خبر وتعليق   وصل التجهيل أطفالنا.. فإلى أين المسير
March 19, 2013

خبر وتعليق وصل التجهيل أطفالنا.. فإلى أين المسير


الخبر:


"رام الله - أظهر تقرير أعده مركز "إبداع المعلم" أهمية العمل من أجل تجاوز مشكلة تدني التحصيل العلمي لدى الطلبة، خاصة في المراحل الأساسية، سيما على ضوء ما أظهرته بعض الإحصائيات من أن حوالي 40% من طلبة الصفوف الأولى الأساسية لا يجيدون القراءة والكتابة. وأفاد بأن إصلاح التعليم وإن كان يشكل هدفا رئيسيا للقائمين عليه والمساهمين في المنظومة التربوية، إلا أنه يستدعي تكاملا في الجهود والأدوار، وبما يكفل مشاركة المجتمع والأسرة بفعالية في هذه المهمة".

التعليق:


كان التعليم وما زال من أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات لما له من أهمية بالغة في تكوين أفكار ومفاهيم ومعتقدات وتوجهات جيل واسع ومهم في هذه المجتمعات. ومنذ جاءت السلطة الفلسطينية تولت بداية شؤون التعليم والصحة وظن العديد من الغافلين أن الوضع سيتحسن فمن هو مسئول الآن هم من بني جلدتهم يعرفون احتياجاتهم ويتحسسون همومهم. ووُضعت الخطط بأنواعها ومسمياتها من خطة خمسية إلى خطة استراتيجية إلى خطة تشغيلية... الخ من خطط وبرامج تبدأ باستلام وزير أو مدير عام منصبه وتنتهي بانتهاء سنواته بدون دراسة لها ولسيرها ولواقع تنفيذها ولا تغذية راجعة لها وكذلك كل خطة أو برنامج حسب الجهة الممولة لها والأهداف التي تريد تحقيقها من وراء هذه الخطة أو البرنامج، وكلها طبعا أهداف خبيثة تهدف إلى هدم جيل كامل حتى لا يبصر الطريق الصحيح لنهضته والعودة إلى أمجاد أمته، مما كان له أثر سيء ظهر في نتائج عديدة منها تراجع مستوى التحصيل العلمي حتى وصل إلى مستويات متدنية بعد أن كانت فلسطين تفخر سابقا بأن فيها أكبر نسبة من المتعلمين، فأصبح هناك أعداد كبيرة من الطلبة وفي مختلف المراحل التعليمية لا تعرف حتى القراءة والكتابة!


ونقل عن مدير الإشراف والتأهيل التربوي في وزارة التربية والتعليم أنه يلزم الوزارة ومن منطلق التزامها بتقديم تعليم نوعي، أن تقوم بعملية إصلاح تربوي شامل، بدءا من النظام، وبما يتضمن الكادر التربوي، وليس فقط بتغيير مناهج ولا بتأهيل معلمين فقط..


أي تضليل فيما يقوله وأية سخرية!! وأي إصلاح شامل يتكلم عنه في ظل نظام فاسد بكل ما فيه وعلى رأسهم المسئولون أنفسهم!! فالمناهج فاسدة تنفذ أجندات مموليها من الغرب، فهي كانت أصلا عقيمة ولكنها أصبحت أكثر عقما وأكثر تغريبا لمفاهيم أولادنا بما فيها من أفكار ومفاهيم غربية كالدعوة إلى الديمقراطية وتقبل الآخرين بمعتقداتهم الكافرة وحقوق الإنسان والحريات واحترام الدستور والقانون والشرعية الدولية والولاء للوطنية والقومية وترك الولاء للإسلام وجعله فقط دينا كهنوتيا للعبادات فقط ولا علاقة له بشئون الحياة المختلفة وحوار الأديان والجندرة والمساواة والاختلاط والسفور وغير ذلك من مفاهيم منبثقة من النظام الرأسمالي الليبرالي الذي يهدف إلى إيجاد شخصيات علمانية سطحية وغربية التفكير بعيدة عن الإسلام بل وتظنه السبب في تخلف الأمة وتراجعها إلى أدنى المراتب. وفي المراحل الأساسية الأولى التي يجب أن يكون التركيز فيها على أن يتقن الطفل القراءة والكتابة فقد أضافوا مواد جديدة أثقلت كاهل هذا الطفل وشتتت تركيزه وشوشت مفاهيمه فأدخلوا التربية الوطنية والمدنية بما فيها من أفكار هدامة يريدون زرعها في عقول أطفالنا منذ نعومة أظفارهم بحيث ترسخ وتكبر معهم. ولا ننسى كذلك إدخال اللغة الانجليزية في منهاج الصف الأول ليأخذها هؤلاء الأطفال جنبا إلى جنب مع اللغة العربية مما يشتت تركيزه في هذه اللغة التي هي أساس العلم والمعرفة والنهضة، فهم يدركون أنهم إن فهموا اللغة جيدا فهموا أحكام الله التي جاءت في القرآن والسنة فهما صحيحا بعيدا عن التحريف والتأويل والتشويه.


ونذكر هنا التركيز على النشاطات الترفيهية "الموجهة" نحو الإفساد وترسيخ قيم ومفاهيم غربية تحث على الاختلاط والسفور والتمرد والحريات والديمقراطية والعلمانية، وكذلك على بعض البرامج الدراسية والدورات والتوأمة والاندماج مع مدارس أمريكية أو بريطانية أخرى بحجة الاطلاع على ثقافات أخرى وكلها ممولة وبسخاء من مؤسسات غربية أهدافها واضحة جلية لكل ذي بصيرة، بحيث ينضبع بهذه الحضارة والثقافة فيصبح مسخا لهم ولأفكارهم ويبتعد أكثر عن شخصيته الإسلامية.


والطرف الآخر المهم هنا هم المعلمون الذين تغيرت نظرة الناس لهم فلم يعد المعلم هذا الشخص المُهاب مسموع الكلمة، والذي ينهلون منه العلم والمعرفة، الذي يقف الناس له احتراما إن جاء وينصتون له إن تكلم.. وهذا نتيجة تدني مستواهم الاجتماعي المرتبط بمستواهم المادي في ظل النظام الرأسمالي الذي ينظر للفرد نظرة مادية نفعية بحتة، وكذلك أثرت على عطاء المعلمين وأدائهم إلا من رحم ربي، فأجورهم متدنية وأذهانهم مشغولة بكيفية توفير الحاجات الأساسية لعائلاتهم في ظل ما نعيشه من غلاء وتضخم وضرائب وفساد.


هذا بالإضافة إلى الفساد المستشري في نظام التوظيف والتعيينات من محسوبيات وواسطات ووفقا لأجندات سياسية وحزبية وفئوية جعلت العديد من الوظائف يتولاها الأشخاص غير المناسبين سواء معلمون أو مدراء أو مدراء عامون، وكذلك اختفاء المتابعة والمحاسبة إلا لمن لا ينفذ مخططاتهم ويرفض أساليبهم مما كان له أسوأ الأثر على مستوى التعليم والتحصيل تحاول الوزارة ترقيعه بدورات تأهيلية لهم لا تقدم ولا تؤخر بل هي مضيعة للوقت والجهد والمال.

ولا ننسى دور الأهل الذين ألقوا بالعبء كله على المدرسة، فالكل مشغول بتحصيل لقمة العيش بحيث لم يعد هناك وقت للتربية والرعاية والمتابعة والمحاسبة خاصة مع الثورة التكنولوجية غير الموجهة، والانفتاح الإعلامي المضلل والمفسد، فترى الشاب أو الفتاة في وادي والأهل في واد آخر لا يعرفون عنه شيئا إلا تلبية طلباتهم المادية. ومنهم من تنقصهم هم أنفسهم القيم والمفاهيم الصحيحة التي يجب زرعها في أبنائهم.


وتغيرت كثير من اهتمامات هؤلاء الشباب وقيمهم وتوجهاتهم فلم يعد العلم والمعرفة من طموحاتهم بحيث أصبح هناك نسبة لا بأس بها من خريجي المدارس لا يتقنون القراءة والكتابة، وهنا نتكلم عن إنهاء المرحلة الثانوية وليس فقط المرحلة الأساسية. ولا ننسى البطالة المستشرية بين خريجي الجامعات بحيث حدت أيضا من طموح العديد في التعليم.


مما سبق نرى أن هذا كله من إفرازات النظام الفاسد المبني على تشريع البشر وقوانينهم، وهنا خصوصا على تشريع الغرب والدول الممولة والبنك الدولي وقوانينه وإملاءاته. فلا إصلاح جذريا إلا بتغيير النظام من جذوره وجعله نظاما إسلاميا يتبع دستورا مستمدا من القرآن والسنة والذي يغطي كل صغيرة وكبيرة في حياتنا ومنها التعليم الذي تكون الغاية منه هي إيجاد الشخصية الإسلامية وتزويد الناس بالعلوم والمعارف المتعلقة بشؤون الحياة. فتجعل طرق التعليم على الوجه الذي يحقق هذه الغاية وتمنع كل طريقة تؤدي لغيرها. ونستطيع الاستزادة حول هذا الأمر من كتاب "أسس التعليم المنهجي في دولة الخلافة" والذي أعده حزب التحرير العامل على استئناف الحياة الإسلامية وإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية التي بها كل الخير إن شاء الله . وهذا غيض من فيض مما يتعرض له أبناؤنا من تغريب وإبعاد لهم عن العقيدة الإسلامية الصحيحة التي بها نجاتهم ونجاتنا في الدنيا والآخرة بإذنه تعالى، ويقول الله في كتابه العزيز:


(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).


أم صهيب الشامي

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار