October 05, 2010

كيفية تحقيق التطور الصناعي والتكنلوجي ج1

مما لا شك فيه أن التقدم التكنولوجي والصناعي قد صار أمرا حيويا بالنسبة لكيان أي أمة في هذا العصر ، فقوة الأمم العسكرية والاقتصادية تعتمد إلى حد كبير على تقدمها التكنولوجي ، كما أن الاستقلال السياسي للأمم رهن بمقدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا وبشكل خاص على إقامة الصناعات الحديثة .

غير أن سوء التوزيع التكنولوجي في العالم من جراء وجود فكرة الاستعمار فيه ، قد جعل التكنولوجيا تتركز في عدد قليل من الدول ، والهوة بين هذه الدول والغالبية الساحقة من الدول الأخرى كبيرة إلى درجة تبعث على القلق ، لأن الدول الصناعية تحتكر أسرارها التكنولوجية ، وكل دولة منها ولاسيما الدولتين العظمتين : أمريكا وروسيا ، تحرص على تتبع أسرار التكنولوجيا عند الأخرى بمختلف الوسائل : بالتجسس وشراء الذمم وبسرقة الخرائط والتصاميم واستيراد المنتجات الصناعية وما شاكلها .

وإذا نظرنا إلى دول العالم اليوم فإننا نرى أنها تتفاوت بين دول صناعية كالولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان ، ودول غير صناعية وهي تشمل دول ما يسمى بالعالم الثالث أو الدول النامية وهي تشكل غالبية العالم ، وهناك دول فيها قواعد صناعية أجنبية ولكنها ليست دولا صناعية بالمعنى الحقيقي وإنما هي مجرد أدوات مسخرة في الصراع بين الدول الصناعية للتنافس فيما بينها على أسواق المنتجات الصناعية . وقد وقع اختيار الشركات المتعددة الجنسية على دول كتايوان وهونغ كونغ وكوريا والبرازيل لتوفر الأيدي العاملة الرخيصة فيها فأقيمت في هذه الدول صناعات السيارات والمنسوجات وصناعة السفن ، وأخذت هذه القواعد الصناعية تقلق الأوروبيين واليابانيين حيث تغرق الأسواق بالمنتجات بأسعار يصعب منافستها . ولاشك أن هذا العمل يخدم مصلحة أميركا التي تهدف إلى إعادة تحجيم كل من اليابان وألمانيا الغربية .

والذي يدل على أن هذه القواعد الصناعية الأجنبية ليست ناتجة عن تطور حضاري في البلدان التي تؤديها ، هو أن هذه البلدان لازالت متأخرة من الناحية الحضارية ، والتقدم الصناعي لا يفضل عن التقدم الحضاري بل هو مؤشر من مؤشراته ولذا فإن الدول الصناعية حين تزوّد الدول النامية المتخلفة بالمعدات والأجهزة الصناعية لتمكينها من التصنيع ، فهي أنما تهدف أن يكون لها نفوذ في هذه الدول ، وتهدف استخدام الصناعات فيها في حرب التسلط والسيطرة والتنافس فيما بينها على غزو الأسواق العالمية ، وهي حيث تتحدث من استخدام المنتجات الصناعية الحديثة ، ولذا فإنها ليست معنية بالطبع بأن تجعل الدول المتخلفة تستوعب التكنولوجيا إلى حد يمكنها من إقامة الصناعات بحيث تؤمن احتياجاتها فتتحول من أسواق استهلاكية لهذه الدول إلى منافس جديد على أسواق الأخرى .

من ذلك يتبين زيف ما يسمى بنقل التكنولوجيا إذ أن طريق القوة هو إقامة الصناعات الثقيلة التي تمكن البلاد من تحقيق الاكتفاء الذاتي والتخلص من النفوذ الأجنبي وصرف النظر عن الاكتفاء بالصناعات الاستهلاكية أو المشاريع التي يقصد منها إبقاء البلاد زراعية وصرفها عن التصنيع الحقيقي . ولاشك أن قيام أي دولة بالتصنيع إنما هو بحد ذاته ثورة على النفوذ الأجنبي وتحد له ، وهو يخالف كل نظريات التنمية التي يعدها الغرب للدول المتخلفة والتي يسايره فيها المثقفون الذين وقعوا تحت تأثير سحره ، وهذه النظريات تقول بالتدرج وتهدف إلى إبقاء الدول المتخلفة أسواقا للدول الصناعية موردة للمواد الأولية ، لا بل أن دولة كأميركا تستخدم المؤسسات التي لها طابع دولي كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات التابعة للأمم المتحدة كاليونيسكو و اليونيسف ووكالة التنمية وغيرها كأدوات لبسط السيطرة الاستعمارية على دول العالم الثالث ، كما أنها تعمل على إهدار طاقة هذه الدول ومواردها في صناعات استهلاكية لا تحقق لها النهضة الصناعية المبتغاة ، وتعمل على إبعاد الدول المتخلفة عن الطريق الصحيح للتصنيع .

إن التصنيع الحقيقي قد صار في هذا العصر أمرا سياسيا ، لأن معناه الثورة على النفوذ الأجنبي بكافة أساليبه ووسائله ، وهذا يقتضي عدم الاعتماد مطلقا على الدول الصناعية في القيام بالتصنيع ، ويفرض توجيه الطاقات والإمكانيات والموارد في البلاد الإسلامية قاطبة نحو التصنيع وعدم العناية بالزراعة إلا بمقدار ما يحقق زيادة الإنتاج في الثروة الزراعية الموجودة بحيث تؤمن كافة احتياجات الأمة للمواد الزراعية الضرورية كالمواد الغذائية وماشاكلها من المواد التي لا غنى عنها لأية أمة من الأمم .

وبما أن البلاد الإسلامية لازالت بلادا متخلفة ، ولا زالت تقوم على الزراعة ولا تكاد توجد فيها صناعة ، ولا نعنى فيها بذلك الصناعات الاستهلاكية الخفيفة ، وإنما نعني الصناعات التي تحقق التقدم المادي ، وتحقق الاكتفاء الذاتي للبلاد الإسلامية قاطبة . لذا فإن الطريق الوحيد للانتقال بالبلاد الإسلامية من حالة الاعتماد على الزراعة إلى الاعتماد على التصنيع وجعله رأس الحربة في سياسة زيادة الثروة ، هذا الطريق هو البدء بإقامة الصناعات الثقيلة وعدم الاعتماد على الصناعات التركيبية مطلقا ، وتشمل الصناعات الثقيلة ما يلي :

  1. صناعة الحديد والصلب .
  2. صناعة المحركات وتشمل محركات الطائرات والسفن والدبابات والجرارات والسيارات والصورايخ .
  3. صناعة هياكل الطائرات والسفن والعربات .
  4. الصناعات البتر وكيماوية .
  5. الصناعات الالكترونية .
  6. الصناعات النووية بما في ذلك الأسلحة .
  7. صناعة الفضاء .

ويسار في ذلك على النحو الآتي :

  1. أخذ الإسلام أخذا فكريا عقائديا ، لأن التحرر من النفوذ الأجنبي لا يمكن أن يقام به على أساس فكري عقائدي تتبناه قيادة سياسية واعية قادرة على كسب ثقة جمهور الناس بالفكر الذي تريد حتى تستطيع أن توجه طاقتهم لتحقيق الأهداف الصعبة كالتصنيع . وهذا الفكر من البداهة أن يقال أنه ليس الفكر الذي يقوم عليه الغرب ، وبالطبع ليس هو الاشتراكية ، إذ كيف يتأتى التحرر من نفوذ الروس والأمريكان والغرب قاطبة إذا كنا نقوم على نفس الأفكار التي قاموا عليها ؟ إننا لا نريد أن نقول أن أوروبا حين حصلت فيها الثورة الصناعية ، إنما حصلت حين اعتنقت الأفكار الرأسمالية وحين وجدت فيها صناعة الآلات وبالتالي الصناعات الثقيلة . ولا نريد أن نقول أن أمريكا وقد كانت مستعمرة لعدة دول إنما تقدمت ماديا حين حصلت فهيا النهضة الفكرية واعتنقت أفكار الديمقراطية والحريات وأفكار النظام الاقتصادي الرأسمالي ، وحينئذ حصلت فيها الثورة الصناعية بصناعة الآلات . ولا نريد أن نقول أن روسيا لم تكمل ثورتها الشيوعية ضد القيصرية إلا بعد أن اعتنقت الأفكار الاشتراكية والشيوعية ، وإلا بعد أن حصلت فيها الثورة الصناعية بصناعة الآلات . لا نريد أن نقول هذا وهو أمثلة محسوسة وبراهين قاطعة ومسكتة ، وإنما نريد أن نقول أن الواقع الذي تعيشه البلاد الإسلامية يحتم عليها القيام بالثورة الصناعية في الحال ، وأن التذمر من طريقة العيش الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية قد بلغ حدا يقرب من حد الانفجار ، فهم اليوم في شعور بضرورة فصلهم عن الغرب والشرق ، وفي شعور بضرورة تغيير طريقة عيشهم لتتجه نحو الإسلام باعتباره وحده الذي يحررها من نفوذ الغرب والشرق ، ويجعل بلادها بلادا صناعية تحتل مركزا مرموقا بين غيرها من الأمم ، بل تكون في مركز الدولة الأولى في العالم .

نتابع معكم إن شاء الله في حلقة قادمة.

أبو صالح

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.