كيف توفّر الخلافة نظاما صحّيّا من الدّرجة الأولى؟!!
April 06, 2019

كيف توفّر الخلافة نظاما صحّيّا من الدّرجة الأولى؟!!

كيف توفّر الخلافة نظاما صحّيّا من الدّرجة الأولى؟!!

- «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» هذا ما كان عليه رسولنا e وهذا ما ربّى عليه صحابته: يحكم بشرع الله وينفّذ أحكامه. فالخليفة في دولة الإسلام مسؤول عن رعيّته يحكم بينها بالعدل ويوفّر لها الأمن والاطمئنان. يرعاها ويضمن لها توفير حاجاتها وضروريّات حياتها التي لا يمكن لأيّ إنسان الاستغناء عنها. والرّعاية الصّحيّة إحدى هذه الضّروريّات التي على الخليفة العمل على توفيرها لكلّ فرد من أفراد رعيّته.

- سبحان الذي نزّل الإسلام هدى ورحمة للعالمين ففي أحكامه رعاية نفسيّة رائعة تشعر الفرد بالطّمأنينة الدّائمة فوفقها يلبّي حاجاته العضويّة ويشبع غرائزه إشباعا صحيحا. لقد ثبت أنّ الإسلام وحده يكفل للإنسان إشباع حاجاته بشكل منظّم ودقيق فلا يترك العنان لغريزة ويكبح جماح أخرى، فيحقّق له كلّ القيم وهو ما يجعله مرتاحا مطمئنّا. يقولُ الله سبحانه وتعالى في الآية 97 من سورة النّحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

- تضمن الدّولة الرّعاية الصّحيّة النّفسيّة بتنفيذها لهذه الأحكام وتركيز المفاهيم والمشاعر الإسلاميّة عبر مناهج التّعليم والإعلام في أفراد رعيّتها فتنتشر المفاهيم النّقيّة الصّافية فتعمّ الأجواء الإيمانيّة التي تبعث في النّفوس التّقوى والخوف من الله والسعي لنيل رضاه. وعلى الدّولة توفير الحاجات الأساسيّة للأفراد ورعايتهم والحفاظ على سلامتهم بوقاية الأصحّاء وعلاج المرضى وردّ صحّتهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلا... تعمل جاهدة عبر نظامها الاقتصاديّ الإسلاميّ الفريد على توفير تلك الحاجات حتّى لا ينعكس عدم إشباعها وتلبيتها على صحّة الأفراد فيصابوا بالقلق أو الاكتئاب...!

- لقد أولى الإسلام الرّعاية الصّحّيّة اهتماما كبيرا ونقلها نقلة نوعيّة انقلابيّة من عالم السّحر والشّعوذة والأسطورة إلى عالم العلم والتّجربة، وهو ما أسهم في تقدّم علم الطّبّ تقدّما سريعا مذهلا، فكان لأفكار الإسلام وأحكامه الأثر الكبير في وضع أهمّ الرّكائز السّليمة والصّحيحة للعناية الصّحّيّة... فقد أرْسَى e بأقواله وأفعاله قواعدَ الرِّعاية الصّحيَّة والطّبيَّة كما شهد القرن الأوّل الهجريّ تأسيسَ البيمارستان والمصحَّات بمختلف أنواعها، وَعُدَّ ذلك نقطةً مضيئة في تاريخ الرِّعاية الصّحيَّة والطّبّيَّة في الحضارة الإسلاميَّة. و"خلاصة الأمر أنَّ التّوجيهات النّبويّة الصّحّيّة والطّبّيّة تمثِّل الدّعائم الرّئيسيّة للنّهضة الطّبّيّة والصّحّيّة التي شَهِدها العالم فيما بعد؛ إذ تُعَدّ هذه التّوجيهات المَعِين الذي شَرِب منه الأطبّاء جيلاً بعد جيل، والتي كانت بمثابة المفاتيح التي سهَّلت على العلماء سُبل البحث والتّقصِّي في المجالات الصّحّيّة والطّبّيّة، فالعلم يؤكِّد كلَّ يومٍ عِظَم تلك التّوجيهات ومصداقيَّتها العلمية" (الرِّعاية الصّحّيّة والطّبّيّة في القرن الأوّل الهجريّ: رسالة الأستاذة "أسماء يوسف أحمد آل ذياب").

- كانت أمّة الإسلام رائدة في المجال الصّحّيّ والطّبّيّ تقود العالم بهدي من الله ورسوله... حقّقت تقدّما علميّا كبيرا نقلته عنها بقيّة الأمم، وقد برز منها علماء وأطبّاء كما برعت في بناء المستشفيات وتجهيزها "تزعّم الإسلام العالم كلّه في إعداد المستشفيات الصّالحة وإمدادها بحاجاتها. مثال ذلك أنّ البيمارستان الذي أنشأه نور الدّين في دمشق عام 1160 ظلّ ثلاثة قرون يعالج المرضى من غير أجر ويمدّهم بالدّواء من غير ثمن ويقول المؤرّخون إنّ نيرانه ظلّت مشتعلة لا تنطفئ 267 سنة" (ول ديورانت: فيلسوف، مؤرّخ وكاتب أمريكيّ).

- من مهامّ الدّولة في الإسلام الرّعاية؛ إذ يجب عليها توفير الأدوية والمستشفيات للنّاس. أخرج مسلم من طريق جابر قال: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ e إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيباً، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقاً ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ». وأخرج الحاكم في المستدرك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: (مرضت في زمان عمر بن الخطّاب مرضاً شديداً، فدعا لي عمر طبيباً فحمّاني حتّى كنت أمصّ النّواة من شدّة الحمية) فعلى الرّاعي أن يؤمّن للأفراد الرّعاية الصّحّيّة ويوفّر لهم الأدوية والمستشفيات. روى البخاريُّ في الأدبِ المفردِ والتّاريخِ الصّغيرِ بإسنادٍ صَحَّحَهُ الألبانيُّ عنْ محمود بنِ لبيدٍ قالَ: «لَمَّا أُصيبَ أَكْحَلُ سَعْدٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَثَقُلَ، حَوَّلوهُ عِنْدَ امْرَأَةٍ يُقالُ لَها: رُفَيْدَة، وَكانَتْ تُداوي الجَرْحى، فَكانَ النَّبِيُّ e إِذا مَرَّ بِهِ يَقولُ: كَيْفَ أَمْسَيْتَ؟ وَإِذا أَصْبَحَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَيُخْبِرُهُ». هذا ما كان يقوم به قدوتنا وحبيبنا عليه أفضل صلاة وأزكى سلام... علّم صحابته ومن تبعه أنّ الرّاعي في دولة الإسلام يخشى الله فيمن استرعاه ويسهر على تأمين حاجاتهم وعلى توفير العلاج لهم، وهذا من باب رعاية الشّؤون...

- والتّداوي من النّفقات الواجبة على بيت المال فعلى الدّولة أن "توفّر جميع الخدمات الصّحّيّة مجاناً للجميع". (المادّة 164 من مشروع دستور دولة الخلافة الذي أعدّه حزب التّحرير) ورغم أنّها تقوم بتوفير الرّعاية مجانا إلّا أنّ الدّولة لم تمنع الأطبّاء من العمل وتقاضي أجرة على ذلك فقد «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ e حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، وَأَعْطَاهُ صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَّفُوا عَنْهُ» أخرجه البخاري... والحجامة من الأدوية التي يتطبّب بها، وأخذ الأجرة عليها دليل على جواز تأجير الطّبيب، وعليه فليس للدولة أن تمنع "استئجار الأطبّاء ولا بيع الأدوية" (من المادّة 164 من مشروع دستور دولة الخلافة).

- ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فمن أركان البيع أن تنقل الملكيّة من البائع إلى المشتري. ولذلك وبعد أن يبيع المكتشف الدّواء، يُصبح ملكا لمن اشتراه، وله أن يتصرّف فيه بالبيع أو الصّنع... ولا يجوز شرعاً أن تكون هناك حقوق طبع أو نسخ أو براءة اختراع محفوظة، بل هي حقوق مباحة فالشروط التي تُحرّم الحلال شروط باطلة. «وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطاً حَرَّمَ حَلَالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَاماً» (رواه الترمذي). فدولة الخلافة تسعى إلى تحقيق القيم بتوازن حتّى تحقّق الرّخاء للجميع، لا تفرّق بين فقير ولا غنيّ، وتعمل على توفير جميع الحاجات الأساسيّة لكلّ فرد من رعيّتها وتمكينه حتّى من حاجاته الكماليّة: هي دولة رعاية وكفاية ورفاه...!

- كما تقوم دولة الخلافة بإنشاء المختبرات العلميّة المتعلّقة بكافّة شؤون الحياة وبتهيئة المكتبات وسائر وسائل المعرفة في غير المدارس والجامعات لتمكين الذين يرغبون في مواصلة الاختراع والاكتشاف والأبحاث في سائر العلوم والمعارف وغير ذلك، حتّى يتوفّر في الأمّة حشد من المجتهدين والمبدعين والمخترعين، وتشجّع أفراد رعيّتها على إنشاء المختبرات العلميّة فـ"لجميع أفراد الرّعيّة الحقّ في إنشاء المختبرات العـلـمـيّة المتعلّقة بكافّة شؤون الحياة، وعلى الدّولة أن تقوم هي بإنشاء هذه المختبرات." ( المادّة 162 من مشروع الدّستور).

- "يمنع الأفراد من ملكيّة المختبرات التي تنتج موادّ تؤدّي ملكيّتهم لها إلى ضرر على الأمّة أو على الدّولة." (المادّة 163 من مشروع الدّستور) فلا يمكن بحال أن يمتلك الأفراد مختبرات الذّرّة مثلا لأنّ ملكيّتها تؤدّي إلى الضّرر بالأفراد وبالدّولة. ولا يخفى علينا ما يعانيه العالم في ظلّ النّظام الرّأسماليّ من دمار في كلّ نواحي الحياة ومنها الرّعايةِ الصّحّيّةِ وما سادها من فساد تفشّى في نظامِ التّأمينِ الصّحيِّ وشركاتِهِ، وشركاتِ الأدويةِ وأبحاثِها، وبرز في استغلالِ هذهِ الشّركاتِ للأطبّاءِ واستغلالِ هؤلاء (الأطبّاء) للمرضى فصار الهمُّ منصبّاً على تحقيق الرّبح على حساب حياة النّاس وصحّتهم، فلا عيش لمن لا مال له، ولا علاج ولا دواء للضّعيف والفقير، والقيمة الأولى والأخيرة للمال وأصحابه. وهذا ما حاربته دولة الخلافة ولم تسمح بحدوثه.

- كتب (Gomar) أَحَدُ علماءِ حملةِ نابليونَ واصفاً أحدَ البيمارستناتِ (المستشفياتِ) التي بُنيتْ قبلَ ستّةِ قرونٍ منْ حملتِهِ على مصرَ: "وكانَ يَدْخُلُهُ (أيِ البيمارستانُ) كلُّ المرضى، فقراءَ وأغنياءَ، بدونِ تمييزٍ، وكانَ يُجْلَبُ إليهِ الأطباءُ منْ مختلفِ جهاتِ الشرقِ وَيُجْزَلُ لهمُ العطاءُ، وكانتْ لهُ خزانةُ شرابٍ وصيدليةٌ مُجَهَّزَةٌ بالأَدويةِ والأَدواتِ. ويُقالُ إنَّ كلَّ مريضٍ كانتْ نفقاتُهُ ديناراً، وكانَ لهُ شخصانِ يقومانِ بخدمتِهِ، وكانَ المُؤَرَّقُونَ منَ المرضى (أيِ المرضى النفسيينَ) يُعْزَلُونَ في قاعةٍ منفردةٍ يُشَنِّفُونَ فِيهَا آذانهمْ بسماعِ ألحانِ الموسيقى الشجيةِ أوْ يتسلّونَ بسماعِ الحكايَا يُلْقِيهَا عليهمُ الحَكَوَاتِيُّ. وكانَ المرضى الذينَ يستعيدونَ صحتهمْ ويتماثلونَ للشفاءِ يُعْزَلونَ عَنْ باقي المرضى في فترةِ نقاهةٍ. وكانَ يُعطى لكلِّ مريضٍ حينَ خروجِهِ منَ البيمارستانِ خمسُ قطعٍ منَ الذهبِ، حتى لا يُضْطَّرَ إلى الالتجاءِ إلى العملِ الشَّاقِّ في الحالِ".

- هكذا كان المسلمون وغيرهم ممّن يحيون في ظلّ دولة الخلافة: رعاية صحّية لم يشهد العالم مثيلا لها ولا يمكن له أن يشهدها ثانية إلّا في ظلّها وعند عودتها. ذلك أنّ الرّعاية الصّحّية مفادها القيامُ على صحّةِ الرّعيّة بمراقَبَتِها وحِفْظِها وتَدبيرِ شُؤُونِها فتضمن بذلك العافية الجسديّة والنّفسيّة معا كما تشملُ الوقايةَ منَ الأمراضِ قَبْلَ وقوعها ومتابعتَها وعلاجَها في حال وقوعها. وهذا ما حقّقه الإسلام بعقيدته العقليّة وشريعته القويّة فنشر السّعادة والصّحّة النّفسيّة في نفوس الذين اعتنقوه واتّبعوا هدى ربّهم. لقد أبهر الإسلام العالم برعايته الفذّة والفريدة للنّاس والتي تنبع من أحكام شرعيّة أنزلها الله رحمة للنّاس كافّة، فلا فرق فيها بين غنيّ ولا فقير ولا بين حاكم ومحكوم، الكلّ يخشى الله ويسعى لإرضائه خوفا من عقابه، فقاعاتُ المرضى التي كانت "تُدَفَّأُ بإحراقِ البخورِ أوْ تُبَرَّدُ بالمراوحِ الكبيرةِ الممتدةِّ منْ طرفِ القاعةِ إلى الطّرفِ الثاني..." وأرضُ القاعاتِ التي كانتْ "تُغَطَّى بأغصانِ شجرِ الحنّاءِ، أوْ شجرِ الرُّمانِ، أوْ بفَسَائِلِ الشُّجَيْرَاتِ العطريَّةِ" كما ذكر المستشرق الفرنسيّ بريسُ دافِن (Prisse D'Avennes) تكشف عن نظام صحّي متميّز تفرّدت به دولة الخلافة ولفت انتباه العالم!

كتبته للمكتب الإعلاميّ المركزيّ لحزب التّحرير

زينة الصّامت

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو