خبر وتعليق ثورة تنعت بـ "سيل من الفوضى" في عيدها!
January 08, 2014

خبر وتعليق ثورة تنعت بـ "سيل من الفوضى" في عيدها!

الخبر:


قال الصحفي المخضرم محمد حسنين هيكل في الحلقة الأخيرة من سلسلة حواراته المتلفزة (مصر أين؟ وإلى أين) على قناة السي بي سي: "الأزمة عندنا جميعاً أننا في 25 يناير تصورنا ما لم يكن فيها، فهي كانت حركة عظيمة جداً لكنها بلا فكرة ولا قيادة، لكن مع انكسار خزان مبارك بما فيه من محتوى وما به من عوالق وشوائب، بدأنا نشعر بالقلق مما نراه وتصورنا أنه سوف يجيء ماء ثوري صاف، لكن انهيار سد مبارك أتى بالإخوان." (الوادي 2014/1/4) وردد غير مرة في الحوار المطول أن الذي جاء بالإخوان هو هذا السيل من الفوضى والعوالق بعد انكسار خزان مبارك وزحام بقايا أشياء. كما أكد هيكل أن أمريكا والإخوان يخوضان المعركة الأخيرة وأن الشعب المصري في 2013 شعب فقد الثقة في نفسه. وبرر هيكل صعود الفريق السيسي لسدة الحكم بضرورة تجميع القوة والسلطة في يد واحدة؛ لأنه من غير المقبول من وجهة نظره أن تكون السلطة في جانب والقوة في جانب آخر. ووصف ترشح الفريق السيسي "بحل الضرورة" وأن الأمور ستفرض عليه ما لا يرضاه وأن دور الجيش أصبح حيويا ولا بديل له في مصر، وقال هيكل أن بعض الناس يرددون دون تمييز، كلمة «العسكر»، لأن لديهم ما سماه "حساسية سطحية"، تجاه الجيش.

التعليق:


تأتي هذه التصريحات ومصر على مشارف الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير، وفي السياق العام الذي يبرر حكم العسكر ويطرحه كخيار أمثل لحكم البلاد وحمايتها من "التيارات" التي تهدد الأمن والاستقرار. تصريحات تتناسى أن الجيش هو الحاكم الفعلي لمصر منذ ستين عاماً، وأن النظام الذي ظن الناس أنهم خلعوه باقٍ ومتجدد كالحرباء، يتلون لهم أمام أعينهم وتسير البلاد في شدٍّ وجذب بينما هو باقٍ. يتحدث هيكل وكأن مصر حديثة عهد بحكم العسكر ويتناسى أن الثورة قامت لتخلع هذا الحكم من جذوره وتسقط النظام، فإذا بالنظام يساوم الناس على استبدال الزي العسكري بآخر مدني. يبقى النظام الذي يغازلهم بالحديث بينما يهددهم في حياتهم اليومية ويثير الرعب والفوضى إلى أن يسأم الشعب ويرفع راية "حقك علينا يا ريس"، نظامٌ يطرح سراب الديمقراطية تارة ويحكمهم بالنار والحديد تارة أخرى، ثم يخرج متبجحاً ليعلن أن دور الجيش أصبح حيوياً ولا بديل له في مصر لتهدأ هذه الفوضى العارمة التي لحقت بالبلاد بعد سقوط مبارك، وأن الفسيفساء المصرية لا يحكمها إلا قوة وسلطة هي الجيش ومن يمثله، ليترك ثوار الأمس وفرقاء اليوم في حيرة ونقاشات فلسفية معقدة عن الثورة وأهدافها وأحوالها ومآلاتها.


هذه الحيرة تفسر حال الثوار وهم يتأملون أحداث السنوات الثلاث التي مضت منذ رحيل مبارك لتحل ذكرى أخرى يحتفل فيها العسكر بثورة جددت في النظام الحياة ومنحت شيخوخته روح الشباب، بينما يتساءل الثوار علامَ نحتفل؟ أنحتفل بأكبر مذبحة في تاريخ مصر الحديث ارتكبها النظام الانقلابي بذريعة فض اعتصامي رابعة والنهضة وما تلا ذلك من سفك للدماء الزكية بشكل يومي؟ أم تحتفل الثورة بمساجينها من الثوار الذين وقفوا للتنديد بالقتل الوحشي؟ أم ستحتفل بالتسريبات التي تلاحق من لم يجد النظام لهم تهمة لتنشر "دولة القانون" تسجيلات سخيفة تنتهك خصوصيتهم وتلفق لهم الأقاويل؟ هل يحتفل الثوار بالداخلية التي عادت لسابق عهدها في الشر والتنكيل وهتك الأعراض، أم بالإعلام الذي ديدنه الكذب والخداع؟ هل ستحتفل الثورة ببقايا مشرذمة لثوار الأمس ساد بينهم جو التخوين وغلبوا أحقاد الماضي على محاربة الاستبداد؟ نجح النظام في شق صف الثوار بين مهادن ومصالح ومتفرج وبين من ظهر على حقيقته وأظهر علناً أن الحرية عنده تعني الليبرالية بالإكراه، ولا علاج لمن رفض العلمانية سوى القمع ويستحق مبارك وحكم العسكر، وطرح بذلك تناقضات فلسفية متجذرة بين الديمقراطية ومزاعم الليبرالية. انتقل البعض من حملات كاذبون ضد العسكر لرفع شعار "أنا لا أكذب ولكني أتجمل" وأصبحت الحسابات التكتيكية في تبعات النزول في توقيت معين تشل الحركة وتلحق الثوار "بحزب الكنبة".


إن المتتبع لهذه الثورة يرفض هذه الثمار الهجينة، فما بال أولئك الثوار في الصفوف الأمامية التي ألهمت ثورتهم العالم ورفعوا أصواتها مجلجلة بالحق "الشعب يريد إسقاط النظام"؟! هل يُستبدل بأجواء الثورة ضد القمع هلاوس العمالة والخيانة وعدالة انتقائية وعداء لشعارات وتهم لدمى وعدو افتراضي يثير الذعر ليرتمي الناس في أحضان جنرالات أمريكا؟ أم ترضون بأن يتعمق هذا الشقاق بين الناس فيحدث ما لا يحمد عقباه ويواجه أهل مصر بعضهم بعضا بينما النظام في مأمن ينشر فساده ويضيع حقوقكم؟ هل تقبلون اليوم بما سخرتم منه بالأمس حين حصر مبارك الخيارات بين الاستبداد الذي هو بلاء عظيم، والفوضى التي تشل الحياة، ورفضتم هذا العرض الهزيل لأنكم وقفتم على أرض صلبة في الثامن والعشرين من يناير لتعود السلطة للشعب يمنحها لمن يريد عن بينة ووعي. ملكتم أمركم حين قمتم بالثورة، ثم ما لبثت أن تسربت هذه الروح عبر سيل من المؤامرات والتخاذل، تسربت كحبيبات الرمل الناعم بين أيادٍ ناعسة.


العرض الموجود على الساحة اليوم هو النقيض للثورة، فالثورة كالسيل الجارف تحوي الغث والسمين، ولا بد لها من تصفية وغربلة، ولا بد من تمعن في محاسن هذه المرحلة وغربلة الأمور ليُعلم الصالح من الطالح وليفصل بين الزبد وما ينفع الناس. استقرار الفساد ليس بالخيار اللائق، ولا يوافق عاقل على استبدال التحرر بالأمن أو التخيير بينهما ولا يطرح هذا الخيار إلا مستبد يعرف أن هذا هو القيد المناسب لشعب قهر الخوف من العسكر، ومن فعل ذلك منكم فقد ضيع الاثنين معاً فلم يأمن ولم يتحرر. أفيقوا أيها الأحبة؛ فالمياه الراكدة ليست كلها صالحة للشرب فمنها الآسن ومنها السلسبيل.


﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾



كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار