كيفية رعاية دولة الخلافة للتجارة الخارجية- الأستاذ ابو حمزة   
March 25, 2009

كيفية رعاية دولة الخلافة للتجارة الخارجية- الأستاذ ابو حمزة   

لا شك أن التجارة الخارجية من الأهمية بمكان بحيث أصبحت من متطلبات حياة كل الشعوب ولا غنى لأية دولة عنها، فالشعوب لا تستطيع العيش بعزلة عن بعضها وحاجتها للآخرين لا مجال للاستغناء عنها، ومن هنا كانت التجارة الخارجية بقدر ما هي مصدر من أهم مصادر تنمية الثروة بقدر ما تلبي حاجيات الجماعة ومتطلباتها.

والتجارة الخارجية عبارة عن عمليات البيع والشراء التي تجري بين الشعوب والأمم سواء أكانت بين الدول نفسها أو بين أفراد أو شركات من دولتين أو أكثر من الدول، فأية مبادلات تجارية مع الخارج تدخل في نطاق التجارة الخارجية. وللدولة - أية دولة - دور محوري فيها، وفي حالات معينة تباشر الدولة منع إخراج بعض البضائع وتبيح بعضها، هذا بالإضافة إلى مباشرتها موضوع التجار بمن فيهم الحربيين والمعاهدين.

والدولة الإسلامية تباشر التجارة مطلقاً وتباشر موضوع التجار من غير رعاياها، أما رعاياها فيكفي الإشراف عليهم لأنهم يعتبرون السياسة الداخلية لها. وبالمجمل فيمكن القول إن الدولة في الإسلام تنظم التجارة الخارجية وتشرف عليها، وتستخدم الدولة في عملها هذا المسالح التي تُعرف بأنها : مراكز على حدود الدولة لتفتيش التجار و للإشراف على التجارة.

وأحكام التجارة الخارجية كسائر الأحكام الأخرى هي في الواقع خطاب من الشارع متعلق بالأفراد من حيث نظر الشرع لهم ولأموالهم. ومن هنا فهذه الأحكام ليست متعلقة بالتجارة من حيث هي تجارة، ولا بالمنشأ الذي أنتجها، وإنما متعلقة بالتاجر؛ لأن أحكام المال تابعة لمالك المال، وتأخذ حكمه.

وهذا بخلاف النظام الرأسمالي، فحكم التجارة الخارجية فيه إنما هو للمال لا لصاحبه، فينظر إليه من حيث منشأ المال لا من حيث تابعية التاجر. وهذا هو الفرق بينهما، فالإسلام ينظر لمالك المال أي للتاجر بغض النظر عن منشأ المال، بينما نظرة الرأسمالية بخصوصها تعتبر المال ولا قيمة لديها للتاجر.

والتجار ثلاثة أصناف:

(1) رعايا الدولة سواء أكانوا مسلمين أم ذميين: ويتعلق بهم حالتين هما:

أ) إخراج التجارة من البلاد: في هذه الحالة لا يجوز لهم أن يحملوا إلى دار الحرب ما يستعين به أهل الحرب من الأسلحة والمواد الإستراتيجية التي تعينهم على حرب المسلمين؛ لأن ذلك يعتبر تعاوناً على الإثم والله تعالى يقول: )وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ(، أما حمل ما عدا ذلك فيجوز لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر ثمامة أن يمير أهل مكة وهم حرب عليه.

والتجار المسلمين كانوا يدخلون دار الحرب للتجارة على مرأى ومسمع من الصحابة ولم ينكر عليهم منكر فكان ذلك إجماعاً. لذلك يجوز للمسلمين والذميين أن يخرجوا الطعام والمتاع خارج البلاد إلا أن يكون مما تحتاج إليه الرعية لقلته. ولكن ذلك خاص بدار الحرب المحاربة حكماً أما المحاربة فعلاً كإسرائيل فلا يجوز ذلك لا في طعام ولا في غيره؛ لأن ذلك يقويها.

ب) إدخال التجارة إلى البلاد: يقول تعالى: )وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ( وهذا عام يشمل التجارة الداخلية والخارجية ولم يرد نص يمنع ذلك لا تقييداً ولا تخصيصاً فيبقى على عمومه.

(2) المعاهدون: ويعاملون وفقاً لنصوص المعاهدة المعقودة معهم في حالتي الإدخال والإخراج، ولكنهم لا يُمكنون من شراء السلاح وكل ما يستعان به على الحرب لأن ذلك فيه إعانة لهم، وهم وإن كانوا معاهدين فإنهم حربيين، إلا في حالة من حالات شراء السلاح الذي لا يؤثر ولا يصل إلى درجة الإعانة فالعلة هنا هي عدم إمداد العدو وإعانته فإذا عدمت العلة عدم الحكم.

(3) الحربيون: وهم كل من ليس بيننا وبينهم معاهدات، وليسوا من رعايا الدولة الإسلامية فإذا كانت الحرب قائمة بيننا وبينهم يجوز أن نظفر بهم ونأخذ أسراهم، أما إن لم تكن الحرب قائمة فلا يجوز إلا إذا دخل الحربي بلادنا بغير أمان.

أما بالنسبة لما يوضع على تجارات الحربيين فإنها تختلف باختلاف التجار لا باختلاف التجارة؛ لأن نظرة الإسلام ليست للتجارة من حيث المنشأ كما قلنا، وإنما هي من حيث كونها مملوكة للشخص. روى الدرامي وأحمد وأبو عبيد عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة صاحب مكس"، قال أبو محمد يعني عشاراً، والعشار هو العاشر الذي يأخذ يأخذ العشر على التجارة التي تأتي من الخارج. وعن إبراهيم بن مهاجر قال: سمعت زياد بن حدير يقول: "أنا أول عاشر عشَّر في الإسلام، قلت: ومن كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلماً ولا معاهداً، كنا نعشر نصارى تغلب" وفي رواية المعري قال: "تجار الحرب كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم".

 وهكذا فالتاجر المعاهد يُؤخذ منه الضرائب بحسب ما نصت عليه المعاهدة التي بيننا وبينهم.

وأما التاجر الحربي: فحكمه أن نأخذ منه كما تأخذ دولته من تجارنا. روي عن أبي مجلز قال: "قالوا لعمر: كيف نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا؟ قال: كيف يأخذون منكم إذا دخلتهم إليهم؟ قالوا العشر. قال: فكذلك خذا منهم".

فواقع التجارة الخارجية أن لها فائدة عظمى لما ينجم عنها من ربح حقيقي عظيم، والسبب الرئيسي لقيام التجارة الدولية هو الاختلاف في نسب تكاليف السلع المختلفة بين دولة وأخرى. ومن صالح الدول أن تقوم التجارة بينها، متى اختلفت فيها التكاليف النسبية، وهذا هو أهم أسباب نشأتها.

وأما إيجاد الأسواق الخارجية فأمر مهم جداً لأنه يعني تصريف الإنتاج وهو من أهم الأمور التي تزيد ثروة البلاد، ولهذا عُنيت الدول قديماً وحديثاً بإيجاد أسواق لمنتجاتها، بل إن بعض الدول قامت عظمتها عن طريق حماية تجارتها الخارجية وإيجاد أسواق لإنتاجها.

لكن إيجاد الأسواق لتصريف الإنتاج وإن كان هدفاً من الأهداف لكنه ليس وحده الغاية، فهناك إلى جنبه أهداف أخرى مثل الحصول على العملة الصعبة اللازمة لنا لشراء ما يلزم للثورة الصناعية، والحصول على بضائع تلزم للثورة، فسياسة إيجاد الأسواق الخارجية تقوم على أساس تجاري صناعي وليس على أساس تجاري فقط، ولهذا لا يُهتم كثيراً بالميزان التجاري مع أي بلد من حيث كونه لصالحنا أم ليس لصالحنا، لأن الأساس الأول لهذه السياسة هو نشر رسالة الإسلام والهدى بين الناس.

وأخيراً لا بد من إعادة بيان الفرق العملي تفصيلياً بين عقد الاتفاقيات مع الدول على أساس منشأ البضاعة، وبين عقدها على أساس رعوية الأشخاص ورعوية الأموال.

ويبرز الفرق في أن الأولى فيها تحديد للكمية التي نستوردها والكمية التي نصدرها، وهذا يستلزم الإيجاب للتصدير والاستيراد، ولذلك فإنه إذا لم نستورد الكمية المتفق عليها يحصل نفور من تلك الدولة، وربما أدّى ذلك إلى تعكير العلاقات التجارية بينهما.

بينما الثانية فإنها تسمح للأشخاص والأموال التنقل بين البلدان بحرية وهذا يعني شرعاً حكم الإباحة، فإذا لم يحصل تصدير أو استيراد خلال هذه المدة فإنه لا يحصل شيء بين الدولتين لأن الاتفاق يقوم على الإباحة وليس على الوجوب.

وهذا الأساس الشرعي الذي تلتزم به الدولة الإسلامية في علاقاتها التجارية وهو [رعوية التاجر] يفتح الطريق أمام تجارنا في البلدان التي نجد فيها تصريف بضاعتنا، وهذا يمكننا من الحصول على العملة الصعبة، والحصول على ما يلزمنا للثورة الصناعية، ويفتح الطريق أمام تجارنا لتنشط التجارة الخارجية بشكل عام وليس فتح الطريق أمام بضاعتنا فقط؛ لأن النشاط التجاري إنما يقوم به التجار مالكو البضاعة وليس البضاعة وحدها.

فعقد الاتفاقيات التجارية في الدولة الإسلامية يجب أن يكون قائماً على أساس التجار لا على أساس منشأ البضاعة، كما يجب أن يُسمح للتجار والبضاعة بالتنقل بين البلدان بحرية، وبذلك فقط يحصل عمل عظيم من أعمال تنمية الثروة.

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.