June 04, 2014

خبر وتعليق تربية الجيل القادم من المسلمين في بريطانيا تصبح جريمة (مترجم)


إننا بصفتنا جالية مسلمة تعيش في بريطانيا نعلم أننا نتحمل مسؤولية ضخمة تتمثل في تربية أولادنا على نحو يتمسكون فيه بدينهم. ولذلك نريد أن نربي أشخاصاً كباراً يرعوننا عندما نطعن في السن، ويحملون القرآن في قلوبهم، ويعتنون بجيرانهم، ويقولون الصدق في كل حين بغض النظر عن النتائج، ويمشون على الأرض هونا. وذلك لكي نكون مطمئنين من أنه، بعد أن يدركنا الموت، سيكون الإسلام هو الهادي والدليل لجاليتنا.


غير أننا نعرف كذلك العقبات التي تعترض حمل الإسلام على هذه الصورة، ونعلم ما يواجه هذا الحمل من تحديات. فقد جعلت مسودة تقرير أوفستيد الملعونة بشأن المدرسة الإسلامية في لوتون وقضية حصان طروادة المشؤومة بشأن مدارس بيرمنغهام، جعلا الآباء والمربّين المسلمين يشعرون أن جهودنا مع أمّة الغد مشكلة حقيقية.


إن هذه الحملة التي تشنّ ضد الجالية المسلمة، كما لو كانت خارجةً على المجتمع، لتدل على شيء واحد، وهو أنه بالرغم من وجود مجموعة واسعة متنوعة من المدارس الدينية التي تتبع جاليات كثيرة، نصرانية ويهودية وهندوسية، فإن مدارس المسلمين وجهود الآباء المسلمين وحدها هي التي ينظر إليها على أنها تهديد للمجتمع. فالجالية النصرانية، التي تمتلك أكبر عدد من المدارس الدينية في طول البلاد وعرضها، ما زالت في معظمها تعتقد بالفعل أن المِثلية الجنسية خطيئة. وقد أصدر كبير الأساقفة في الآونة الأخيرة توجيهاً لمعالجة رُهاب المِثل في المدارس ما زال يُقرّ فيه بالنظرة الدينية لهذا الأمر. كما أن اليهود الأرثوذكس يؤمنون بالفصل بين الجنسين، وهذه مدارسهم منفصلٌ بعضها عن بعض في بريطانيا. ولذلك يبدو أن الإسلام وحده هو الذي يُتخذ كيس لَكْمٍ لآراء جروف (Grove)، الذي يمعن في نثر كُناسته التحريضية حول مدارس المسلمين. وكل ذلك لأن أي شيء يعادي الجالية المسلمة يمكن أن يُتلقّى بالاستحسان تحت شعار معالجة التطرّف.


وقد تبدو هذه الحملة الضارية كعملاق ضخم يصعب التغلب عليه، كما كانت الحال مع فصل الجنسين عن بعضهما في الجامعات ووضع النقاب في الحياة العامة. إلا أنه يجب علينا الصمود في وجهها ومحاولة ردّها على أعقابها، واثقين من أن الله سبحانه وتعالى سيقف معنا ويعيننا على ذلك. ويجب علينا كوننا جالية كذلك أن نقف وقفة رجل واحد، وأن نرفض ونقاوم هذا الضغط الذي يجرّب أن يحول بيننا وبين تنشئتنا وتربيتنا لجيلنا القادم على أساس الإسلام. فهذا أمرٌ لا يمكننا التنازل عنه ولو قيد شعرة. أما إن تساهلنا في ذلك، أو ساومنا عليه، فإننا لن نحصد سوى شرعنة الحط من قدر جيلنا وتشويه سمعتنا. لذا، يتعين علينا أن ندوس ونتجاوز الفكرة التي يجري ترويجها، من أننا نحاول تعليم أطفالنا أشياء ضارّة بالمجتمع، ما يولّد الكراهية ويُنجب الإرهابيين! إن قضية تربية أولادنا على الإسلام، كما نعلم، لا يمكن لها بأي حال أن تتخطى قول الله عز وجل، وقوله الحق: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم: 4].


ذلك أن هذه الآية الكريمة تثبت حُجّيتها اليوم كما ثبتت بالأمس وكما ستثبت غدا. وهي تفرض علينا أن نبذل أقصى طاقتنا لوقاية أطفالنا من نار جهنم، على الرغم من الضغط الهائل الذي نشعر به في مواجهة عمالقة وسائل الإعلام والساسة المعادين للإسلام. خصوصاً وأن الكثير منا ما زالوا بحاجة لأن يثيروا، خلال اجتماع أولياء أمور الطلبة في المدارس، مسألة كيف سيتجاوز أولادنا اليوم الدراسي في رمضان في ظل هذا المناخ، كما أن من المفيد التفكير في إرسال أطفالنا إلى مدرسة إسلامية كي يدرسوا الدين هناك. يجب علينا أن نتحلى بالشجاعة وأن نواصل المسير. وقد حان الوقت لنضاعف جهودنا، لا أن نقلّصها.


إن المدارس الإسلامية، والحق يقال، كانت واحداً من أكبر إنجازات السكان في بريطانيا. لقد جمعت الجالية المسلمة، على الرغم من أنها أقلية، الأموال التي كانت في أمسّ الحاجة إليها من أجل إنشاء ثروة كبيرة من المدارس التي باتت تنتشر في البلاد طولاً وعرضا. وسعت هذه المدارس جاهدةً لتغرس في الجيل القادم القيم النبيلة، التي لا يمكن لها إلا أن تنفع المجتمع الذي سيعيشون فيه. إذ إن فكرة استشعار وجود الله عز وجل مع الإنسان في كل زمان ومكان، وإحساس المرء بأنه مسؤول عن أفعاله، وقيم الرأفة والرعاية والمسؤولية عن مد يد العون لأفراد المجتمع، التي يتشرّبها الأطفال من التربية الإسلامية، كلها تعدّ أموراً حاسمة وحيوية لمن سيصيرون غداً كبارا. والحقيقة أن المدارس الإسلامية تخرّج أطفالاً تشتد حاجة الجالية المسلمة اليوم بالذات إليهم، وعلى وجه خاص في هذا الوقت الذي تلفّ الشبابَ النزعةُ الماديّة والفرديةُ الأنانية وثقافةُ المُتع فيه من كل جانب. ومن ثم فإن الزعم بأن المدارس الإسلامية تنتج أناساً مؤذين للمجتمع ليس تشهيراً مفضوحاً بأخسّ صورِه فحسب، بل وباعثٌ على الضحك سخريةً أيضا. ولينظر من يدّعون ذلك إلى الأعداد الكبيرة من مدارس الدولة التي تعاني الأمرّين في محاولة جعل الطفل يحترم معلِّمه.


صحيحٌ أن المسألة هي في نهاية المطاف هجومٌ جديد على ديننا وعلى طريقة عيشنا، وقد نشعر أننا لا نملك القوة الكافية للوقوف في وجهه. فلنتذكر هنا أن نبيّ الله داود عليه السلام هو الذي تقدم الصفوف ووقف في وجه العملاق جالوت، بالرغم من معرفته بأن معركته تبدو لا أمل فيها ظاهريا. إلا أنه عليه السلام كان يعرف أيضاً الأهمية الكبرى للوقوف حينها نصرةً للحق.


كان والده قد أمره عليه السلام حتى بعدم القتال، لأنه كان يظنه صغيراً جداً وضعيفا. إلا أنه تقدم وثابر، وكما قال الله تبارك وتعالى، كان هو جلّ شأنه الذي أعطاه ملَكة اتخاذ القرار الصائب الحاسم، حيث قال سبحانه: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [سورة ص: 20].


إن شعورنا بأنه تجري محاولات حثيثة لحشرنا في الزاوية له ما يبرره، حيث إننا جالية قليلة العدد وإمكانية وصولنا إلى وسائل الإعلام محدودة. غير أن قصص الأنبياء عليهم السلام التي نقرأها لأطفالنا تعطينا درساً بليغاً في المثابرة، بالرغم من صعوبة ذلك. إننا لا نشكّل الأحداث كنتيجة لما نبذله من جهد. بل الله عز وجل وحده هو الذي يملك القوة والقدرة على ذلك.


أخيراً، لو قُدّر لنا أن نغوص في مستقبلنا مدة خمسين عاماً من الآن، لنرى جالية لم يكن إسلامها سوى جزءٍ من اسمها، لا غير، لحلّ بنا الدمار. فالحياة لمجرد الحياة لا تعني شيئا، وما يعطيها قيمة هو أن نعيشها مع إسلامنا، وفي ظل، دين ربّنا سبحانه وتعالى.


إن السبيل للحفاظ على الإسلام وصونه لم تكن مهمةَ آخِر رُسل الله سبحانه وتعالى فقط، وإنما أصبحت كذلك هي مهمة هذه الجالية قليلة العدد في بريطانيا في القرن الـ 21.


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
شوهانة خان
الممثلة الإعلامية للنساء في حزب التحرير في بريطانيا

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار