خديعة برنامج مكافحة التضخم الشامل
October 20, 2018

خديعة برنامج مكافحة التضخم الشامل

خديعة برنامج مكافحة التضخم الشامل

(مترجم)

في الاجتماع المنعقد في مركز المؤتمرات بإسطنبول، أعلن وزير الخزينة والمالية براءة البيرق عن برنامج مكافحة التضخم الشامل. وقال إن البنوك ستعمل على تخفيض قروضها ذات الفوائد العالية إلى 10%، اعتباراً من 1 آب/أغسطس، وأضاف: "اتفقنا على أن تقوم جميع شركاتنا بتخفيضات قدرها 10%، وأن تستمر في ذلك حتى نهاية العام". (t24.com.tr)

بدايةً أود أن أذكّركم بأنه لم يبق سوى شهرين على نهاية العام الحالي، وهذا يعني أنهم يريدون أن يخفضوا التضخم اعتماداً على برنامجٍ مدته شهران، وهذا يعني أن تركيا لم تستطع أن تعلن عن برنامج متوسط الأمد إلا في نهاية أيلول/سبتمبر، علماً أنه كان من اللازم إعداده حتى نهاية شهر أيار/مايو. ولم يعلن إلا باسمه الجديد "البرنامج الاقتصادي الجديد" (YEP). وبالطبع طبل الإعلام وحيد اللون الذي يسود إعلامنا على بث هذا البرنامج بثاً مباشراً، ولم يكد الوزير ينهي كلمته حتى ارتفع سعر الدولار من 6.14 ليرة تركية إلى 6.29 ليرة تركية.

فما الذي كان يُنتَظَر من "البرنامج الاقتصادي الجديد"؟

كان يُنتَظَر من البرنامج الاقتصادي الجديد أن يُحدِث آثاراً أو رياحاً تثير شهية أسواق الأموال الأجنبية، وتجعل لعابها يسيل، ولكن ذلك لم يتحقق. وأكد براءة البيرق، صهر رئيس الجمهورية أردوغان ووزير الخزينة والمالية، على أن الرياح العاتية أو الاضطرابات أو الأزمات - سمّها ما شئت - التي تعصف بالاقتصاد سوف تزول وتتلاشى مع إعلان البرنامج متوسط الأمد. ثم ظهر على شاشة قناة NTV في 3 آب/أغسطس، ورفع سقف التوقعات بقوله: "عند الإعلان عن البرنامج في شهر أيلول، سيرى الجميع تحولاً لا يشبه أياً من البرامج متوسطة الأمد".

وفي هذه المرة تم الخروج عن المعهود في الإعلان عن البرنامج متوسط الأمد في أنقرة، فتم الإعلان عنه في إسطنبول، عاصمة الأموال، ليستهدف عدداً أكبر من المستثمرين المحليين والأجانب. ولهذا السبب كانت القاعة تعج بأصحاب رؤوس الأموال في تركيا، الذين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر البرنامج الاقتصادي الجديد وتشخيصه للضائقة التي يمر بها الاقتصاد التركي، في حين عارض رئيس الجمهورية أردوغان وصف الضائقة "بالأزمة"، وقال: "ليست هناك أية أزمة".

يتضمن البرنامج الاقتصادي الجديد عدداً أكبر من المشاكل، التي يتم وصفها بـ"العوامل الخارجية". وفي فقرةٍ تحت عنوان "الوضع السياسي والاقتصادي الحالي" يقولون: "بفضل الانتخابات الأربع والاستفتاء الشعبي الذي جرى في الفترة بدءاً من أحداث غازي بارك، وأحداث 17 – 25 كانون الثاني، وانقلاب القضاء 2013، وصولاً إلى المحاولة الانقلابية الفاشلة 15 تموز 2016، تم تعزيز الاستقرار السياسي في البلاد، وضمان سير الديمقراطية بشكل سليم. ولكن هذه المرحلة كانت لها تداعيات سلبية على الاقتصاد". وفي عبارة أخرى: "لقد أحدثت الأزمة السورية، وارتفاع فوائد نظام الاحتياطي الفيدرالي، و"استهداف الإدارة الأمريكية الاقتصاد التركي والليرة التركية استهدافاً مباشراً"، أحدثت تباطؤاً في تدفق رؤوس الأموال، وزيادة وحدّة المخاطرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الفوائد وأسعار الصرف".

هذه التحليلات والتشخيصات في واقع الأمر لا تثير دهشة واستغراب من يتابع حزب العدالة والتنمية عن قرب. فكما هو معلوم، فإن حزب العدالة والتنمية يتمتع بميزةٍ أساسيةٍ، ألا وهي أنه لا يرى نواقصه وعيوبه على الإطلاق. ولهذا السبب لم يتم الحديث عن استقالة أي وزير أو بيروقراط رفيع المستوى في حزب العدالة والتنمية، خلال جميع الأزمات التي شهدتها البلاد وحتى اليوم؛ فهم يرون أن جميع المشاكل التي تحصل في تركيا عبارة عن هجماتٍ ضحاياها أعضاء حزب العدالة والتنمية.

وخلال حديثه في المؤتمر التاسع للاستثمارات التركية الذي تم تنظيمه من قبل مجلس العمل التركي الأمريكي (TAİK)، في نيويورك للمشاركة في الاجتماع الـ 73 للجمعية العمومية للأمم المتحدة، قال الوزير البيرق إنه يجب الإحاطة التامة بما عاشته تركيا في العامين الماضيين، لفهم وضعها الاقتصادي الحالي. ثم صرّح عن نيّته في التعاون مع شركة مكينزي McKinsey للإدارة الدولية، من أجل مكتب المالية والتحول المالي الذي تأسس في إطار البرنامج الاقتصادي الجديد. هذا يعني أن البيرق يعزو سبب تباطؤ تدفق رؤوس الأموال وزيادة وحدة المخاطرة وارتفاع الفوائد وأسعار الصرف إلى استهداف الإدارة الأمريكية الاقتصاد التركي والليرة التركية استهدافاً مباشراً من جهةٍ، ويتفق من جهةٍ أخرى مع شركةٍ أمريكية تعمل ولا تزال مع الحكومة الأمريكية من أجل الرقابة المالية على الشركات التركية التي لها يدٌ في أزمة اليوم.

من الجدير بالذكر أن الحلول التي قدمتها شركة مكينزي لحكومة حزب العدالة والتنمية عام 2003، للخروج من الأزمة الاقتصادية، تشكل الأسباب الرئيسية وراء الأزمة الحالية. وإليكم بعض تلك الحلول:

  • بناء سوق القروض السكنية طويلة الأمد،
  • الترتيبات القانونية لتشكيل بدائل في العمل المصرفي الفردي،
  • تأمين الحوافز للبلديات من أجل تطوير الأراضي،
  • إزالة القيود التي تحول دون تموضع متاجر التجزئة الكبيرة في مراكز المدن،
  • خلق التنافس من خلال رفع القيود عن استيراد المواد الغذائية.

وعندما اشتدت ردود الأفعال المتعلقة بالاتفاق مع شركة مكينزي عبر وسائل التواصل الإلكتروني والأحزاب المعارضة عدا حزب الحركة القومية؛ صرح الوزير البيرق على شاشة قناة NTV التلفزيونية، فقال: "في الفترة الجديدة أسسنا مكتباً محلياً وطنياً بكل معنى الكلمة. سوف نتلقى الآراء ولكننا سنكتفي بالمواقف المحلية والوطنية. والتعليقات على هذا الموضوع أعتبرها خيانةً إن لم تكن جهالة". هذا يعني أنه يعتبر الانتقادات الموجهة إليهم فيما يتعلق بشركة مكينزي خيانةً. ولكن رئيس الجمهورية أردوغان عندما رأى ردود أفعال الرأي العام، قال: "أخبرت جميع زملائنا ألا يتلقوا منهم حتى الاستشارة الفكرية، لا داعي لذلك؛ لأنه لدينا اكتفاء ذاتي".

خلال الشهور العشرة الماضية ارتفع الدولار في تركيا 56 بالمئة، وارتفعت الفوائد الربوية من 12 بالمئة إلى 36 بالمئة، ورفعت البنوك المركزية فوائدها الربوية من 8 بالمئة إلى 24 بالمئة. وازدادت الديون الخارجية للقطاع الخاص التي تقدر بـ 372 مليار دولار؛ 56 بالمئة بالعملة التركية. وحسب معدلات التضخم في شهر أيلول، الصادرة عن هيئة الإحصاء التركية (TÜİK)، ارتفع التضخم في شهر أيلول/سبتمبر بمعدل 6.30 بالمئة مقارنة مع معدل التضخم في الشهر السابق، وبمعدل 19.37 بالمئة مقارنةً مع معدل التضخم في كانون الأول/ديسمبر من العام المنصرم، وبمعدل 24.52 بالمئة مقارنةً مع معدل التضخم في الشهر نفسه من العام المنصرم، وبمعدل 13.75 بالمئة مقارنةً مع متوسط معدل تضخم اثني عشر شهراً.

بناء عليه، قال الوزير البيرق إنه سيعلن عن برنامجٍ جديدٍ بعنوان "مكافحة التضخم الشامل"، ورفع سقف التوقعات مجدداً. وأعلن اليوم بتاريخ 9 تشرين الأول/أكتوبر 2018 ماهية هذا البرنامج. يقوم هذا البرنامج على ثلاث خطواتٍ وقائيةٍ هي: فرض حسومات على المنتوجات التي تشملها سلة التضخم، وتأجيل زيادة أسعار بعض المنتجات الأساسية والطاقة مستعيناً بإمكانات الدولة، ودعم الشركات التي تعاني صعوبات بسبب تكاليف الاستيراد.

هذه الخطوات الوقائية تؤمن تخفيضاً في الأسعار التي تنعكس على الرعايا لا سيما في الأسواق على مدار شهرين فقط. ولكن بعد مضي الشهرين ستعود الأسعار في الارتفاع أضعافاً مضاعفة. فالحزب الحاكم همّه أن يتدارك الوضع إلى حين الانتخابات المحلية في شهر آذار/مارس المقبل. إن "برنامج مكافحة التضخم الشامل" يشبه حملةً تناسب دعوة الاستنفار التي أطلقها أردوغان في شهر آب/أغسطس. وبالتالي يمكننا القول إن هذا البرنامج يستهدف مكاسب سياسية، ولا يعنى بحلول الأزمة الاقتصادية. وحزب العدالة والتنمية يعلم جيداً الأسباب التي أطاحت بالحكومة السالفة، ولهذا السبب لا يريد أن يطلق اسم "الأزمة" على الأزمة الاقتصادية الحالية حتى لو بدا كالنعامة حتى يدرك الانتخابات المحلية، أي أنه قام بتأجيل تطبيق برامج الشركات الاستعمارية سواء أكانت شركة مكينزي أو صندوق النقد الدولي حتى يجتاز الانتخابات المحلية.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحربر

عثمان أبو أروى

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو