كي لا تتكرر مأساة الطفل ريان!
كي لا تتكرر مأساة الطفل ريان!

  دقائق بعد الإعلان عن انتشال الطفل ريان من البئر التي سقط فيها قبل 5 أيام، أعلن عن وفاته. لقد جنّدت الدولة إمكانيات مهمة في محاولة لإنقاذه، وحبس المسلمون أنفاسهم ترقُّباً للخبر السعيد، ولكن ما إن تنفّس الكل الصعداء بعد الإعلان عن انتشاله، حتى سقط عليهم خبر الإعلان عن وفاته كالصاعقة.

0:00 0:00
السرعة:
February 13, 2022

كي لا تتكرر مأساة الطفل ريان!

كي لا تتكرر مأساة الطفل ريان!

دقائق بعد الإعلان عن انتشال الطفل ريان من البئر التي سقط فيها قبل 5 أيام، أعلن عن وفاته.

لقد جنّدت الدولة إمكانيات مهمة في محاولة لإنقاذه، وحبس المسلمون أنفاسهم ترقُّباً للخبر السعيد، ولكن ما إن تنفّس الكل الصعداء بعد الإعلان عن انتشاله، حتى سقط عليهم خبر الإعلان عن وفاته كالصاعقة.

نسأل الله أن يرحم الطفل ريان، وأن يُلهم والديه وأهله الصبر والسلوان، ولعل عزاءهم ما أخبر عنه نبينا ﷺ في حق موتى أطفال المسلمين، حيث قال: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ! فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ» رواه الترمذي. وعن رسول الله ﷺ أيضا: «أَطْفَالُ الْمُؤْمِنِينَ فِي جَبَلٍ فِي الْجَنَّةِ يَكْفُلُهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ إِلَى آبَائِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه أحمد والحاكم والبيهقي.

لقد حظيت هذه الواقعة بتغطية إعلامية كثيفة، وقيل عنها الكثير، وما يهمنا هنا هو استخلاص العبر.

1-    هل قامت الدولة بكل ما يجب وعلى الوجه الأكمل؟ لا شك أنها قامت بجهد كبير تقني ولوجيستي، إلا أن العبرة ليست بكمِّ العمل ولكن بملاءمته لطبيعة الغاية التي يُراد تحقيقها والعقبات المصاحبة لهذا العمل. فهل كان يمكن القيام بالعمل على وجه أفضل؟ هل يوجد من الإمكانيات التقنية ما كان يمكن أن يساعد على الوصول إلى الطفل في أجل أقرب وإنقاذ حياته؟ الأرجح نعم، فقد انتشرت مقاطع فيديو لحوادث مشابهة في أماكن أخرى في العالم، وتم انتشال الضحايا في وقت أقصر وبجهد أقل، لماذا نهجت الدولة طريقا واحدا؟ لماذا لم تسر على أكثر من طريق بالتوازي؟ لماذا لم يتم استقدام كفاءات أو أجهزة متخصصة من الخارج؟ لماذا لم يتم استعمال الحفارات اللولبية العمودية أو حفارات الأنفاق الأفقية أو... وهي آليات متوفرة محلياً ويمكن أن تحقق تقدما أسرع بكثير! من الواضح أن الدولة تفتقر إلى الخبرة في التعامل مع مثل هذه الحوادث وأن شيئا من الارتجال شاب العملية.

2-    ما الذي جعل الدولة تُسخِّر كل هذه الإمكانيات في هذه الحادثة بالذات، علماً أن حوادث كثيرة أكثر فداحة لم تنل معشار هذا الاهتمام؟ لعل آخرها غرق 28 عاملاً في أحد مصانع طنجة في شباط/فبراير 2021، ما الذي جعل الدولة تولي هذه الحادثة كل هذا الاهتمام علماً أن الناس لا تزال إلى يومنا هذا تعاني من البرد القارس والعزلة في جبال الأطلس، ومن الوضع المزري في عشرات الأحياء الصفيحية في طول البلاد وعرضها ومن ومن...؟ والجواب أن الدولة اضطرت للاهتمام بالموضوع ليس حرصاً على حياة الطفل، وإنما مسايرة لما أثاره الموضوع من اهتمام على وسائل التواصل، وخصوصاً بعد أن تلقفته وسائل الإعلام الدولية، وصار شغلها الشاغل. إذ لا يمكن لأحدٍ أن يُصدّق أن هذه الدولة فجأة أصبح لديها فائض من الإنسانية جعلها تُجنِّد كل هذه الإمكانيات لإنقاذ طفل، وهي نفسها التي تتسبب عمداً ونتيجة الإهمال بمآسٍ أكبر وأفدح!

3-    ما الذي جعل وسائل الإعلام العالمية تولي هذه القضية كل هذا الاهتمام؟ لقد كان مثيراً فعلاً كمية الاهتمام التي أولته القنوات الإخبارية العالمية لهذا الموضوع وعلى رأسها قنوات الجزيرة والعربية والبي بي سي، وفرنسا 24 و... ليس الأمر انتقاصاً من قيمة الطفل ريان، ولكن هذه القنوات عوّدتنا على أن تسليط الأضواء على قضية دون أخرى ليس أمراً اعتباطياً، وأن الخلفية الإنسانية ليست هي التي تتحكم فيه وإن حاولوا إيهام الناس بخلاف ذلك، والأمثلة على ذلك كثيرة أهمها التغطية الضعيفة أو المنعدمة أو المتقطعة لمعاناة المسلمين في الشام في مخيمات اللجوء، ولمعاناة المسلمين في العراق وفي ميانمار وفي تركستان الشرقية، ولمعاناة المسلمين من اختطاف أبنائهم في السويد على أيدي الأجهزة الاجتماعية، وهي مآسٍ دون أدنى شك أكبر وأقسى وأفدح مما جرى للطفل ريان. لقد حزَّ في أنفسنا دون شك مصير ريان رحمه الله، ولكن هذا لا يجوز أن ينسينا معاناة المئات بل والآلاف بل وعشرات الآلاف من أبناء المسلمين، ممن يستحقون أن يُلتفت إليهم، ولو أنهم نالوا جزءا من هذا الاهتمام المكثف لربما أُحرج المعتدون عليهم، وكفّوا الأذى عنهم. إن هذه القنوات تحاول أن تصرف الأنظار بعيداً عن الأمور التي تزعج القائمين عليها، وتستغلُّ هذا الحادث لتلميع صورتها والظهور بمظهر الإنساني المهتم بمعاناة الناس، ولكنهم ليسوا أكثر من منافقين ميكيافيليين حتى النخاع، كلُّ الوسائل لديهم مشروعةٌ إن كانت تؤدي إلى تحقيق غاياتهم.

4-    لقد أثبت التعاطف والمتابعة الواسعة للمسلمين من شتى بقاع الأرض للحادث، أن المسلمين جسدٌ واحدٌ فعلاً، وأن هذه الحدود الاستعمارية اللعينة التي فُرضت عليهم، لا اعتبار لها في عقولهم ومشاعرهم، وأن المسلمين لا يزالون ينظرون إلى بعضهم بعضاً كإخوة، وأن عقوداً من المكر الاستعماري لتمزيق المسلمين على أسس عرقية ووطنية ومذهبية، وأن كل ما بُذل من جهود جبارة لتثبيت الحدود الاستعمارية في نفوسهم، كل ذلك سرعان ما يختفي أثره وقت اللزوم. وهذا يشجع العاملين ويبثُّ الأمل في نفوس المخلصين أن الفرج قريبٌ، وأن جهود توحيد المسلمين ستؤتي ثمارها بأسرع مما يتصور الكثير منا.

5-    والسؤال الأهم: ما العمل كي لا تتكرر مأساة ريان؟ ما العمل لوقف هذا النزيف من الضحايا وهذا السيل العرم من المآسي التي تثقل كواهل المسلمين؟ إن مما يدركه أبسط مراقب أن دولنا لم تنشأ على أساس رعاية الناس وإغاثة الملهوف وتحقيق مصالحهم، وإنما نشأت لخدمة المستعمر وضمان استمرار أمرين: تدفق خيرات المسلمين نحو الغرب، وبقاء المسلمين في حالة ضعف وفرقة بعيداً عن أحكام دينهم. إذن فمجرد بقاء هذه الدول هو نذير شؤم على الأمة، وعلامة على أن المآسي مستمرة، لا تنجلي واحدة حتى تجثم أخواتها. فمن كان حريصاً فعلاً على عدم تكرار هذه المأساة فالطريق واحد، لا ثاني له، وهو الذي لم ولن نملَّ من التذكير به والدعوة إليه: الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

نسأل الله أن يرحم ابننا ريان ويشملنا جميعاً بعفوه، وأن يجعل هذه الحادثة حافزاً للمترددين من المخلصين ليغذُّوا الخطا مع العاملين لإقامة كيان يجعل من رعاية أبنائه عمله الأساسي، عملاً يُتقرب به إلى الله، وليس عملاً ميكيافيلياً لتحقيق أغراض دنيوية، أو لصرف الأنظار عن مخازٍ أكبر.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو