March 09, 2013

خبر وتعليق تراجع النفوذ الإيراني

استحوذت إيران في الآونة الأخيرة على عناوين الأخبار على صعد عديدة، من اعتبار (إسرائيل) إيران تهديدا لوجودها، واستمرار الغرب في الحديث عن برنامج إيران النووي، واستمرار مجلس التعاون الخليجي بالشكوى بمرارة من تدخل طهران في البحرين واليمن، ولوم السوريين القوات الإيرانية على ذبح المدنيين السوريين، ومع ذلك فإنّه يُلاحظ تضاؤل للتأثير الإيراني في المنطقة.


فالنفوذ الإيراني في بلاد الشام والعراق في تناقص مستمر وبسرعة مذهلة، وواضح تضاؤل قدرة إيران على التأثير في السياسة الإقليمية، فبالنسبة للملف السوري فإنّه في بداية الثورة وقفت إيران بقوة مع حليفها الأسد، ودعمت طهران الاقتصاد السوري بكميات هائلة من المساعدات، بما فيها دعم شبيحة الأسد بقوات كوماندوز من النخبة الإيرانية لقمع الانتفاضة السورية بوحشية، ففي الأول من تشرين الأول أكتوبر 2012، ذكرت صحيفة تايمز أنّ طهران أعطت الأسد 10 مليارات دولار لدعم نظامه المهلهل، وهذا يدل بكل وضوح مدى أولوية دعم طهران للأسد على الرغم من الخسائر الاقتصادية الضخمة التي تتكبدها إيران من العقوبات الدولية ضد الشعب الإيراني، وفي صيف عام 2012 سعت طهران للحفاظ على سرية أنشطتها العسكرية في سوريا، وفي النهاية تكشفت أنشطة قوات القدس في سوريا حتى اضطرت طهران للاعتراف أخيرا بعملياتها العسكرية في سوريا، وفي أيلول سبتمبر 2012، قال قائد الحرس الثوري العميد محمد علي جعفري "أنّ عددا من أعضاء قوة القدس موجودون في سوريا ولبنان ... نحن نقدم لهذه الدول المشورة والنصح ونزودهم بالخبرات."


وباقتراب الثوار السوريين نحو العاصمة دمشق، فقد توقف تدفق مليارات الدولارات الإيرانية والدعم العسكري للأسد، فليس لإيران نفوذ يُذكر بين الثوار، وهذا الأمر مثير لقلق القيادة الإيرانية ولذلك تحاول التغلب على ذلك، فهي تواجه خيارا استراتيجيا صعبا فيما إن حل مكان النظام العلوي وميليشياتهم والشبيحة سلطة متبناة من قبل الثوار المسلمين من الذين يمقتون النظام الإيراني، ورد في مقال بعنوان "من يكره مصير سوريا أكثر: الولايات المتحدة أم إيران؟" في بلومبرج في 6 شباط فبراير 2013 لخص المعضلة الإستراتيجية لطهران على النحو التالي: "ستواجه إيران قرارا استراتيجيا: إما أن تستمر في دعم العلويين وهي الميليشيات التي لا تمثل سوى جزء صغير من المجتمع السوري، أو أنها ستشارك المسلمين الذين سيتولون زمام السلطة في دمشق بعد الإطاحة بالأسد، ولكن قادة إيران سوف يحاولون احتضان "المتطرفين" الثوار، وإذا فشلوا في ذلك فإنهم سوف يعملون مع الشبيحة لمنع تشكيل نظام مستقر مناهض لإيران في سوريا."


والأمر الثاني المزعج بالقدر نفسه لإيران هو امتداد عدم الاستقرار من سوريا إلى لبنان، والموقف غير المستقر لحزب الله، ففي بداية ثورات الربيع العربي، كانت إيران وحزب الله بقيادة حليفها نصر الله مبتهجين في العلن بسقوط الحكام المستبدين في تونس ومصر وليبيا، ولكنهم أيدوا علانية الأسد وأرسلوا مسلحين لقمع الشعب السوري، وهذا الموقف المنافق من حزب الله أثر على قدرته على حشد الدعم بين اللبنانيين وخاصة في أوساط المسلمين. وعلاوة على ذلك، فإنّ ازدراء حزب الله من قبل السوريين لمساعدته وتحريضه ضدهم لصالح الأسد، دفع هذا بالثوار في سوريا إلى تحذير نصر الله علنا من العواقب الوخيمة إن هو استمر في دعم الأسد، وفي وقت لاحق فقد ضعفت قوة حزب الله في الداخل وفي العالم العربي. وضعف حزب الله يعني أيضا ضعف النفوذ الإيراني في السياسة اللبنانية.


إنّ ضعف محور حزب الله الأسد وإيران شجع اندلاع موجة من الاحتجاجات في العراق، فالمناطق التي يهيمن عليها السنة في العراق تشهد أواخر الربيع العربي الذي يهدد قبضة المالكي على الساحة السياسية العراقية، فالمالكي الذي لديه علاقات وثيقة مع طهران يعمل جاهدا لاحتواء المناطق النائية السنية التي فتح فيها جنوده النار على المدنيين العزل.


كان النفوذ الإيراني ما بين عام 2004 وعام 2008 من خلال السلطة في العراق في ذروته، ما أثار الملك عبد الله للتعليق على حجم القوة الإيرانية باستخدام مصطلح الهلال الشيعي الذي وصفه بالنفوذ الإيراني الممتد من دمشق إلى طهران ويمر عبر بغداد. وعلى الجانب الآخر فإنّ الهلال يمر من البحرين وشرق المملكة العربية السعودية واليمن. أما اليوم فإنّ الامتداد الإيراني يواجه تهديدا وجوديا في سوريا، وهو بالتأكيد ينبئ بنهاية المساعي الإيرانية لإنشاء الهلال الشيعي وينهي طموحاتها في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وما فيه من احتياط النفط والغاز.


ومع ذلك، فإنّ إيران ليست الخاسر الوحيد من زوال الأسد، فالخاسر الحقيقي هو أمريكا، فعلى مدى العقود الأربعة الماضية، تعاونت أمريكا سرا مع إيران في محاولة يائسة لإيجاد الهلال الشيعي الذي من شأنه انتزاع النفط من أيدي الطغاة من حكام السنة ووضعها في أيدي المستبدين الشيعة وزعمائهم والذين بدورهم سيكونون أكثر ولاء لأمريكا ، هذا ما يفسر سبب عدم منع أو معاقبة أمريكا لإيران بسبب تدخلها في لبنان والعراق وسوريا، على الرغم من أنّ لدى واشنطن فرصة كبيرة لتأديب طهران. وبالفعل فقد استغلت أمريكا هذا الظرف كوسيلة لتهدئة المخاوف (الإسرائيلية) بشأن برنامج إيران النووي، فأمريكا تعرف جيدا أنّه إن تعرضت إيران لأي هجوم عسكري، فإنّ نفوذ إيران الذي يمتد من اليمن إلى لبنان سوف يتضاءل، وبذلك فإنّ قدرة أميركا على فرض الحلول السياسية للحفاظ على هيمنتها في المنطقة ستضعف بشدة. وقد حذر بريجنسكي من هذه العواقب فيما إذا اختارت أمريكا معاقبة إيران حيث قال: "إنّ الحرب في الشرق الأوسط، في السياق الحالي، قد تستمر لسنوات، ومع ارتفاع التضخم وعدم الاستقرار وانعدام الأمن ربما يشكل ذلك بيئة خصبة لعزلة الولايات المتحدة في الساحة الدولية، في الواقع، ينبغي على دافعي الضرائب الأميركيين أن يكونوا على استعداد لدفع مبلغ 5 إلى 10 دولارات لجالون البنزين في حال اندلعت حرب في مضيق هرمز".


ومن ثم، فإنّه ليس لأمريكا خيار سوى استخدام إيران لدعم الأسد والاستمرار في تغذية الانتماء الطائفي والاختلاف المذهبي على أمل أن تتمكن إيران على المدى البعيد من السيطرة على النفط والغاز في الشرق الأوسط عن طريق الهلال الشيعي إن ظل سليما.


أبو هاشم

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار