كيف دمرت الحركات النسوية الأسرة  الجزء الأول
October 09, 2018

كيف دمرت الحركات النسوية الأسرة الجزء الأول

كيف دمرت الحركات النسوية الأسرة

الجزء الأول

النسوية: ذِئْبٌ في ثَوْبِ حَمَل

(مترجم)

منذ خمسين عامًا، زعمت النائبة النسوية الأمريكية بيتي فريدان، والتي يُنسب إليها الفضل كإحدى مؤسسات الحركة النسوية المعاصرة، في كتابها المعروف "The Feminine Mystique" أن ربات البيوت الأمريكيات إن بدأن حياتهن المهنية، فسيكنَّ أكثر سعادة وصحة، سيتمتعن بزيجات أفضل وأطفالهن سيحققون النجاح. أفادت الرسالة الضمنية، التي رددتها أصوات العديد من النسويات على مر السنين، بأن الوظيفة لا الأمومة هي ما يمكن أن تقدم للمرأة إنجازات ذاتية وقيمة ونجاحا في الحياة. وعلى كل حال، ليس بالإمكان أن يكون وصف أبعد من هذا الوصف لحقيقة الواقع.

على مدى العقود القليلة الماضية، أصبح من الواضح أكثر من أي وقت مضى أن مفاهيم "النسوية"، ولا سيما "المساواة بين الجنسين" الذي يسعى إلى تحقيق المساواة في الحقوق والأدوار والمسؤوليات بين الرجال والنساء في الحياة الأسرية والمجتمع، قد شكل واحدا من أكثر القوى تدميرا للزواج والأمومة ووحدة الأسرة. وكان انتشارها مغلفا برداء زائف من الدعوة إلى الحقوق السياسية والاقتصادية والتعليمية والقضائية للمرأة في الدول التي حُرمت فيها المرأة من ذلك. وبالتالي، فإن أولئك الذين عارضوا هذا التعريف الجديد لأدوار الجنسين في الحياة الأسرية قد وُسِموا بالرجعية، وبأنهم أصحاب فكر عفا عليه الزمن، فضلا عن أنهم يقفون إلى جانب ظلم وقمع المرأة. انتشرت فكرة المساواة بين الجنسين والأفكار النسوية الأخرى تحت ستار المصطلحات المغلفة بالسكر مثل "تمكين المرأة" و"حقوق المرأة" و"المساواة بين الجنسين" لإغراء النساء والعامة من الناس ليؤيدوا دعوتهم. ومع ذلك، كان هذا كله خدعة، ذلك أن هذه التجربة الخطيرة في الهندسة الاجتماعية أسفرت عن نتائج كارثية وبؤس لا يوصف للنساء وأطفالهن، وبنية الأسرة بشكل عام وكذلك المجتمع بأسره.

ويرجع ذلك إلى أن هذه الفلسفة المتآكلة مجتمعيا للنسوية، دفعت النساء إلى تحديد استحقاقاتهن وواجباتهن بأنفسهن وفقاً لرغباتهن الفردية لا بناء على ما هو الأفضل للنساء والرجال والأطفال والمجتمع على حد سواء. إن نهجها المتمركز حول المرأة في تنظيم الحياة الأسرية وتوقعاتها المرتكزة على النوع الاجتماعي لحل المشاكل في المجتمع، كل ذلك تسبب في إحداث الارتباك وإشاعة الخلاف في الحياة الزوجية والمسؤوليات الأبوية، كما أدى إلى إهمال حقوق الأطفال ورفاههم، وساهم في التقليل من قيمة الأمومة واضطر المرأة للتخلي عن دورها كأم وربة بيت. كما أنه أدى إلى تآكل مسؤولية الرجال عن أسرهم، وأثقل كاهل المرأة بمهام الرجل في الحياة الأسرية بما في ذلك كونها عاملة أجيرة تُمارس عليها ضغوطا لا توصف. كل هذا خلق وضعاً بعيداً عن ساحة ذهبية لحياة أكثر سعادة، وزواج أفضل وتحرير من الاضطهاد، ذلك الذي وعدت به بيتي فريدان والعديد من النسويات الأخريات بتوفير المساواة بين الجنسين في وحدة الأسرة. كتبت دايل أوليري، وهي صحفية ومحاضرة أمريكية، وإحدى معارضات الفلسفة النسوية، في كتابها "الأجندة الجنسانية: إعادة تعريف المساواة": "ادعت النسويات تعزيز تقدم المرأة، لكن بدا لي أن لدى النسويات فكرة مشوهة للغاية عن معنى أن تكون امرأة، وفكرة أكثر غرابة عما يشكل تقدمًا."

عرضت العديد من النسويات الأمومة ووحدة الأسرة التقليدية المكونة من الرجل بصفته رب الأسرة ومورد رزقها، والمرأة بصفتها ربة البيت والراعية الأساسية للأطفال باعتبار ذلك كله انتهاكًا للمساواة بين الجنسين ومصدرًا رئيسيًا لقمع المرأة. ومن ثم، فقد سعوا إلى تفكيك هذا الهيكل العائلي التقليدي، بحيث يتم تقاسم رعاية الأطفال والمهام المنزلية والأجور على قدم المساواة بين الزوج والزوجة. بل وصل الأمر إلى حد دعوة بعض النسويات إلى عائلة خالية من النوع الاجتماعي (الجندر). على سبيل المثال، علقت الكاتبة والمؤلفة النسوية الليبرالية سوزان مولر أوكين، من القرن العشرين: "إن المستقبل العادل سيكون دون جندر". في الواقع، في بعض الدول الغربية اليوم، الأفكار أو الصور التي تقدم الأدوار التقليدية للرجال والنساء في الحياة الأسرية ممنوعة في الإعلانات أو المواد التعليمية.

لم تنتشر الأفكار والفلسفة النسوية الضارة والخطيرة في جميع أنحاء الدول الغربية فحسب، لتزرع الفوضى في الحياة الأسرية والنسيج الاجتماعي لتلك المجتمعات فحسب، ولكنها أثرت أيضًا على بقية العالم، بما في ذلك البلاد الإسلامية نتيجة للسياسات الاستعمارية، بالإضافة إلى حكم الأنظمة والحكومات العلمانية التي حكمت العالم الإسلامي بعد هدم الخلافة في عام 1924م. فرضت هذه الأنظمة والقيادات العلمانية على شعوبها وجهة النظر والمثل العليا الغربية، بما في ذلك وجهة نظر النسوية، وذلك عبر الدساتير، والقوانين والإعلام والنظم والمبادرات التعليمية، فعلى سبيل المثال نص قانون الأحوال الشخصية التونسي بالإضافة إلى دستورها الجديد على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في المجتمع. كما أنهم سمحوا للحركات النسوية القائمة على حقوق المرأة بالعمل بحرية لتزدهر داخل المجتمع، وتنشر أفكارها الفاسدة في الأمة الإسلامية، بما في ذلك تغيير وجه "الأسرة المسلمة".

إلى جانب ذلك، تبنت هذه الأنظمة العلمانية المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تروج بقوة للمساواة بين الجنسين في قوانين وسياسات الدول. على سبيل المثال، قبلت حكومات كثيرة في العالم الإسلامي إعلان ومنهاج عمل بيجين، وهو جزء من إعلان ذي تأثير لالتزام عالمي بالمساواة بين الجنسين، تم تبنيه في المؤتمر العالمي الرابع للأمم المتحدة حول المرأة عام 1995. وكان لهذا المنهاج، الذي شكل الأساس للعديد من الاتفاقيات الدولية اللاحقة والعديد من القوانين الوطنية المتعلقة بحقوق المرأة، هدف واضح يتمثل في إصلاح هيكل وحدة الأسرة على أساس خطوط المساواة بين الجنسين. وعلى سبيل المثال، جاء نص منهاج عمل بيجين 245 (أ): "تشجيع التقاسم المنصف للمسؤوليات الأسرية عن طريق حملات لوسائط اﻹعلام تركز على المساواة بين الجنسين وأدوار الجنسين التي ﻻ تقوم على القوالب النمطية داخل الأسرة وتنشر معلومات تستهدف القضاء على إيذاء الزوجة والأطفال وجميع أشكال العنف ضد المرأة بما فيها العنف الأسري"؛ كما تدعو المادة 179‏ (د) الحكومات على وجه التحديد إلى "وضع سياسات في مجال التعليم تتناول، في جملة أمور، تغيير الاتجاهات التي تعزز تقسيم العمل على أساس نوع الجنس، بغية تعزيز مفهوم تقاسم المسؤوليات الأسرية في العمل وفي المنزل، ﻻ سيما فيما يتعلق برعاية الأطفال وكبار السن؛" كما نصت المادة 276 (د) على ما يلي: "اتخاذ الخطوات الكفيلة بألا تتخذ التقاليد والأديان ومظاهر ممارستها أساساً للتمييز ضد البنات." مع الملاحظة بأنه وفقاً للمساواة بين الجنسين، فإن "التمييز" هو أي معتقد أو ممارسة تتعارض مع مساواة الأدوار والمساواة في الحقوق بين الرجال والنساء، بما في ذلك في الحياة الأسرية.

وكنتيجة لذلك كله، تبنّى الكثيرون في الأمة الإسلامية فكرة المساواة بين الجنسين والأفكار الأخرى للنسوية، معتقدين بأنها ستؤدي إلى احترام وتقدم المرأة وكذلك نهضة البلاد الإسلامية - سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. ومع ذلك، فقد فشلوا في إدراك أن مفاهيم الحركة النسوية، بما في ذلك فكرة المساواة بين الجنسين، التي تدعو إلى فكرة أن تكون المرأة هي من تحدد حقوقها وأدوارها في الحياة، تتناقض بشكل أساسي مع العقيدة الإسلامية؛ لأنه في الإسلام، لا يحدد الرجال والنساء حقوقهم وأدوارهم وواجباتهم على أساس المساواة أو رغباتهم الشخصية وإنما على أساس أوامر الله سبحانه وتعالى وحده. علاوة على ذلك، فإن المرأة المسلمة لا تُقيم نجاحها من خلال مقارنة نفسها بالرجل وحقوقه ومسؤولياته، وإنما بناء على قدرها عند خالقها ووفقًا لأدائها للواجبات التي أمرها بها الله تعالى. يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلَا مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلَـٰلاً مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 36)

لقد فشل هؤلاء المسلمون الذين اعتنقوا أفكار الحركة النسوية في إدراك أن هذه المفاهيم قد ولدت من التجارب التاريخية للظلم والقهر وغياب الحقوق السياسية والاقتصادية والتعليمية والقانونية الأساسية التي عانت منها النساء في الدول الغربية بسبب العيش في ظل نظام علماني وضعه البشر - وهذا تاريخ وتلك ممارسات لا يشترك فيها الإسلام. كما أنهم فشلوا في إدراك أن ازدراء الحركة النسوية للزواج والأمومة والأدوار التقليدية للرجال والنساء في الحياة الأسرية نشأ بسبب النظرة الخاطئة للنسويات فيما يتعلق بما تمثله هذه الأدوار للمرأة وما الذي سيحررها من الاضطهاد ويرفع من مكانتها في المجتمع. وأخيرًا، فشلوا في أن يفهموا حقاً حجم الدمار الذي تسببه المساواة بين الجنسين والمثل النسوية الأخرى لهيكل الأسرة، وللنساء والأطفال والمجتمع بأسره.

يشرح الجزء الثاني والثالث من هذه المقالة كيف نشأ الهجوم النسوي على الزواج والأمومة ووحدة الأسرة التقليدية.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. نسرين نواز

مديرة القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو