خطبة الجمعة – 06 شوال 1441هـ  ﴿...كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾
June 05, 2020

خطبة الجمعة – 06 شوال 1441هـ ﴿...كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾

خطبة الجمعة – 06 شوال 1441هـ

﴿...كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ والنصارى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51]... وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. وصفيه من خلقه وخليله.. بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح أمة الإسلام... ولم يزل حتى تركها على المحجة البيضاء؛ ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.. القائل: «مِثْل أُمَّتِي كَمَثَلِ الْغَيْث لَا يَدْرِي أَوَّله خَيْر أَوْ آخِره».. رواه الإمام أحمد في مسنده... والقائل: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». رواه الإمام مسلم في صحيحه... صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، ومن سار على دربه، واستن بسنته إلى يوم الدين.. وبعد أيها الإخوة المؤمنون.. يقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز في وصف اليهود... ﴿...كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ صدق الله العظيم..

أيها المسلمون.. لقد شهد رب العزة جل جلاله فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾.. وقال: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾.. وأكثرهم في ذلك حربا على هذه الأمة؛ هم اليهود مصداقا لقوله عز وجل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82].. يستهدفون ديننا وأرضنا ومقدساتنا.. وأبناءنا بالإفساد.. وتاريخنا بالتشويه والتزوير..

ففي أجواء مناسبة النكبة؛ التي انقضت قبل أيام قليلة أيها المسلمون.. وأجواء مناسبة النكسة القادمة بعد أيام قليلة؛ يتهدد اليهود ويتوعدون بضم ما تبقى من أرض بيت المقدس؛ في الأقصى وما حوله من أرض طاهرة مقدسة.. يهددون ويتوعدون بضم أرض فلسطين إلى كيانهم المغتصب الشرير.. ويعتبرون ذلك تحقيقا للحلم اليهودي وعهد التوراة.. وتطبيقا لمبدأ أرض إسرائيل الكبرى ويهودية الدولة. واسترجاعا للحق اليهودي المغتصب!!... فقال رئيس الوزراء اليهودي أمام الكنيست: بأنه سيكتب تاريخا جديدا للدولة اليهودية؛ بضم الضفة الغربية، وبسط السيادة اليهودية عليها.. وتهدد وتوعد كل من يمس الأمن اليهودي؛ وخاصة قطاع غزة بضربة قاسية... هذا ما يهدد به قادة اليهود أيها المسلمون.. وهذا ما يصرحون به علنا على الملأ..؛ دون خوف ولا حياء، ولا حساب لأحد.. وقد هددوا من قبل بضم القدس؛ وضم الجولان.. وتوسيع محيط القدس بضم مناطق واسعة إليها بما يسمى القدس الكبرى.. ونفذوا ما هددوا به.. فماذا فعل حكام المسلمين؛ من جاكرتا حتى طنجة تجاه تهديد اليهود ووعيدهم، وتجاه أفعالهم؟!!... لقد كان التهديد من بعضهم بإلغاء الاتفاقات مع كيان يهود.. وكانت هناك اتفاقات محترمة من قبلهم!! وكأن اليهود لم يلغوا هذه الاتفاقات من زمن بعيد، ويدوسوها بأقدامهم في كل يوم!! وهدد قسم آخر برفع الشكاوى للمؤسسات الدولية؛ التي ترعاها أوروبا وأمريكا.. من يحرسون هذا الكيان وعملوا على إيجاده في هذه الأرض المقدسة!!

أيها المسلمون: عندما اغتصب الصليبيون هذه الأرض المقدسة.. واغتصبوا المسجد الأقصى.. قام بعض حكام الممالك من الفاطميين فتحالفوا مع عباد الصليب؛ فتحالف الوزير الفاطمي "شاور" مع الفرنجة الصليبيين الذين سماهم الفرج، وعقد معهم معاهدة دفعت بموجبها مصر الجزية للجيوش الصليبية، التي عسكرت حامية منها على أبواب القاهرة، وبيدها مفاتيح أبواب العاصمة! ووقع ما يسمى بجوهر الخصي - أحد قادة العبيدين - معاهدة مع الصليبيين.. وأباح (الصالح إسماعيل) للصليبيين شراء السلاح من أسواق دمشق.. وتحالف بعض ممالك الطوائف في الأندلس في غرناطة وقرطبة.. مع الصليبيين كذلك... وتحالف قادة العرب من الشريف حسين، ووقعوا (سايكس بيكو) مع الكفار وتحالف مصطفى كمال مع الاستعمار ضد صرح الأمة الخلافة.. فماذا كان موقف الأمة أيها المسلمون؟؟!! وماذا فعلت بهذه الخيانات، ومن ساروا في ركابها؟؟!!

لم تأبه الأمة ولا علماؤها ولا قادتها الأبرار للخيانات، ولا للتحالفات ولا للاتفاقات مع الكفار المغتصبين المحتلين.. ابتداء من الصليبيين وانتهاء بعهد الاستعمار..

لقد التفت الأمة حول قادتها العظام؛ أمثال صلاح الدين الأيوبي.. وأمثال يوسف بن تاشفين.. وأمثال عمر المختار... فحرروا البلاد، وقهروا أعداء الأمة وأزالوا عار الخيانة من تاريخها... أزالوا عار من تحالفوا مع الصليبيين من حكام الفاطميين.. وأزالوا عار من تحالف مع الصليبيين من ممالك الطوائف في الأندلس.. وأزالوا عار من تحالف مع الاستعمار في سايكس بيكو ووعد بلفور..

وإن الأمة التي قهرت الصليبيين والاستعمار ما زالت موجودة أيها المسلمون؛ وقد مدحها رسولها الأكرم ﷺ فقال: «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» وقال: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ» ومدحها قبل ذلك ربها عز وجل فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.. وستلغي كل الخيانات والاتفاقات؛ ابتداء من سايكس بيكو وانتهاء بوادي عربة؛ مرورا بكامب ديفيد وأوسلو.. إن هذه الأمة أيها المسلمون فيها القادة العظام؛ كأمثال نور الدين وصلاح الدين ويوسف بن تاشفين وعمر المختار...

أيها المسلمون.. إننا موعودون بوعد الله عز وجل، ومبشرون ببشرى رسوله ﷺ.. موعودون بقلع اليهود والقضاء عليهم؛ كما حصل في المرة الأولى والثانية من فسادهم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾؛ أي إن عدتم للفساد؛ كما فعلتم في المرة الأولى والثانية.. عدنا لعذابكم وإخراجكم من هذه الأرض المقدسة.. والرسول عليه اصللاة والسلام بشر بالقضاء على اليهود في هذه الأرض المباركة الطاهرة فقال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا الْيَهُودَ فَتَقْتُلُوهُمْ»... وهذا مبشر أيها المسلمون بعودة هذه الأمة في ظل خلافة راشدة على منهاج النبوة... فنسأله تعالى أن يكون ذلك قريبا.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.. فيا فوز المستغفرين استغفروا الله...

الخطبة الثانية...

الحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.. وبعد أيها المؤمنون.. اعلموا أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة هي دار المقر؛ فتزودوا من ممركم لمقركم وتأهبوا - غدا - لحسابكم وعرضكم.. فإنكم أمام الله ستعرضون، وعلى أعمالكم تحاسبون.. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون..

اللهم انصر الإسلام والمسلمين.. وأعل يا مولانا - بعزتك وقدرتك - راية الحق والدين.. اللهم زلزل الكفر والكافرين، واهدم مبادئهم وشرورهم يا رب العالمين.. اللهم أرنا في دول الكفر - ممن تحارب الله ورسوله ودين الإسلام وأمة الإسلام، وتتآمر على الأقصى وأرض الأقصى وتتحالف مع اليهود من دول الضرار وحكام الضرار - عظائم قدرتك وجبروتك يا رب العالمين... اللهم اصرف هذا الوباء والبلاء عن المسلمين؛ في مشارق الأرض ومغاربها يا الله.. اللهم اصرف عنا بلاء الحكام وظلمهم وشرورهم.. اللهم أبدلنا بهم حاكما ربانيا يخاف الله عز وجل ويرأف بأمة الإسلام، ويعرف للمساجد - وخاصة المسجد الأقصى - حرمتها وأحكامها الشرعية، ولا يشق على أمة الإسلام؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم... اللهم خلصنا من شرور هؤلاء الحكام ومن تقصيرهم ومن سوء أعمالهم تجاه المساجد وتجاه أحكام الله عز وجل... اللهم أعز أمة الإسلام بخلافة على منهاج النبوة؛ ترعى البشرية بالهدى والرحمة والاستقامة؛ بدل هذه الشرور والمفاسد من المبادئ.. وتحرر المسجد الأقصى وكل بلاد المسلمين؛ من دنس اليهود والنصارى والمشركين قاطبة - اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد.. كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.. في العالمين إنك حميد مجيد... وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون...!!

الجمعة – 06 شوال 1441هـ الموافق 29/5/2020م.

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو