لا يفصل المسلم عمله عن الإيمان وإلّا كان فريسة سهلة لوساوس النّفس والشّيطان
June 05, 2018

لا يفصل المسلم عمله عن الإيمان وإلّا كان فريسة سهلة لوساوس النّفس والشّيطان

لا يفصل المسلم عمله عن الإيمان

وإلّا كان فريسة سهلة لوساوس النّفس والشّيطان

حين اتّخذ المسلم الإسلام عقيدة له فإنّه قد سلّم بذلك بوحدانيّة خالقه وبطاعته له في كلّ أمر مهما قلّ شأنه أو عظم. فهو بهذا التّسليم قد جعل من الحكم الشرعيّ بوصلته التي تقوده في بيداء هذا العالم ليصل إلى برّ الأمان ويفوز برضا الرّحمن. ففي كلّ عمل وفي كلّ لحظة من حياته يتمسّك المسلم بحكم الله لأنّه يعلم أنّ خالقه أعلم وأقدر على تسيير حياته التّسيير الذي فيه صلاحه وفلاحه. فَلِمَ لا يكون عبداً لربّه يرجوه ويدعوه ويتوسّل إليه ويخشاه لا يغفل عن ذلك طرفة عين؟ لماذا يترك نفسه رهينة للهوى وفريسة للشّيطان ووساوسه ويبتعد عن طريق ربّه؟

﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي ونُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ هذا درب الصّالحين المتّقين لا يحيد المرء عن تحكيم ما أنزله الله له في حياته لحظة... فيسير وقد جعل الحكم الشّرعيّ نبراسا يضيء له العتمة حتّى يرى النّور فيخرج سالما ويرضي خالقه.

إنّ عقيدة المسلم إن قويت وصحّت جعلت منه قوّة لا تُقهر... فيتغلّب على الشّدائد والصّعوبات لا يكترث لما سيبذله من أجلها: نفس، مال، بنين... الكلّ يهون من أجلها. لقد مُشِّط بعضهم بأمشاط من حديد ولم يرجعوا عن دينهم وقُتل أصحاب الأخدود ولم يفتن المؤمنين العذابُ والموتُ عن دينهم... هذا هو الموقع الذي على المسلم أن يتّخذه فلا يدري أيّ فتنة تصيبه - ونسأل الله الثّبات على دينه وطاعته -. فعلى المسلم أن يكون يقظا في كلّ حين لا يغفل عن أحكام ربّه يسير وهو يتلمّس طريق الهدى حتّى لا يقع في الضّلال والمعصية... عليه أن يطيع ربّه في كلّ أعماله وأحواله.

يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾. فعلى المسلم أن يحرص على أداء فروضه والابتعاد عن كلّ ما يغضب ربّه مهما كانت ظروفه ومهما اعترضته من صعاب وعراقيل لا يأبه لشيء فلا غاية له سوى مرضاة ربّه وفوزه بالجنّة والعتق من النّار. وكما نصحنا رسولنا وقدوتنا فعلينا أن نضع نصب أعيننا «مَوْتٌ فِي طَاعَةِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَتِهِ» فليحصّن المسلم نفسه بالطّاعات والمسارعة لنيل الخيرات وترك المحرّمات. لقد كان الصّحابة يترفّعون عن بعض ما أباح الله لهم خشية الوقوع في الشّبهات... كانوا يجعلون ذلك ستارا يحجب عنهم المحرّمات حتى يقيهم الوقوع فيها... يعلمون أنّ الحياة مليئة بالفتن والمخاطر فكانوا يخشون أن ينزلقوا فيها... هؤلاء اتّقوا ربّهم فوعدهم الله مغفرة وأجرا كبيرا. فلم لا نتّبع خطاهم لنفوز بالثّواب العظيم؟؟

يقول عزّ من قائل في حديث قدسيّ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».

فأيّ حظّ وأيّ فوز للمسلم حين يقوّي إيمانه ويتوكّل على الله ويثق به فإنّه بذلك يصير وليّا من أوليائه ولن يغلبه لا شياطين الإنس ولا الجنّ ولن تثنيه عقبات ولا صعوبات يسير ثابتا لا يتزعزع زادُه الطّاعات تغذّيه وتقوّيه.

اعتنى الإسلام بالإنسان في كلّ جانب من حياته وفي كلّ لحظة من لحظاتها فجعل له منهاجا يسير عليه ليحيا مطيعا لربّه لا يصرفه عن ذلك شيء يقوم اللّيل ويدعو في كلّ حين: في المرض وفي الصحّة... عند دخول المنزل وعند الخروج منه وحتّى حين الدّخول إلى الخلاء... يصوم ويستغفر ويكبّر... هو في رحاب ربّه في كلّ آن ومكان. ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

إذا اعتنق الإنسان الإسلام فإنّه يقرّ بأنّه دين لا تنفصل عقيدته عن نظامه فيتيقّن أنّه عليه أن يعلم الأحكام ويعمل بها فلا يفصل بينهما وإلّا صار ما يحيا به ليس الدّين الذي اعتنقه ولهلك باتّباع غير نظام ربّه وأحكامه. وهذا ما تعانيه أمّة الإسلام اليوم بعد أن قضى العدوّ على دولتها وعلى نظام حياتها وأصدر لها نظامه المنبثق عن عقيدته الرّأسماليّة العفنة والذي أذاقها وأذاق الإنسانيّة كافّة الويلات. كما وأنّ المسلم اليوم في ظلّ هذا النّظام البشريّ النّاقص الفاسد قد فصل بين علمه بأحكام دينه وبين العمل بها وصار يحيا منبتّا عن جذوره معلّقاً لا إلى هذا ولا إلى ذاك يعيش غربة في واقع لا يمكن أن يحيا فيه وقد ألغى القائمون عليه قوانين الخالق وسنّوا هم قوانينهم.

يحيا المسلم اليوم ولا يجد من يعينه على نفسه وعلى وساوس الشّيطان ويذكّره بالأحكام ويردعه ليتّبع طريق الحقّ والسّلام... أمّا إن تمكّن من تحصين نفسه والتزم بالجماعة للعمل لتغيير هذا الواقع فإنّه إن لم يكن يؤمّن نفسه بالطّاعات الأخرى والتزام ما يتعلّمه فيعمل به ويحذر قول ربّه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فإنّه لن يتغلّب على هواه في ظلّ واقع مليء بالمغريات والصّعوبات.

لقد حلّت بالأمّة الإسلاميّة وبالإنسانيّة عامّة طامّة كبرى وكارثة عظمى يوم هدُمت الخلافة وحلّ مكانها نظام الكفر: النّظام الرّأسماليّ الذي فصل الدّين عن الحياة ونشر حبّ المادّة في نفوس النّاس فصاروا لا يرقبون ربّهم في أعمالهم وحصر الدّين في صلاة أو حجّ حتّى أصبح الالتزام بأحكام الله مناسباتيّا كما يبرز ذلك في شهر رمضان الذي ما إن تهلّ ليلته السّابعة والعشرون حتّى ينقلب النّاس على أعقابهم ويعودوا يلهثون وراء ملذّات الحياة!!

هذا ما فعله المبدأ الرّأسمالي ولكنّ الإسلام غير ذلك هو دين الله الذي يجعل الإنسان مع ربّه في كلّ حين وفي كلّ ظرف لا يغيب عن ذهنه يسأله التوّفيق والرّضا ويدعوه أن يثبّته على طاعته. هذا ما يجب أن تكون عليه حياة المسلم: كلّها لله يدعو ربّه ويدعو النّاس ليوحّدوا الله لا يخشى في الله لومة لائم يقضي حياته في طاعة ربّه فيكون كيّسا كما نصحه بذلك رسوله e: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللهِ» ويكون كذلك - وبإذن الله - من المتّقين ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زينة الصّامت

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو