كيف يتعامل الإسلام مع الجريمة وغياب القانون؟
June 26, 2019

كيف يتعامل الإسلام مع الجريمة وغياب القانون؟

كيف يتعامل الإسلام مع الجريمة وغياب القانون؟

(مترجم)

في الوقت الحاضر، هناك بعض المحادثات البارزة حول القانون والعدالة والأمن، ويتم تناقل هذه المسائل كونها من بين أعلى القضايا الأخلاقية في المجتمع الديمقراطي، وتَعِدُ كل حكومة رعاياها ببلد آمن وعادل، لكن هل هذه هي الحقيقة فعلا؟ هل نعيش اليوم في وقت تطبق فيه العدالة وسيادة القانون كعلامات على نجاح المجتمعات، وهل تعيش البشرية في سلام ووئام؟ أم أن جميع دول العالم تعيش تحت ظل مظلم وتواجه الجريمة والخروج على القانون وانعدام الأمن؟

وإذا ما ألقينا نظرة على بعض الأمثلة من الوضع الراهن في العالم، فسنفهم الصورة الحقيقية للحالة التي تعيش فيها البشرية فعليا.

وفقا لـ"جلوبال إيكونومي"، كان متوسط معدل السرقة لعام 2016: 783 سرقة لكل مئة ألف شخص، وكانت أعلى نسبة في الدنمارك، حيث بلغ عدد السرقات: 3949 سرقة لكل مئة ألف شخص. وفقا لما ذكرته شركة نوما فإن السلفادور تعد البلد الأول من حيث معدل جرائم القتل في العالم، ففي عام 2016، بلغ معدل جرائم القتل في السلفادور 82.8 حالة لكل مئة ألف من السكان. وتشمل الدول الخمس الأولى أيضا؛ هندوراس وفنزويلا وجامايكا وبيليز. وتعد شيلي هي البلد الأعلى نسبة لمعدلات السطو في العالم، ففي عام 2016، بلغ معدل السطو في شيلي 1193.9 حالة لكل مئة ألف من السكان، وتشمل الدول الخمس الأولى أيضا الدنمارك والنمسا والسويد وأستراليا. وتعد الأرجنتين هي البلد الأعلى من حيث معدل السرقة في العالم، ففي عام 2016، بلغ معدل السرقة في الأرجنتين 988.9 حالة لكل مئة ألف من السكان، وتشمل البلدان الخمسة الأولى أيضا شيلي وأوروغواي وإكوادور وباراغواي. وتعد السويد هي البلد الأعلى نسبة لمعدل الاغتصاب في العالم، ففي عام 2015 بلغ معدل الاغتصاب في السويد 56.7 حالة لكل مئة ألف من السكان. وتشمل البلدان الخمسة الأولى أيضا أيسلندا وغيانا وأمريكا والسلفادور. ولبنان هي البلد الأعلى من حيث معدلات الاختطاف في العالم، وفي عام 2016، بلغ معدل الاختطاف في لبنان 177.7 حالة لكل مئة ألف نسمة، وتشمل الدول الخمس الأولى تركيا وكندا وباكستان وسانت فنسنت وجزر غرينادين. غرينادا هي البلد الأعلى نسبة لمعدل الاعتداء في العالم، وفي عام 2016، بلغ معدل الاعتداء في غرينادا 1721.9 حالة لكل مئة ألف من السكان. وتشمل البلدان الخمسة الأولى أيضا سانت فنسنت وجزر غرينادين وبربادوس وفرنسا وكولومبيا.

هذه كلها مجرد أمثلة قليلة توضح أن فكرة سيادة القانون والأمن والعدالة ليست سوى وهم في ظل النظام الديمقراطي أو أي نظام آخر من صنع الإنسان، والنظام السائد الحالي لا يتوافق مع الطبيعة البشرية ولا يخلق سوى الفوضى داخل المجتمع، ونظرا لفكرة المادية والحريات الليبرالية والفقر المدقع وتعاطي المخدرات والكحول وانعدام المساءلة والنظم البالية والفساد والرشوة وغيرها من الأسباب، فإن الجريمة منتشرة في مستويات وبائية في العديد من الدول اليوم.

السؤال هو كيف يمنع الإسلام ويحل الجريمة والخروج على القانون وانعدام الأمن؟ نحن نعلم أن مجتمع الجاهلية العربي في قريش في زمن النبي e كان أيضا في ظل جهل مدقع، حيث كانت السمة البارزة في حياة العرب قبل الإسلام هي أنهم لم يعترفوا أبدا بأي سلطة غير سلطة رؤساء قبائلهم وليس لديهم قانون أو نظام محدد، فكانت الفوضى هي القانون السائد... وصف جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة كيف كانوا قبل الإسلام فقال: "كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف...".

إن مجيء الإسلام غيّر نمط الحياة العربية في الجاهلية، فالإسلام يعطي معنى لوجود الإنسان ويمثله مبدأ الثواب والعقاب، عن كل عمل يتم القيام به، مستشعرين رقابة الله سبحانه وتعالى دائماً، مما يوقظ مفهوم التقوى في نفس المسلم، وبالنتيجة، على عكس الرأسمالية، هي أن يكون الإنسان قادراً على السيطرة على رغباته وعدم الوقوع في فخاخ المادية أو الحريات الليبرالية التي تؤدي بالطبع إلى زيادة العمل غير الأخلاقي في المجتمع. وفي هذا الصدد، يمنع النبي e إراقة الدماء من أجل القبلية أو أي مكسب شخصي، كما يحرم السرقة والزنا. أي أنه e يمنع المشاركة في جميع أشكال السلوك التي من شأنها أن تهدد أمن الأموال أو الحياة أو الشرف أو سمعة الناس، كما أن المشاركة في الافتراء، والأرباح الفاحشة، مثل الربا، والسوق السوداء، والرشوة، محظورة أيضاً، فعلى سبيل المثال، في المجتمع العربي عندما قُتل أحد أفراد عشيرة، تمكنت العشيرة من الانتقام بقتل العديد من أفراد عشيرة القاتل، لكن الإسلام رفض هذه العادة القبلية رفضاً قاطعاً، ووفقاً للإسلام وأحكامه، فإن القاتل المثبت هو وحده الذي سيواجه عقوبة الإعدام لأن الإسلام يحظر القتل دون أي أساس شرعي. ومن الأمثلة الأخرى على ذلك العبودية فكانت العلاقة بين السيد والعبد مليئة بالاضطهاد والإذلال والاستغلال، فلما جاء الإسلام غيّر هذه العلاقة، فالله سبحانه وتعالى يمنع استغلال العبيد من قبل مالكيهم، فيقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.

ومن الأمثلة الأخرى على ذلك السرقة، ففي ودان، التي تربط مكة المكرمة بالعالم الخارجي، عاشت فيها قبيلة غفار، واشتهرت غفار بمداهمتها للقوافل التجارية وغزو القبائل المجاورة الأضعف منها، حتى إنه لا قانون يحكمهم، لدرجة أنهم لم يحترموا حرمة الأشهر الحرام المتفق على حرمتها جميع العرب ولا يسمحون القتل فيها، وإجمالا، تركزت مصالحهم على سبل سرقة الآخرين. ومع ذلك، فعندما اعتنقت القبيلة الإسلام، تخلت عن هذا السلوك الإجرامي لأن الإسلام يحرم السرقة، في الحقيقة، يبين القرآن أن السارق، ذكرا كان أم أنثى، يجب أن تقطع يده عقابا لما فعله. يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

ألزم النبي محمد e الأرباح بالحلال ومنع الأشياء التي يتم الحصول عليها بطريقة محرمة، واستنكر أيضا على الخداع وعندما اكتشف أن بعض القمح، الذي بدا جافاً من أعلى، كان في واقعه رطبا، قال «من غشنا فليس منا» (رواه مسلم). إن مفهوم الرزق، الذي يقدره الله سبحانه وتعالى قبل ولادة الفرد هو اعتقاد إسلامي آخر مهم. فهو يمنع الناس من أن تغويهم زيادة ثرواتهم من خلال السرقة أو النصب أو الاحتيال. وبالإضافة إلى ذلك، فإن النظام الاقتصادي الإسلامي العادل يوفر لكل فرد مستوى معيشة آمناً ومنصفاً يقلل من احتمال وقوع جزء من المجتمع في براثن الفقر، ويعيش الجزء الآخر في رخاء يمكن أن يؤدي أيضا إلى الفساد وسلوك مالي غير أخلاقي آخر.

والمسألة الأخرى هي إيجاد الأمن داخل المجتمع، وكان بناء المسجد الأول عنصرا مهما في أسس الأخوة، وكان خطوة مهمة في توفير القرب والمودة والمحبة والتعاون والأمن بين المسلمين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن النظام السياسي الذي بزغ في المدينة المنورة يوفر الأمن المتبادل في العلاقة بين الدولة والرعية، والنبي e، الذي كان رئيس الدولة في المدينة المنورة، تعامل مع المسلمين وغير المسلمين على حد سواء وفقا لمبدأ العدالة والمساواة في ضمان حقوقهم، التي وردت في الدستور الإسلامي للدولة، وبالإضافة إلى ذلك، يوجد رأي عام وقوي في المجتمع الإسلامي في اتجاه حسن السلوك الأخلاقي وبعيد كل البعد عن الأعمال الفاسدة والإجرامية، وهذا يثني السكان عن الانخراط في أي عمل إجرامي أو غير أخلاقي.

كل ما ذكر أعلاه من الأعراف الاجتماعية السيئة والعادات الأخلاقية اختفت عندما ساد الإسلام. وهذا يبين كيف أن الإسلام أصلح جذريا النظرة العالمية للمجتمع العربي الذي حكم به، فضلا عن الأراضي الأخرى التي كانت تحت حكمه، والقضاء على ممارسات الجاهلية واستبدال معتقدات وأعراف وممارسات الإسلام السامية بها، بما في ذلك مبدأ المساءلة والمحاسبة أمام سلطة عليا من الله سبحانه وتعالى، حيث قلل الإسلام من الجريمة والخروج على القانون وانعدام الأمن في كل الأراضي التي طُبق فيها كنظام، وبالتالي حول المجتمع الذي كان يحكمه إلى أمة مخلصة وقيادة عالمية توفر الأمن والحماية لكل فرد، وهذا بالضبط التغيير الذي تحتاجه الأمة اليوم، فكما جلب الإسلام النور إلى مجتمع الجاهلية العربي وجرده من ظل الجهل المظلم، فإن الإسلام هو وحده الذي يستطيع أن يحرر البشرية من وباء الجريمة وانعدام القانون والأمن في العالم اليوم...

﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

آمنه عابد

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو