيا. نحن على استعداد لتدريب أفراد الشرطة لكن لا يوجد متطوعون". وهذا دليل على أن هناك تشاكساً وتنافساً بين الدول الاستعمارية على بسط النفوذ في ليبيا، ففرنسا أبدت رغبة في تدريب الشرطة وأمريكا أبدت رغبة في تدريب الشرطة والجيش. فهذان الشريكان المتشاكسان كلاهما أبديا رغبة متشابهة للتدخل ولبسط النفوذ، وعزفا نغمة متشابهة وهي إثارة موضوع خطر المتطرفين الذين يستعملون العنف، وفرنسا عزفتها بنغمة واضحة وهو خطر الجهاديين، وبريطانيا لا تتوقف عن العمل هناك حيث قام العام الماضي رئيس وزرائها بزيارة مفاجئة لليبيا وسفارتها تعمل هناك بدون كلل وتتصل بالعملاء وتشتري الذمم وتساعدها دول الخليج في ذلك وعلى رأسها قطر حيث اعترف رئيس المجلس الوطني الليبي السابق مصطفى عبد الجليل بأن قطر صرفت على الثورة أكثر من ملياري دولار. فكل شريك دولي يريد ليبيا خالصة له من دون شريكه، وإذا لم يقدر على تحقيق ذلك بسبب مشاكسة الشريك الآخر فيريد أن يحصل على حصة الأسد. فهم يعتبرون ليبيا مستعمرة غربية، فهم فيها شركاء ولكنهم متشاكسون.


ومن تصريحات المسؤولين في الدول الاستعمارية الغربية الشركاء المتشاكسين يظهر شيء آخر أيضا وهو أن الشعب في ليبيا غير راض عن الأوضاع السياسية في بلاده ولذلك يحمل السلاح ويبحث عن حل وعن خلاص من هذه الأوضاع السياسية السيئة بسبب محاولة الغرب فرض النظام الديمقراطي على ليبيا، وهو النظام الذي يؤدي بليبيا إلى التبعية السياسية والفكرية والاقتصادية للغربيين أصحاب النظام الديمقراطي حيث يجعلون إقامة هذا النظام وسيلة لإبقاء تبعية البلد لهم وتحت نفوذهم ويحولون دون تحرره من ربقة استعمارهم ودون عودة الإسلام إلى الحكم. وتبقى الدولة تابعة لهم ينتقل فيها الحكم من عميل إلى آخر، فمنذ ذهاب القذافي عميل الغرب إلى اليوم تبدل العديد من العملاء على رئاسة الحكومة في ليبيا. وهذا ما حدث في كل بلد أقيم فيه النظام الديمقراطي حيث تصبح التبعية للغرب ولا يحدث فيه أي تغيير يذكر سوى تغيير في الوجوه التي تلبس أقنعة متنوعة لتتمكن من خداع الناس. لأن النظام الديمقراطي قائم على أساس فصل الدين عن الحياة أي أن التشريع لا يكون من عند الله وإنما من عند البشر الذين يتخذون أهواءهم إلهاً لهم، ويعتبرون أنفسهم أربابا من دون الله يحلون للناس ما يشاؤون ويحرمون عليهم ما يشاؤون باسم الشعب عن طريق استصدار قوانين وتشريعات ما أنزل الله بها من سلطان، وتكون كلها مأخوذة من القوانين والتشريعات الغربية، وهكذا تبقى البلاد تحت ربقة الاستعمار ويبقى الناس يئنون تحت وطأته وظلمه، ولا يمكن أن يتخلصوا منه إلا إذا تخلصوا من النظام الديمقراطي الظالم ورجعوا إلى دينهم فأقاموا نظام ربهم العادل. وصدق الله حين قال ﴿ضَرَبَ اللهُ مثلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمَاً لِرَجُلِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحَمْدُ لِلهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُون﴾. فلا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله أي يقبل بمشرعين من دون الله وبهيمنة ديمقراطية استعمارية متحكمة بمصيره، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، أي لا يقبل بأي تشريع دون تشريع الله ولا بحاكمية وبهيمنة دون حاكمية وهيمنة الإسلام فيكون عبدا مسلما خالصا لله لا عبدا لشركاء ديمقراطيين متشاكسين فيه.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أسعد منصور

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار