March 26, 2014

خبر وتعليق تحرير الأسرى لا يكون بالاستخذاء والاستجداء


الخبر:


تحت عنوان "الفلسطينيون يهددون باللجوء إلى المؤسسات الدولية إذا أوقفت إسرائيل الإفراج عن الأسرى"، أوردت جريدة "الشرق الأوسط" خبرا جاء فيه: يتجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تنفيذ الاتفاق الخاص بالإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين المقررة نهاية الشهر الحالي، على الرغم من المعارضة الإسرائيلية المتزايدة لهذه الخطوة. ويأتي ذلك بينما هدد الفلسطينيون بالتوجه إلى مؤسسات الأمم المتحدة إذا أوقفت إسرائيل عملية الإفراج عن الأسرى.

التعليق:


جاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فُكُّوا العَانِيَّ يَعْنِي الأسِيرَ وأطْعِمُوا الجَائِعَ وعُودُوا المَرِيضَ»، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَدَى أَسِيرًا مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ فَأَنَا ذَلِكَ الأَسِيرُ». رواه الطبراني في الصغير.


لذلك فقد كان المسلمون يهتمون بفكاك الأسرى اهتماما لا يضاهيه اهتمام، ويحرصون على تخليص أسرى المسلمين من يد أعدائهم، ولو كلفهم ذلك الأرواح والمهج والأموال وفلذات الأكباد.


وتاريخ المسلمين حافل بما قام به خلفاؤهم، في سبيل فكاك أسرى المسلمين، ومن ذلك ما قاله صاحب فتوح الشام حيث قال: لما وصل خبر أسر عبد الله بن حذافة لعمر بن الخطاب كتب عمر إلى هرقل: (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وصلى الله على نبيه محمد المؤيد. من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أما بعد: فإذا وصل إليك كتابي هذا فابعث إلي بالأسير الذي عندك وهو عبد الله بن حذافة فإن فعلت ذلك رجوت لك الهداية وإن أبيت بعثت إليك رجالا وأي رجال!؟ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى). فلما ورد هرقل الكتاب وقرأه أعطى عبد الله مالاً كثيراً وثياباً وأعطاه لؤلؤاً كثيراً هدية لعمر بن الخطاب، وبعث معه خيلاً إلى أن أخرجوه من الدروب ثم إنه سار إلى عمر بن الخطاب، فلما رآه سجد لله شكراً، وهنأه بالسلامة، وحدثّه بما كان من هرقل، وأخرج له اللؤلؤ، فلما رآه عمر، عرضه على التجار، فقالت التجار له: هذا ما يقوم.


أما عمر بن عبد العزيز لما سمع بأن أحد المسلمين وقع أسيرا في يد الروم بكى حتى قد بلتّ دموعه ما بين يديه. ثم كتب إلى صاحب الروم (أما بعد: فقد بلغني خبر فلان ووصف صفته، وإني أقسم بالله لئن لم ترسل به إلي لأبعثن إليك من الجنود ما يكون أولهم عندك وآخرهم عندي). فلما قرأ ملك الروم الكتاب قال: ما كنا لنحمل الرجل الصالح على هذا بل نبعث بالأسير. وأطلق سراحه.


بل لقد رتب المالكية طرق إنقاذ الأسرى في كتاب قوانين الأحكام الشرعية على النحو التالي: أولاً: استنقاذهم من خلال تسيير الجيوش والتهديد بذلك، ثانيا: العمل خلف خطوط العدو لفك الأسرى، ثالثاً: الفداء: ويكون بالمال وبالمبادلة بين الأسرى أو بأن يقوم بأي نوع من المبادلة كالتعليم والعمل وغيره.


نعم هكذا كان المسلمون يقومون بفكاك أسراهم من بين يد أعدائهم، فهم لم يُسْلِمُوهم يوما لأعدائهم، حاشاهم، ولم يتركوهم في أيديهم دون أن يحركوا ساكنا لتحريرهم، كما يفعل المسلمون اليوم، وقد غصت سجون الظالمين والمحتلين أيضا في العراق وأوزباكستان، وفي سوريا وأفغانستان، وفي فلسطين وقرغيزستان، وفي غيرها من البلاد بالمسلمين والمسلمات، الذين تتعالى صرخاتهم، وتتوالى استغاثاتهم بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ليحرروهم ويفكوا أسرهم، حتى وصلت الحال بإحدى الأسيرات في سجن أبو غريب أن تبعث برسالة تتوسل فيها للمجاهدين في العراق بأن يدمروا ذلك السجن على من فيه من مسلمين وكفار، علّها تتخلص من العار الذي لحق بها وبأخواتها المسلمات، بل وليس كما تفعل السلطة الفلسطينية الذليلة بالاستخذاء ليهود أجبن خلق الله لإطلاق سراح الأسرى، أو تهديدهم بالوقوف على عتبات مؤسسات الأمم المتحدة!، التي كانت دولها سببا في إقامة كيان يهود في قلب الأمة الإسلامية، تستجديها وتتوسل إليها للتوسط عند كيان يهود لتنفيذ ما يسمى الاتفاق الخاص بالإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين.


من الممكن، بل الطبيعي أن يقع بعض المسلمين أسارى في أيدي أعدائهم، لكن ما هو ليس من الطبيعي أن يسكت المسلمون أو يتخاذلوا عن نصرتهم وتحريرهم، مثلما هو حاصل اليوم للأسف، كما أنه ليس من الطبيعي أن يستجدي المسلمون أعداءهم، أو يلجئون إلى مؤسسات الإجرام الدولية لإطلاق سراح أسراهم، بل تحرير الأسرى وإطلاق سراحهم يكون بتجييش الجيوش لدك حصون الأعداء؛ وذلك لن يقوم به حكام المسلمين الرويبضات؛ لأنهم جزء من المؤامرة الدولية على المسلمين، وقد امتلأت سجونهم هم أيضا بالمسلمين المخلصين، والمسلمات العفيفات الطاهرات، وإنما من سيقوم بذلك هو خليفة المسلمين القادم قريبا إن شاء الله؛ لذلك توجب على المخلصين من أهل القوة والمنعة من المسلمين، أن يعطوا النصرة لحزب التحرير لإقامة دولة الخلافة، ومبايعة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة خليفة للمسلمين، ليخرج المعتقلين من سجون الظلمة حكام المسلمين، ويحرر الأسرى من سجون الكافرين.


وأختم مذكرا أبناء الأمة المخلصين من أهل القوة بهذه الأبيات لعلها تذكرهم بدورهم الذي أوجبه عليهم دينهم، أو لعلها تحرك فيهم نخوة المعتصم:


أتسبى المسلمات بكل ثغر * وعيش المسلمين إذا يطيب

أمـــــــا لله والإسلام حـق * يدافع عنه شــــــبان وشيب

فقل لذوي البصائر حيث كانوا * أجيبوا الله ويحكم أجيبوا


اللهم هيئ للمسلمين خليفة، يمسح عنهم العار، ويصحح لهم المسار. يطلق سراح معتقليهم من سجون الظالمين، ويحرر أسراهم من سجون الكافرين. اللهم آمين.



كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد عبد الملك

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار