كيف ستحمي الخلافة الإسلام والأمة الإسلامية
March 24, 2019

كيف ستحمي الخلافة الإسلام والأمة الإسلامية

كيف ستحمي الخلافة الإسلام والأمة الإسلامية

منذ هدم الكفار الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال عميل الإنجليز وصنيعتهم قبل حوالي 94 عاما ميلاديا، لم تر الأمة الإسلامية خيرا، بل أصبحت في ذيل الأمم، وتعيش واقعاً مريراً، وتحيا حياة الذل والهوان والاستكانة، وتخضع لما يمليه عليها أعوان الكفر والإلحاد من كل جنس ولون. ولا تزال تقتات على فتات الموائد العالمية، ولا زالت هي القصعة المستباحة لكل الأمم من الشرق أو الغرب. وما فقدان المهابة وضياع فلسطين والعراق وغيرهما، واستقواء الكفار على المسلمين في كل مكان، كما يجري في فلسطين وسوريا وتركستان الشرقية وميانمار وغيرها من بلاد المسلمين، وانتشار الفقر والجوع والبطالة وانحدار القيم والأخلاق والتخلف العلمي والاقتصادي... إلا إفرازات ونتائج غياب الخلافة.

فإنّ فكر الغرب وثقافته، من ديمقراطية ورأسمالية وعلمانية وليبرالية يسيطر على كافة مناحي الحياة؛ على أنظمة الحكم والتشريعات والقوانين، وعلى الاقتصاد والثروات، وعلى مناهج التعليم ووسائل الإعلام، وعلى أنماط الحياة. أي أن بلاد المسلمين ترزح تحت الاستعمار الغربي بكافة أشكاله، الفكرية والسياسية والاقتصادية، وكذلك العسكرية في بلاد عدة.

وإن ما تعانيه الأمة الإسلامية من ويلات ووضع مزرٍ ما كان ليكون لو وجد ردٌّ كافٍ أو مانع يمنعها، وهذا المانع لا يكون إلا قوة عظيمة مخلصة واعية من جنس الأمة، نظام قوي يضع حدا لهذا الظلم والعدوان بقطع يده وإزالة سلطانه. وهذا النظام منبثق من العقيدة الإسلامية المنزلة بالوحي، والتي أُمرنا بالاستقامة عليها، واعتبر الخروج عليها طغياناً، وتحكيم غيرها كفراً أو فسقاً أو ظلماً، واحتكاماً للطاغوت الذي أمرنا أن نكفر به، سواء الأحكام المتعلقة بالعبد كفرد، مثل أحكام الصلاة والصيام، أو المتعلقة بالأمة كجماعة، والتي تطبق من خلال الدولة مثل أنظمة العقوبات، والمعاملات، والقضاء، والاقتصاد، والاجتماع، والتعليم، والسياسة الداخلية والخارجية، والمعاهدات، والحروب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما إلى ذلك، وجماع هذا كله يكون في نظام الدولة الإسلامية دولة الخلافة؛ لذلك كان بديهياً أن يقال بأن إقامة هذه الدولة هو إقامة لكل أحكام الإسلام في الأرض، فهو من أوجب الواجبات وأولاها بالعمل لتطبيقها.

ولكن فكرة الخلافة كانت غريبة وكان الناس يفهمون من عبارة (العودة إلى الإسلام) أنها عودة فقط للعبادات والأخلاق. وكانت الأفكار الاشتراكية والقومية والوطنية طاغية بشكل كبير، وكان يُشاع أن الإسلام رجعية وتخلّف وحلم لن يتحقق. ولكن بفضل الله تعالى وتوفيقه ثم عمل المخلصين من أمته فقد أصبحت الخِلافة وجمع الأمة تحت سُلطان حاكم يحكمهم بشرع الله مطلبا للمسلمين على هذه الأرض حتى لو اختلفت الطريقة وضل البعض عن الطريقة الصحيحة لذلك.. فالخلافة من أعظم مقاصدِ الإسلام، وأسمى صور الوحدة والاعتصام التي أمر الله ورسوله بهما، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾.

وما يظهر تعطش الأمة للإسلام أنه في كل مكان يكون للمسلمين أن ينتخبوا ويختاروا ما بين "إسلامي" وغيره، في نقابات أو جمعيات أو مؤسسات، أو غيرها فإن الذي يفوز هو "الإسلامي"، وما حصل في تونس ومصر والأردن وغيرها دليل على ذلك.. وهم بذلك يعربون عن صحوة إسلامية تجعل الغرب الكافر يرتعد خوفا من عودة الإسلام إلى حلبة الصراع الدولي، وصار يحارب المسلمين بأنهم (متطرفون وإرهابيون وأصوليون)...

ولله الحمد فإن صورة الخلافة حاضرة أكثر من أي وقت مضى، فعدد كبير يريدون ويعملون على استرجاع أمجاد الماضي، يحلمون بعمر الفاروق وعمر بن عبد العزيز وصلاح الدين الأيوبي وصقر قريش وهارون والرشيد ووو.. يحنون إلى العزة والكرامة والعدل والقوة، إلى أن يعودوا فعلا خير أمة أخرجت للناس...

وهذه الدولة الإسلامية الموعودة - دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة - هي دولة مبدئية تستمد دستورها من العقيدة الإسلامية، والمسلمون مكلفون بإيصال هذه العقيدة لكل الشعوب والأمم..

ولو نظرنا إلى ما يمكن أن تعمله دولة الخلافة للإسلام والأمة الإسلامية لوجدناها في كل مناحي الحياة:

سيعود الحكم بما أنزل الله وسيعود كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ليكونا المرجعية عند الأمة تطبيقا لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.. وسيعود الإمام الحاكم العادل، وستعود الجماعة بعد التشرذم، وتعود أمة واحدة وجسما متراصّا بعد أن فرقها المستعمرون ومزقوها إلى دويلات وعرقيات متعددة. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ». فنقول كم من القاصيات أُكلن منذ هدم الخلافة، ففلسطين قاصية، والعراق قاصية، وكشمير قاصية، وتركستان الشرقية قاصية.. والقائمة تطول... فتصبح كلها دولة واحدة بلا حدود ولا حواجز، وتعود رابطة العقيدة هي الأساس بدل روابط الوطنية والقومية وغيرها من الروابط المنحطة، فيزداد تماسك المجتمع والناس والدولة.

وبالخلافة يعود الأمن والأمان، وتعود للمسلمين قوتهم ومهابتهم في قلوب أعدائهم، هذه المهابة التي فقدوها بفقدان الخلافة، فنزع الله المهابة من قلوب أعدائهم مصداقاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَلَيَنْـزِعَنَّ اللهُ مِنْ قُلُوبِ أَعْدَائِكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ»، فصار الواحد منهم والحكام في الدرجة الأولى كالعبد إن سبّه السيد أو ضربه لم يستطع أن يفعل شيئاً حيال ذلك. فستعود المهابة وخوف الأعداء ورعبهم منها، يقول عليه الصلاة والسلام يقول: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»، و«الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى عَلَيْهِ»..

وسيأتي الإمام الجُنة الذي يُقاتل من ورائه، والذي سيعلن الجهاد لنشر الإسلام في العالم كافة. ويسيّر الجيوش لتحرير الأرض المباركة فلسطين وإعادتها إلى حضن الإسلام والدولة الإسلامية، أرض الإسراء والمعراج، أرض المحشر والمنشر. فإن كيان يهود ما كان ليوجد على أرض فلسطين لو كانت الخلافة قائمة. وكلّنا يعرف موقف الخلافة زمن العثمانيين ورفضها التنازل عنها وهي في أشد حالاتها ضعفاً.. هذا الإمام الذي سيحمي بيضة الإسلام ويحمي المسلمين في كل مكان ويرد عنهم العدوان والظلم ويحفظ أرواحهم وأموالهم وبيوتهم...

ستعود للأمة الإسلامية ثرواتها وخيراتها وأموالها التي نهبها الكفار وعملاؤهم تحت سمع المسلمين وبصرهم. ويزدهر اقتصادها. وتعود التجارة والصناعة والزراعة ومختلف الأعمال والعلاقات التجارية الداخلية والخارجية. ويصرف الخليفة الموارد في رعاية شؤون الأمة وقضاء مصالحها، ليعيش الناس في سعة ورخاء وبركة وهناء. ذكر ابن خلدون في مقدمته أن ما حمل إلى بيت مال المسلمين ببغداد أيام الخليفة العباسي المأمون ما يعادل اليوم 70 مليار دولار و1700 طن من الذهب. فكيف الحال اليوم لو كان للمسلمين خلافة راشدة على منهاج النبوة ورزقهم الله بخليفة يخاف الله، فهل يبقى في دار الإسلام فقير واحد؟!! ورحم الله الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الذي لم يجدوا في دار خلافته فقيراً واحداً يستحق الزكاة. وستُطبق أحكام النظام الاقتصادي الإسلامي وتختفي البنوك والربا والاحتكار والبطالة والمحسوبيات والواسطات، ويأخذ كل ذي حق حقه في العمل والمناصب.

سيعود للإسلام والأمة الإسلامية عزها ومجدها ومكانها العلمي في المقدمة، سيكون التعليم بكل درجاته متاحا للجميع وليس مقتصرا على الأثرياء وأصحاب السلطة، وسيكون لها تفوقها العلمي والتكنولوجي اللازمين للصناعات الثقيلة وأدوات الحرب الحديثة وغير ذلك من نواحي الحياة التي ستستخدمها الدولة في نشر الإسلام. وكل ذلك لن يتحقق إلا بوجود سلطان مخلص لربه، حريص على مصالح أمته، ولن يتم إلاّ بامتلاك تكنولوجيا نوعية، وعلماء مبدعين، وعند وجود دولة الخلافة راعية الإبداع سيعود علماء المسلمين المهاجرون في بلاد الغرب. ويعود التفوق العلمي والعسكري كما كان في الماضي حين استطاع المسلمون التغلب على التفوق العلمي والعسكري عند الروم والفرس، وبعد ذلك أبدع المسلمون باستخراج مكنونات هذه الأرض وكشف القوانين العلمية التي تحكمها وحققوا إنجازات رائعة في مجال الطب والهندسة والفلك والجغرافيا وغيرها، وكانت أوروبا ترسل طلابها ليتلقوا العلم عند المسلمين.

ستعود أحكام الله وحدوده للتطبيق وسيتم الضرب بيد من حديد على من يتعدى حدود الله، وستزول الغشاوة عن المفاهيم الإسلامية الصحيحة التي شوهها الغرب وأعوانه بمفاهيم الحضارة الرأسمالية العلمانية العفنة. وتعود للأسرة والمرأة مكانتها الحقيقية التي أعطاها إياها الإسلام، والتي شوهها أعداؤه والمضبوعون بثقافتهم، وأوهموها أنها نالت حقوقا سلبها منها الإسلام، وحققت إنجازات حرمها منها الإسلام، بينما الواقع عكس ذلك، فإن انحدارها وشقاءها سببه البعد عن أحكام الإسلام وانتهاج المنهج الغربي في البحث عن حقوقها..

فإن الخلافة الراشدة هي التي ستصون عرض الأمة، وهي التي ستحفظ المرأة، وهي التي ستُحرك لها الجيوش، فهذا ما فعله رسول الله e عندما تعدى يهودي على لباس امرأة مسلمة، وما فعله الخليفة المعتصم أيضا.. والخلافة الراشدة هي التي تصون الأسرة والمجتمع، وهي التي تطبق أحكام النظام الاجتماعي وتمنع الفسق والفجور والسفور والاختلاط. تمنع المنكرات والتعدي على أحكام الله أو حقوق العباد. تسيطر على الإعلام وتوجهه للصالح العام، تغلق فضائيات وبرامج الفساد والإفساد، وتراقب مواقع النت وتمنع المواقع الفاسدة والمسيئة أن تصل للناس.. فإن الموبقات وأسباب الفساد ما هي إلا نتيجة مباشرة لغياب الكيان السياسي التنفيذي الذي يطبق الشرع. فإن عز المرأة ومجدها ودرعها الحامي هي الخلافة والخليفة الراعي.. وما محاربة الغرب للباس الشرعي ولأحكام النظام الاجتماعي إلا حربا على الإسلام.

بعد هذا كله.. وبعد طول غياب عن تحكيم شرع الله في شؤون حياتنا بغياب دولة الإسلام التي يرعاها خليفة المسلمين وسلطانهم، أما آن للمسلمين أن يعودوا إلى مَعين عزتهم ومصدر قوتهم ووحدتهم، بعد أن رأَوا بأم أعينهم ما جرّت عليهم معصيتهم هذه من ويلات، وذلك ببعدهم عن دينهم وتخليهم عن دستورهم الخالد وأحكامه وتشريعاته؟!! وصدق الله العظيم القائل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾..

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مسلمة الشامي (أم صهيب)

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو