كيف تصون قيم الإسلام والخلافة الأمومة
October 23, 2018

كيف تصون قيم الإسلام والخلافة الأمومة

كيف تصون قيم الإسلام والخلافة الأمومة

(مترجم)

  • رفع الإسلام من مكانة الأمومة، ومنحها مكانة عالية في المجتمع، ونسب قيمة كبيرة لدور النساء كربات بيوت، وكمقدمات للرعاية الأولية ومربيات للأطفال. نصت العديد من النصوص الإسلامية على الأجر الكبير للزواج وإنجاب العديد من الأطفال، ووصفت المعاملة التفضيلية التي تستحقها الأمهات من أطفالهن. قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]. جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» (رواه البخاري ومسلم)، ويقول رسول الله ﷺ «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ» (رواه أبو داود)
  • إن رؤية الإسلام لمكانة الأمومة العالية وأهميتها يعاد فرضها من خلال وصف أدوار وواجبات وحقوق محددة للرجال والنساء في الحياة الأسرية. وهو يعرف الدور الأساسي للنساء كربات بيوت وراعيات للأطفال، ودور الرجال كأولياء ومعيلين للأسرة. وهذا الدور الأساسي للمرأة لا يلغي حقها في العمل إذا رغبت في ذلك. بل إنه يوفر للنساء امتياز النفقة - الذي يوفره دائما زوجها أو أقاربها الذكور الذين هم ملزمون بالمحافظة على النساء من أفراد أسرهم ماليا، مما يرفع عن كاهلهن عبء السعي لكسب عيشهن. يقول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾[النساء: 34]، ويقول ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ...» (رواه البخاري ومسلم)، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: 233]
  • الخلافة على منهاج النبوة ستحمي الأدوار المحددة في الإسلام لكل من الرجال والنساء في الحياة الأسرية، وستعزز من الدور المهم للنساء كزوجات وأمهات. وسيشمل ذلك ضمان توفير الأمور المالية للنساء بحيث لا يتعرضن للضغوط لكسب لقمة العيش وتهديد واجباتهن المهمة تجاه أطفالهن وأسرهن. على سبيل المثال، إذا لم يكن لدى المرأة أي أقارب ذكور لدعمها، ففي ظل الإسلام، الدولة ملزمة بإعالتها. ولذلك فإن الأحكام الإسلامية المطبقة في ظل الخلافة تدعم الأمهات في أداء واجباتهن الحيوية المتمثلة في رعاية أطفالهن وتربيتهن ورعاية منازلهن. كما أنها تضمن الأمن المالي للمرأة وتضمن عدم التخلي عنها أبدا لإعالة نفسها وأطفالها.
  • يقول ﷺ: «مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلأِهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ» (رواه مسلم)

"الأصل في المرأة أنها أم وربة بيت". المادة 112، مشروع دستور حزب التحرير لدولة الخلافة

"قوامة الزوج على الزوجة قوامة رعاية، لا قوامة حكم. وقد فرضت عليها الطاعة، وفرض عليه نفقتها حسب المعروف لمثلها". المادة 120، مشروع دستور حزب التحرير لدولة الخلافة

"تضمن الدولة من لا مال عنده ولا عمل له، ولا يوجد من تجب عليه نفقته، وتتولى إيواء العجزة وذوي العاهات". المادة 156، مشروع دستور حزب التحرير لدولة الخلافة

عمر بن الخطاب، الخليفة الثاني في الإسلام قدم أول نظام استحقاقات للطفل في العالم، وتوفير بدل للوالدين لمساعدتهم في الرعاية المالية لأطفالهم.

  • امتياز نفقة المرأة تم الحفاظ عليه بشكل صارم في ظل الحكم الإسلامي.

جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَىَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا قَالَ: «لاَ إِلاَّ بِالْمَعْرُوفِ».

كتابات من كتب الأحكام للعلماء المسلمين خلال الخلافة العباسية، على سبيل المثال من القرن التاسع، الفقيه الحنفي العراقي الخصّاف، يصف كيف تقدم النساء شكاوى إلى القضاة ضد الأزواج الذين لم يقدموا لهن ما يكفي من المال، أو الذين ذهبوا في رحلة لعدة أشهر ولم يتركوا لهم إعالة كافية. ويطلبون من القاضي تعيين كفيل يكون مسؤولا عن دفع النفقة. وإذا اختفى أزواجهن، فقد يذهبن إلى القاضي ويطلبن منه تعيين وكيل لإدارة أملاك الزوج ودفع النفقة.

وتبين السجلات القضائية من الخلافة العثمانية أيضا أن الرجال ملزمون قانونا بحفظ زوجاتهم وأطفالهم ماليا. وإذا رفضوا ذلك، يمكن للزوجة أن ترفع شكوى إلى المحكمة ويقوم القاضي بإنفاذ الدفع. ويشمل ذلك إتاحة أي من ممتلكات الزوج لهم لتوفير مستوى المعيشة الذي اعتادوا عليه. ويمكن للزوجات المهجورات المطالبة ببدل معيشة لهن ولأطفالهن من أي جزء من ثروة أزواجهن أو ممتلكاتهم. ويمكنهن أيضا أن يطلبن من المحكمة أن تأمر بإصدار قرض باسم زوجها، تكون الزوجة مدعومة منه، وأن يكون مسؤولا عنه. وهذا مثال على إحدى هذه الحالات من السجلات القضائية لمدينة قيصري زمن الخلافة العثمانية:

"سينيت آنا بنت الشيخ محمد أفندي ترفع دعوى: أنا زوجة عبد الفتاح بن عبد القادر من غولوك ماهال (حي)، والذي كان غائبا لفترة طويلة. أريد بدل معيشي. طلب من سينيت آنا أن تقسم يمينا أن زوجها لم يخصص لها شيئا. ثم حصلت على خمسة عشر آقجة يوميا، وإذن للحصول على قرض" (سجل قيصري 1034ه)

  • تم تعزيز رؤية الإسلام للاحترام الكبير الذي تستحقه الأمومة وأهميتها في الحياة الأسرية والمجتمع في ظل الحكم الإسلامي، وتشكيل عقلية رعايا الدولة تجاه هذا الدور الحيوي للمرأة. واستمرت هذه الأمهات التي لا مثيل لهن بالتنعم في ظل الإسلام طوال تاريخ الخلافة. في الخلافة العثمانية على سبيل المثال، عززت الأمومة وضع المرأة داخل المجتمع وتم تبجيل الأمهات ومعاملتهن بعناية فائقة من قبل أطفالهن. وفي المقابل، قامت الأمهات بتعليم أطفالهن بحب وعاطفة هائلة.

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "لا أعرف عمل آخر يقرب العبد إلى الله أفضل من حسن معاملة الأم واحترامها".

وروي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رأى مرة رجلا يمنيا يطوف حول الكعبة حاملا أمه على ظهره. قال الرجل لعبد الله بن عمر رضي الله عنه: "أَحْمِلُ أُمِّي وَهِيَ الْحَمَّالَهْ، تُرْضِعُنِي الدِّرَّةَ وَالْعُلَالَهْ، هَلْ يُجْزَيَنَّ وَالِدٌ فِعَالَهْ؟" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "لَا وَلَا طَلْقَةً".

زين العابدين، أحد العلماء المشهورين سئل، "أنت الشخص الأكثر رعاية لأمه، ولكننا لم نرك أبدا تتناول الطعام معها من طبق واحد"، أجاب: "أخشى أن تأخذ يدي الطعام الذي رأت عيناها في الطبق، وبعد ذلك أكون عاصياً لها".

"سمة جميلة في شخصية الأتراك هو تبجيلهم واحترامهم لسبب وجودهم... الأم هي المستشار الحكيم؛ فهي تستشار، يعهد إليها، يستمع إليها باحترام وإذعان، مكرمة لآخر عمرها وتذكر بالمودة والرحمة والندم بعد موتها". اقتباس من "مدينة السلطان والأخلاق المحلية للأتراك عام 1836" من قبل جوليا باردو، شاعرة بريطانية، مؤرخة، ورحالة.

  • إن نظام التعليم ووسائط الإعلام في الخلافة، فضلا عن البيئة الإسلامية العامة في المجتمع، سيساعد الأمهات المسلمات على تحمل مسؤوليتهن الجسيمة في تربية أطفالهن ليصبحوا شخصيات إسلامية قوية، مكرسين لخدمة الله سبحانه وتعالى، ومن ثم رعايا مستقيمين في الدولة يكونون مصدرا للخير لمجتمعاتهم.

ولذلك فإن الإسلام لديه رؤية لا مثيل لها لأهمية الأمومة، مصحوب بمجموعة من القوانين والواجبات المقررة على الرجل والمرأة لضمان حمايتها ودعمها. في ظل الحكم الإسلامي، غرس هذا داخل النساء شعورا كبيرا من قيمة الذات من واجباتهن المهمة كربات بيوت وراعيات لأطفالهن، والتي قاموا بها بأقصى قدر من الجدية والرعاية. وتنشئ الأحكام الشرعية أيضا وحدات أسرية قوية وموحدة. ومن ثم فإن الخلافة هي وحدها التي تطبق الإسلام بشكل شامل من شأنه أن يعود بالمكانة العظيمة التي تستحقها الأمومة داخل المجتمع، وتكفل حقوق الأطفال وتنشئتهم بفعالية، وتحمي حرمة الحياة الأسرية وانسجامها.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. نسرين نواز

مديرة القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو