March 15, 2014

خبر وتعليق تجدد الصراع في دارفور داء لا دواء له إلا تطبيق أنظمة الإسلام


الخبر:


شهدت مدينة الفاشر، حاضرة شمال دارفور تدفق أعداد كبيرة من النازحين، جراء دخول المتمردين واستباحتهم لأربع محليات شرق الولاية،، وجراء الصراع القبلي في منطقة سرف عمرة غرب الولاية، وبدوره وصف والي الولاية عثمان كبر في تصريحات صحفية الأوضاع بالمتدهورة والمحرجة؛ التي تتطلب تدخل الحكومة المركزية لتقديم المساعدات، وحسب الإحصاءات الأولية فإن المتأثرين بلغ عددهم أكثر من «350» ألف شخص من غرب وشرق الولاية وحذر رئيس السلطة الإقليمية لدارفور التجاني السيسي رئيس السلطة الإقليمية بدارفور من أن الوضع مضطرب ومقلق، مشيراً إلى أن الأحداث الأخيرة تسببت في حرق عشرات القرى ونزوح الآلاف من المواطنين. (صحيفة الانتباهة 2014/3/11م).


وفي بيان لطلاب سرف عمرة بالجامعات أكد أن مجلس الصحوة الثورية (تجمع مسلح لقبائل عربية) قام يوم الجمعة 2014/3/7م وعندما كان الناس يؤدون صلاة الجمعة بهجوم على المحلية بسيارات الدفع الرباعي؛ حوالي 350 عربة لاند كروزر محملة بكافة الأسلحة الثقيلة وإطلاق النيران الكثيفة على الجناح الجنوبي الغربي في اتجاه المسجد والجناح الشمالي الغربي للمحلية مستعملين صواريخ وقاذفات الآر بي جي والكاتوشا، وتم حرق المحلية والسوق بعد نهبها بأكملها، وقاموا بقتل المواطنين الأبرياء العزل، وأخرجوا كل سكان المحلية، وقاموا بحرق محطات الوقود، وما تبقى من مواد تموينية وصحية، وأخرجوا الأطفال والنساء، وكبار السن قهراً من الأحياء إلى مقر الأمم المتحدة شمال المحلية، وهم الآن يعيشون أوضاعاً بالغة التعقيد لا يجدون الملبس والمأكل والمشرب، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، وتم منع المواطنين من رفع جثث الموتى وإسعاف الجرحى حتى فقد بعض الجرحى روحه في موقع الحدث، وما زالت قوات ما تسمى بمجلس الصحوة الثورية متواجدون داخل المدينة ينهبون ويقتلون كل من يدخل المدينة، ويحاصرون المحلية بأكملها من الداخل والخارج.


التعليق:


إن طبيعة ونوعية الجرائم التي حدثت وتحدث في إقليم دارفور؛ والتي أخذت صعيداً عرقياً قَبَلياً صرفاً حيث وضعت القبائل ذات الأصول العربية في مواجهة القبائل ذات الأصول الأفريقية، ومهما يكن من حجم تلك المواجهة إلا أنَّ المجازر التي صاحبتها تشير بقدر كبير من الشكوك حول طبيعة الصراع والأهداف المخفية وراءها! بحيث يصعب على المراقب الحصيف أن ينسبها فقط إلى مجرد منازعات حول المراعي أو مصادر المياه، أو مناجم تعدين الذهب، كما تحاول وكالات الإعلام تصويرها في أمور تحدث بينهم من يوم وجودهم على هذه الأرض، ثم إنَّ تواتر القتل الشنيع والسلب والنهب والتنكيل وتوسعها تدريجياً تعكس حقيقة واردة هي أنَّ هناك استهدافًا يتعدى مجرد النزاعات القبلية البسيطة التي تحدث في أي منطقة ذات تعدد قبلي إلى الشك في وجود مؤامرة كبرى تستهدف سلخ إقليم دارفور عن الدولة.


إن ما يجرى في إقليم دارفور شيء أكبر من مجرد عمليات النهب المسلح أو نزاعات حول الموارد الطبيعية وربما تكون مليشيات الجنجويد في حد ذاتها وسيلة لتحقيق مآرب أخرى، وإلا فكيف نفهم دوافع القتل الشنيع وإبادة القرى وتنظيف الأرض وبصورة تتعدى مجرد القتل أو النهب المسلَّح؟! والمؤلم هو نفي الحكومة الدائم للأحداث وتسترها، بل إن الصحافة مأمورة بعدم الخوض في هذا الموضوع حسب صحفيين أسرّوا بهذه الحقيقة..


وكنتيجة حتمية أصبحت التفلتات العسكرية سمة بالمنطقة والدمار الذي خلفته الحرب منذ اندلاعها قبل عدة أعوام، حيث كانت له تبعات أبرزها الانفلات الأمني وما يدور الآن أقل ما نصفه بأوضاع كارثية، مع وجود مجموعات مسلحة عديدة (مليشيات مدعومة من الحكومة بتركها تسرح وتمرح بأسلحتها الثقيلة تهلك الحرث والنسل وحركات مسلحة مدعومة من الخارج). والنساء والأطفال هم وقود هذه الحرب.


ونتيجة لذلك تعيش ولايات دارفور أحداثاً محزنة ومؤسفة؛ مناطقها الشرقية، عاثت فيها الحركات المسلحة فساداً وما زالت موجودة فيها تعتدي على المواطنين؛ تقتيلاً وذبحاً ونهباً وانتهاكاً لكافة الحرمات، أما محليات الولاية الغربية، فتعيش وضعاً متأزماً بسبب الصراعات القبلية والتناحرات العشائرية وغياب سلطان الدولة والفوضى التي ضربت بأطنابها فأصبحت الجاهلية الأولى تطل برأسها لهذه البقعة من الأرض حيث يذبح الناس بعضهم كالشياه!


فمن الذي يتحمَّل مسؤولية موت الأبرياء من نساء وأطفال وشيوخ لا حول لهم ولا قوة إلا الحكومة غير المكترثة دوماً. ثم من الذي بذر بذور الفتنة القبلية غير الرأي العام الفاسد من إرث التقاليد المقيتة والدستور الذي لا زال يكرر (السودان بلد متعدد الأعراق)؟!!


إن الدولة الإسلامية؛ الخلافة، التي أظل زمانها، تضع أولويات مختلفة تماماً لمن يعيشون فيها مع اختلافهم سواء أكانوا عرباً أم تتارَ أم أفارقة أم فرسًا أم غيرهم، لا يجمعهم دم ولا عرق، وأولى هذه الأولويات هي نشر دين الله في الأرض فكانوا خير جنود لله، وليس للقبلية المقيتة عندهم أي اعتبار، وتكرس الدولة الإسلامية (الخلافة) نفسها للنمو الاقتصادي ورفاهية رعاياها، تقدم العلوم والتكنولوجيا، ولا ينشغل الناس بسؤال: من نحن؟ فقد حددوا ذلك منذ اعتناقهم لعقيدة أصبحت هويتهم الوحيدة. فهم مسلمون من قبائل مختلفة وحدت بينهم كلمة لا إله إلا الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.


إن حل هذه الصراعات في متناول اليد؛ وهو عقيدة أهل البلد، لكنها تحتاج لمن يبثها من جديد لتطبيق الإسلام، فالهوية لكل المتقاتلين في دارفور وغيرها من المسلمين هي العقيدة الإسلامية؛ التي لها نظام منبثق عنها هو دستور رب العالمين؛ كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام فإن حكموا به فستكون لهم أولويات مختلفة عن التقاتل والمحارق التي حصدت أرواح الناس بغير هدف ولا غاية، وعلى كل من كان جاداً في نزع فتيل أزمة دارفور، وعلى كل حريص على أرواح الأبرياء من النساء والأطفال، على هؤلاء جميعاً أن يتلبسوا بفرض إقامة دولة الخلافة التي بها تحقن الدماء، ويكون للمسلم فيها قضية وهدف وغاية أسمى من قتل أخيه المسلم ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم أواب غادة عبد الجبار

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار