March 13, 2013

خبر وتعليق زيادة تمثيل المرأة في البرلمانات والحكومات لا يعني ولا يُمثل حياة أفضل للمرأة العادية


قبل بضعة أيام حضرتُ مناقشة في لندن تحت عنوان "هل تحتاج المرأة إلى المساواة"، حيث قال زعيم حزب سياسي في المملكة المتحدة بأن سوء مستويات تمثيل المرأة في برلمان البلاد والنظام السياسي يشكل أحد الأسباب التي جعلت الحاجة مستمرة للمساواة في القرن الواحد والعشرين. وأضاف هي ليست وحدها في إيمانها ومعتقدها. في وقت سابق من هذا الأسبوع، دعت أنجلينا تيني، زوجة نائب رئيس جنوب السودان خلال خطاب في جوبا بمناسبة يوم المرأة العالمي نظمته في (الحركة الشعبية)، دعت إلى تمثيل المرأة أكثر في الحكومة لزيادة مشاركتها في عملية صنع القرار في البلاد. وقالت أن النساء في جنوب السودان يجب عليهن النضال من أجل الحصول على 50% من العمل الإيجابي في الوظائف العامة.


الضغط والنضال من أجل زيادة نسبة النساء المشاركات في البرلمانات والمناصب الحكومية هي الأجندة والخطة المعتمدة من قبل الناشطين في مجال حقوق المرأة في العديد من المنظمات والأمم المتحدة. العديد من البلدان في العالم الإسلامي، بما في ذلك العراق وأفغانستان، قامت بزيادة حصص المرأة في الهيئات التشريعية. وكان هناك الكثير من النقاش بشأن كيفية ضمان المرأة قدراً أكبر من التمثيل داخل الحكومات والبرلمانات الجديدة في العديد من الدول التي احتفلت بالربيع العربي مثل مصر وتونس وليبيا. وقد عرضت تونس قاعدة التكافؤ والمساواة بين الجنسين في عام 2011 والتي تتطلب من الأحزاب السياسية تشغيل عدد متساوٍ من النساء والرجال كمرشحات في القوائم الانتخابية في الجمعية التأسيسية. بينما في مصر طالبت منظمات نسائية بتطبيق الكوتا النسائية بنسبة 30% في القوائم الانتخابية في الانتخابات البرلمانية المقبلة المقرر إجراؤها في أبريل/نيسان.


ومع ذلك، تأسست هذه الدعوة لزيادة تمثيل المرأة في البرلمانات والمناصب العامة بناء على افتراض معيب على نحو جوهري ومضلل، وهو: الاعتقاد بأن المزيد من النواب والوزراء من النساء من شأنه أن يقوم بتحسين الوضع والنفوذ السياسي والحقوق الاقتصادية للمرأة العادية داخل الدولة. يشكل عدد النساء في برلمان رواندا نسبة أكبر من عدد الرجال (56% من أعضاء البرلمان هم النساء)، ومع ذلك، فإن حوالي 45% من سكانها دون مستوى خط الفقر، وهو رقم يشمل الملايين من النساء بالطبع. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاستغلال والعنف ضد المرأة لا يزال متفشياً في البلاد. وبالمثل، في جنوب أفريقيا 42% من الممثلين في الجمعية الوطنية هم من النساء، إلا أن البلاد قد اكتسبت سمعة سيئة في العالم لكونها واحدة من عواصم الاغتصاب، وفقاً لمجلس جنوب أفريقيا للبحوث الطبية، فإن جنوب أفريقيا لديها أعلى معدل من العنف ضد المرأة من أي وقت مضى تم ذكره في الأبحاث في أي مكان من العالم. موزمبيق وتنزانيا وأوغندا من بين 20 بلداً هم الأوائل في العالم في تمثيل المرأة في البرلمانات، ومع ذالك فإن مستويات الفقر والقمع وانتهاك حقوق المرأة التي تحدث في هذه الدول على مستويات يرثى لها. ومن هنا، فقد أثبت أن العلاقة بين المطالبة بحصص عالية أو عدد نساء أكثر في البرلمان والمزيد من حقوق للمرأة العادية داخل المجتمع هي كاذبة. وهو يتبع المعتقد الخاطئ نفسه وهو أن العمل الإيجابي والحصص العنصرية التي عرضتها الولايات المتحدة في عام 1960 لمعاجلة التمييز ضد الأمريكيين من أصل أفريقي وزيادة وجودها في المناصب العليا من شأنها تمكين مجتمعهم الأسود. ومع ذلك، فعندما ضرب إعصار كاترينا البلاد عام 2005 كانت الاستجابة غير كافية مطلقاً من قبل الحكومة الاتحادية في حماية أرواح أعداد كبيرة من الأميركيين الأفارقة في الجنوب الذين يعيشون في حالات فقر مزرية. ويتضح للعالم أن القليل جداً قد تغير في نظام ومعالجة الولايات المتحدة لسكانها السود، والذين لا يزالون حتى اليوم مهمشين في الإسكان والعمالة والتعليم في جميع أنحاء البلاد.


وحتى في الدول التي تحكمها رؤساء ووزراء إناث، كما كان في الهند وبنغلادش وباكستان وإندونيسيا وتركيا، فإن حالة الأمن ومستوى المعيشة للمرأة العادية داخل هذه الدول لم يتحسن. وفقاً لبي نظير بوتو، لم تكن النساء في باكستان هن من استفدن من قيادة المرأة بل القائدة وأسرتها هم الذين استفادوا. فهي قد جمعت 1.5 مليار دولار من ثروات الأمة خلال مدة ولايتها، بينما الملايين من النساء العاديات كافحن لتلبية الاحتياجات الأساسية. في بنغلادش، البلد الذي كان تحت حكم امرأتين على مدى العقدين الأخيرين، ملايين من النساء لا يزلن عرضة للفقر المدقع وسوء المعاملة والاستغلال والتحرش التي هي في مستويات وبائية في المجتمع.


في الحقيقة، فإن تأمين مقاعد أكثر في البرلمانات للنساء أو في مناصب حكومية ساعد فقط فئة النخبة من النساء لتحقيق طموحاتهن الشخصية والسياسية والاقتصادية، دون وجود رغبة لديهن لتحسين حياة النساء داخل مجتمعاتهن، بما في ذلك العالم الإسلامي. عندما يكون لديك قوانين وأنظمة فاسدة وقمعية من وضع البشر في بلادنا الإسلامية، وتكون الرأسمالية والعلمانية المبنية على أساس تحقيق مصالح الأغنياء دون النظر إلى عامة الناس، وتركيز الثروة في أيدي قليلة من الناس بينما باقي الشعب فقراء، فإنه تكون للدولار قيمةً أكبر من كرامة النساء. ببساطة، زيادة حصص النساء في البرلمانات أو الوظائف العامة لن يكون لها أي تأثير في تحسين حياة المرأة العادية. من الواضح أن النظام الفاسد في بلادنا هو الذي يحتاج إلى تغيير جذري من أجل تحسين حياة النساء في المنطقة. والواقع أن من جعل الرجل أو المرأة مشرعا بدلاً من خالق البشر، سبحانه وتعالى، هو السبب في الفقر، وقمع المرأة الذي نشهده اليوم. ولذلك، فإننا كنساء مسلمات نتطلع إلى تحقيق تحسن حقيقي في حياتنا في العالم الإسلامي، فإنه لا ينبغي لنا أن نخدع باحتضان معارك سياسية مضللة وضيقة للنضال من أجل الحصول على حصص النساء في البرلمانات والحكومات.


وبدلاً من ذلك، ينبغي أن نركز اهتمامنا بالكامل لاقتلاع الأنظمة الفاسدة من بلادنا واستبدال الخلافة الراشدة بها والتي ستجسد حلولا سليمة للمشاكل الإنسانية استناداً إلى الأحكام الشرعية التي شرعها الله سبحانه وتعالى. فكل عاقل يدرك أن دولة الخلافة هي التي لها السبق التاريخي في حماية المرأة من الاستغلال والفقر وسوء المعاملة...


الدكتورة نسرين نواز

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار