June 28, 2014

خبر وتعليق تبعات إغلاق منطقة الخط الأحمر "شارع دوللي" في سورابايا معضلة تواجه حاكمًا مسلمًا في نظام علماني ديمقراطي (مترجم)

الخبر:


قامت رئيسة بلدية سورابايا، ترايرسما هاريني، في نهاية المطاف بإغلاق "شارع دوللي" وهو أكبر وأشهر مجمع دعارة في سورابايا وذلك في يوم 18 حزيران/يونيو 2014 حسبما نشرت صحيفة جاكرتا بوست في 2014/06/19. وتم إغلاق هذا الحي، الخط الأحمر، رسميًا بعد عملية طويلة منذ تشرين الثاني/نوفمبر2010، وللقيام بذلك فقد قامت بلدية سورابايا ببعض الخطوات وأقنعت الملاك والعاملين في مجال الجنس بتغيير وظائفهم.


ولكن أولئك الذين يعيشون ويعملون في المنطقة عارضوا هذه الخطوة، وأظهروا رفضهم للإغلاق بوسائل مختلفة. فقد قاموا بمنع الوصول إلى منطقة الخط الأحمر، وأوشكوا على الاشتباك مع المئات من ضباط الشرطة الذين حاولوا فك الحصار، ولكنهم هدأوا عندما تلقت الشرطة الدعم.


وقال قائد الشرطة الوطنية العامة في جاكرتا سوترمان في يوم الأربعاء، أن الشرطة سوف تدعم بشكل كامل مساعي إدارة سورابايا في إغلاق مجمع دوللي في مواجهة معارضة السكان المحليين والعاملين في الجنس والقوادين.

التعليق:


إن تطبيق الحكم الصحيح في هذا البلد العلماني الديمقراطي ليس شيئًا سهلًا أو بسيطًا. فالدعارة عمل غير أخلاقي كما هو معروف على نطاق واسع، وخطره تجاه جيل المستقبل هو أمر لا نقاش فيه. ولكن القضاء على الأعمال المتعلقة بتجارة الجنس ليس خيارًا. وهذا هو السبب في أن الحاكم يجد صعوبة في إصدار قانون لجعل منطقة الضوء الأحمر نظيفة وآمنة ولا دعارة فيها.


فمنذ أن أعلنت رئيسة البلدية، ترايرسما هاريني، عن نيتها في إغلاق بيت الدعارة هذا، فقد واجهت رفضًا من العديد من أصحاب المصالح على الرغم من أنها حاكمة على منطقة أغلبية سكانها من المسلمين. وعندما أغلقت رسميًا منطقة "شارع دوللي"، كان عليها أن تتغلب على معارضةٍ من عدة أطراف. وهذه المعارضة ليس فقط العاهرات والقوادين، ولكن أيضًا من منظمات غير حكومية (NGO). ويدعي ناشطو المنظمات غير الحكومية أن البلدية تقتطع من الحق المالي للسكان في بيت الدعارة. وحتى إن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان كانت تحث إدارة سورابايا على عدم إغلاق "دوللي" بالقوة. ويقول المفوض أن الإدارة المحلية يجب عليها حماية سكانها بغض النظر عن وظائفهم، مضيفًا أن الإغلاق كان يمكن أن يتسبب بخسائر مالية. وعلاوة على ذلك، فإن وسائل الإعلام العلمانية المحلية والدولية اعترضت بطريقة سلبية كما لو أن السياسة المحلية تتعامل بالقسوة والظلم مع العاملين في مجال الجنس وحقوقهم الاقتصادية. ولكن في حقيقة الأمر أن إغلاق بيوت الدعارة يؤيده غالبية سكان سورابايا وحتى إنهم طالبوا به، وأصر علماء المسلمين على ذلك منذ سنوات.


هذه القضية دليل آخر على نفاق الديمقراطية. أين يذهب شعار لا صوت يعلو فوق صوت الشعب، عندما يتم تجاهل صوت أغلبية الشعب للقضاء على الإجرام، بسبب حقوق الإنسان أو الدخل المالي أو الإيرادات المحلية؟ إن هذه القضية يجب أن تسهم في جعل الناس يدركون أنه في ظل هذا النظام الديمقراطي، فإن الأمور غير الأخلاقية تطبق بسهولة بينما تطبيق الأحكام الصحيحة يواجه بصعوبات كثيرة.


وبدلًا من التمسك بهذا النظام العلماني الفاشل، فإن الناس يأملون وسيجدون حلًا حقيقيًا في الإسلام للقضاء على المشاكل المتعلقة بالدعارة.


إن الإسلام يعالج مشكلة الدعارة من خلال خمس نقاط ولا بد من الالتزام بها لمعالجة هذه القضية، وهي:


1. لا بد من معاقبة جميع العاهرات معاقبة صارمة. ولا يجب معاقبة أصحاب بيوت الدعارة فقط، بل يجب معاقبتهم ومعاقبة العاهرات ومعاقبة المستخدمين المنخرطين في دائرة الدعارة. والعقوبة هذه هي عقوبة الرجم للزاني (الزانية) المحصن، أو الجلد مئة جلدة للزاني (الزانية) غير المحصن. وإذا لم يعاقب مرتكب هذه الفاحشة في الدنيا، فسيعاقب في نار جهنم في الآخرة. والزانيات يعلقن في جهنم من صدورهن.


2. يجب توفير فرص عمل. إذ إن الفقر يعتبر السبب الرئيسي في قيام العاهرات بهذا العمل، وهو لا يفترض أن يحدث إذا قامت الدولة بتوفير الاحتياجات اليومية لأفراد المجتمع بما في ذلك توفير فرص العمل - وخصوصًا للرجال. ولا يجب على النساء أن يكن هن المعيلات لأسرهن.


3. التعليم المناسب. فالتعليم المناسب والمجاني يزود كل من يقدر على العمل بالذكاء والمهارات من أجل العمل الحلال وبشكل جيد. والتعليم يصقل أيضًا القيمة الأساسية عن الصواب والخطأ، وكذلك يوفر وعيًا على مقاييس الحياة التي يمكن القيام بها. والسبب في أن العاهرات يعدن إلى الدعارة بعد أن يحصلن على المهارات لأنهن يعتقدن أن كسب المال من الخياطة أصعب بكثير من القيام بالدعارة. إن ذلك لن يحدث إذا ما كان هناك تعليم جيد حول مقاييس الصواب والخطأ.


4. التوجيه المجتمعي. إن العيش في عائلة متناسقة هو حل من زاوية مجتمعية ولا بد للحكومات المعنية أن تهتم بهذا الجانب. الشيء الآخر هو وجود ثقافة عامة في جميع المجتمع بحيث لا تتساهل مع معصية الله سبحانه، وبذلك تخضع العاهرات لسيطرة المجتمع.


5. الإرادة السياسية. الحل للدعارة يتطلب تطبيق سياسة تقوم على الشريعة الإسلامية. لا بد من إعداد قانون صارم لردع أي نوع من الأعمال المحرمة ذات الصلة بالدعارة. ولا يكفي إغلاق كل الأماكن التي لها علاقة بالدعارة المحلية، بل لا بد أيضًا من وقف كل المنتجات التي يمكن أن تشجع حرية ممارسة الجنس مثل المواد الإباحية عبر وسائل الإعلام.


إن علاج هذه المشكلة يحتاج إلى إرادة سياسية على مستوى الدولة للقضاء تمامًا على كل وسيلة تؤدي إلى الدعارة. ومستوى سياسة الحكام الآن ليست قادرة على تحقيق ذلك. وبالتالي فإن المجتمع بحاجة لدولة الخلافة التي ستطبق أحكام الإسلام بشكل كامل وشامل. قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: آية 50]

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عفة إينور رحمة- الناطقة الرسمية لحزب التحرير - قسم النساء / إندونيسيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار