كيف ستكون الخلافة دولة رائدة في العلوم والتكنولوجيا
April 01, 2019

كيف ستكون الخلافة دولة رائدة في العلوم والتكنولوجيا

كيف ستكون الخلافة دولة رائدة في العلوم والتكنولوجيا

(مترجمة)

لقد تم إعلان الثورة الصناعية الرابعة كأجندة عالمية في المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2016، ولا عجب أنها أصبحت تدفقاً رئيسياً في العديد من البلدان الإسلامية. بدءا من الثورة الصناعية الأولى التي تطورت في منتصف القرن الثامن عشر حيث إن ظهور المحركات البخارية التي حلت محل الحيوانات في ذلك الوقت أحدث تغييرات جذرية للغاية، لا سيما بالنسبة للاقتصاد العالمي. استمرت مع الثورة الصناعية الثانية التي تميزت بظهور محطات الطاقة الكهربائية ومحركات حجرة الاحتراق. أثار هذا الاكتشاف ظهور الهواتف والسيارات والطائرات وغيرها التي غيرت وجه العالم بشكل كبير. أصبح منتصف الثمانينات إلى أوائل 2000 علامة على ظهور الثورة الصناعية الثالثة، حتى الآن بدخول الثورة الصناعية الرابعة حيث أصبح تطوير تكنولوجيا المعلومات على الإنترنت وحتى الذكاء الاصطناعي ليس مجرد حلم.

لكن كل هذه التطورات التكنولوجية للأسف تخضع لسيطرة كاملة من قبل الأجانب الذين يكون محركهم الرئيسي هو المبدأ الرأسمالي، وبالتحديد (اقتصاد قائم على المعرفة). العالم الإسلامي يصبح هدفا وسوقا فقط. كما أن جامعات الأبحاث في البلاد الإسلامية تقام لخدمة الصناعات الأجنبية المملوكة في الواقع للكفار الرأسماليين.

يتماشى البحث الإنتاجي دائماً مع الاحتياجات الصناعية التي تتطلب إبداعاً عالياً. وبالتالي، فمن المنطقي أن الجامعات في العالم الإسلامي يصعب عليها اختراق أعلى 100 تصنيف في العالم حيث إن جميع البلدان الإسلامية تقريبا تعاني من تأخر التطور الصناعي على نطاق واسع، في حين إن الغرب يمر بمرحلة التصنيع على مدار 150 عاماً مضت. في حين إن أحد متطلبات الدولة التي يقال إنها قادرة على إتقان العلوم والتكنولوجيا هو ما إذا كانت قادرة على تكوين قدرة البحث التي تؤدي إلى حل المشاكل التي تواجهها الدولة، وكذلك أن تكون قادرة على تشكيل نظام صناعي يطبق نتائج البحث.

بينما من المفارقات، أنه منذ تدمير الخلافة، كان العالم الإسلامي راضياً تماماً عن موقع "العمال" و"المستهلكين" للمنتجات والخدمات التسويقية الشاملة التي تغمر البلاد الإسلامية، حيث يناقش هذا المقال كيف أن رؤية الإسلام تنفذها دولة الخلافة في إتقان العلم والتكنولوجيا في العصر الرقمي الحالي. الرؤية والنموذج الذي نسيه المسلمون أنفسهم منذ فترة طويلة.

رؤية واستراتيجية دولة الخلافة

إن نموذج الدولة في الإسلام هو لحماية النفس، والعقل، والدين، والمال، والكرامة، والأمن، والدولة والحفاظ عليها. لذلك، سيتم توحيد جميع السياسات التعليمية والصناعية لتحقيق مقاصد الشريعة، كما هو موضح أدناه:

أ. الاستراتيجية في بناء قدرة الدولة في إتقان المعرفة والتكنولوجيا

ترتبط الاستراتيجية الأولى ببناء ثلاثة أنظمة فرعية تدعم قدرة الدولة على إتقان مستوى عال من المعرفة.

  1.        i.   بناء نظام تعليمي رؤيوي من مستوى التعليم الابتدائي والثانوي إلى التعليم العالي حيث يتم الحصول على الفلسفة والتقاليد العلمية من العقيدة الإسلامية فقط، وبالتالي سيولد جيل بجودة في العقلية القيادية والاستقامة، مع مجموعة متنوعة من المهارات ومجالات الخبرة.
  2.      ii.   بناء نظام للبحث والتطوير، قادر على البحث المتكامل بين كل من معاهد البحوث والدوائر والجامعات؛ حيث يتم السيطرة على كل شيء وتشجيعه وتمويله بالكامل من الدولة.
  3.    iii.   بناء نظام صناعي استراتيجي تملكه وتديره الدولة بشكل مستقل ويستند إلى المتطلبات العسكرية الحديثة والوفاء بالاحتياجات الأساسية للناس. استقلالية الصناعة بما في ذلك القدرة على التحكم وإدارة وضمان أمن توريد الجوانب المهمة في الصناعة، وهي: المواد الخام، والتكنولوجيا، والخبرة، والهندسة، والتمويل، والقدرة على تشكيل سلسلة صناعية كاملة، بالإضافة إلى السياسات اللازمة.

من حيث التعليم، فإن الخلافة في سياستها الخارجية واستراتيجيتها الدبلوماسية سوف تتعاون بشكل استباقي مع الدول الأخرى غير العدوة. يمكن أن يكون هناك تبادل للطواقم التدريسية والوفود بين البلدين في نشر الثقافة واللغة لبعضهما البعض. مبادئ الاتفاقات الدولية للخلافة في التعليم هي كما يلي:

  1. تطبق الخلافة مناهج التعليم بسياسة معينة لتشكيل الشخصية الإسلامية
  2. تتيح الشريعة الإسلامية أنشطة التعليم والتعلم في إطار تطوير المعرفة التي تفيد الأمة والعالم
  3. يمكن للخلافة أن توافق على جلب معلمين ومحاضرين في مجال العلوم التجريبية من الخارج لأن المعلم مرتبط بمناهج الدولة ولا ينبغي له أن يحيد عنها.
  4. يحظر الاتفاق الذي قد يحتوي ما يسمح للبلدان الأخرى بنشر الأفكار والأيديولوجيات الخاطئة، أو فتح المدارس الخاصة بين الأمة الإسلامية.
  5. يحظر الاتفاق الذي يتطلب من الخلافة أن تلتزم بأي برنامج لا يتوافق مع السياسات التعليمية التي يجب أن تتمسك بها بحزم

فيما يتعلق بالنظام الصناعي، تهدف الصناعة إلى أن تكون قادرة على التغلب على جميع احتياجات الناس، سواء من المسلمين أو غير المسلمين، وكذلك قادرة على تلبية الاحتياجات الحيوية للدولة، وتكون قادرة على تشكيل استقلال البلاد مع المبادئ التالية:

  1. الأنظمة الصناعية ستعمل على أساس النظام الاقتصادي الإسلامي من حيث مبادئ الاستثمار والملكية. وينص الإسلام على أن عدداً من الموارد الطبيعية لا يمكن أن يمتلكها الأفراد، ناهيك عن الأجانب. الملكية تعود للأمة بأكملها. أما الدولة فدورها هو إدارة الموارد لتقديم أقصى قدر من المنافع للناس.
  2. يجب أن تسيطر الدولة على القطاع الصناعي الحيوي، مثل الزراعة والصيدلة والطاقة والنقل والبنية التحتية وما إلى ذلك. كل التنمية الصناعية يجب بناؤها لتكون مستقلة. لا ينبغي أن تكون هناك أدنى فرصة تجعلنا نعتمد على الكفار، لا من حيث التكنولوجيا (من خلال قواعد الترخيص)، والاقتصاد (من خلال قواعد القروض أو التصدير والاستيراد)، ولا من حيث السياسة. ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾. [النساء: 141]
  3. الصناعة ليست موجهة للتصدير، أما ما هو ضروري لتلبية الاحتياجات الأساسية المختلفة للناس فيجب استيراده،
  4. كما أن الصناعة مبنية على أساس الدعوة والجهاد، كلاهما الدفاعية والهجومية، غير المادية والمادية على السواء. يجب أن تكون جميع الصناعات القائمة قادرة على تعديلها لتوفير الحاجة للجهاد عند الحاجة. إن مصانع المعدات الثقيلة التي في وقت السلم تصنع القطارات وأدوات المطبخ، في وقت الحرب يجب أن تكون قادرة على التحول بسرعة إلى صهريج صناعي أو بندقية أوتوماتيكية.

ب.    استراتيجية أخذ المعرفة من الحضارات الأخرى

         أ‌-     تعاون المعرفة والعلوم والتكنولوجيا مع دول الكفر المعاهدة

يسمح الاتفاق في مجال العلوم والتكنولوجيا، لأن الشرع الإسلامي يسمح بذلك. ولذلك، فإن هذا التعاون المسموح به يعتمد على شكل التعاون، مع الاستمرار في مراقبة الموقف السياسي الدولي.

       ب‌-   الدولة تقدم مجموعات من العلماء للبحث عن المعرفة في بلد معين

إن الدولة تماشيا مع خطها السياسي سترسل مجموعات من العلماء للدراسة في الخارج من أجل المصالح الاستراتيجية لدولة الخلافة. لذلك عندما رأى الخليفة أنه من أجل تعزيز الجهاد ضد القوة العظمى الرومانية يتطلب ذلك منها قوة بحرية قوية، أرسل وفودا من الأمة الإسلامية لتعلم تقنيات بناء السفن، والملاحة مع علم الفلك والبوصلة، والبارود، وما إلى ذلك. ولهذا يجب عليهم التعلم في الصين - الذين كانوا أول من عرف البوصلة أو البارود - ثم ذهبوا إلى هناك، حتى لو كانت الرحلة صعبة، ويجب أن يتعلموا عدة لغات أجنبية.

       ت‌-   توظيف علماء أجانب لتعليم الأمة الإسلامية

في بعض الأوضاع السياسية، قد يتم اتخاذ بعض الإجراءات الاستخبارية، خاصة عند التعامل مع الدول المعادية للخلافة، كما في عهد السلطان محمد الفاتح (1453م) حيث جرت محاولات لإطلاق سراح السجين أوربان، وهو خبير ومهندس وصانع للمدافع من سجن القسطنطينية. حيث سجنه الإمبراطور قسطنطين لمنعه من العمل مع القوة العسكرية العثمانية. هذه القصة الطويلة تختصر بخطوات جدية تم تحرير أوربان وجاء أمام السلطان الفاتح. ثم أصبح يعمل براتب أعلى عشرات المرات مما كان عليه عندما كان يعمل في القسطنطينية. وأخيرا، تم صنع مدفع ضخم، الذي كان الأكثر تقدما في ذلك الوقت.

إن إعادة بناء مجد الإسلام يمكن أن يقوم به العالم الإسلامي إذا توحدوا كحضارة ليصبحوا "قوة جديدة" في المشهد السياسي العالمي. سوف تعود الأمة الإسلامية قريبا لقيادة الحضارة العالمية والتطور التكنولوجي، إذا تمت إعادة توجيه قدرات جيلها على الفور ليكون جيل القادة. لأن البلاد الإسلامية لديها قوة هائلة من الموارد البشرية والموارد الطبيعية، والتي إذا توحدت تحت ظل الخلافة، فلا يمكن لأي بلد أو دولة أن تنافسها.

هذا سوف يجيب بالضرورة على اعتماد الأمة الإسلامية على التكنولوجيا من الدول الغربية. سياسة احتكار المعرفة التي يقوم بها الغرب ستواجه باستقلال الأمة الإسلامية وقوة رؤية مبدئها. وببطء ولكن بثبات، سيتغير الموقف. ويصبح الغرب هو الذي سيعتمد على الخلافة، إن شاء الله.

والله أعلم

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

فيكا قمارة

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو