لم يكن الابتلاء يُعجز الأمة بل كان مصدر قوتها
لم يكن الابتلاء يُعجز الأمة بل كان مصدر قوتها

منذ أن أخرج الله سيدنا آدم وزوجه من الجنة وأنزلهما الأرض بدأت سنة الابتلاء، هذه السنة التي لا تبديل ولا تحويل لها، يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾.

0:00 0:00
السرعة:
December 18, 2023

لم يكن الابتلاء يُعجز الأمة بل كان مصدر قوتها

لم يكن الابتلاء يُعجز الأمة بل كان مصدر قوتها

منذ أن أخرج الله سيدنا آدم وزوجه من الجنة وأنزلهما الأرض بدأت سنة الابتلاء، هذه السنة التي لا تبديل ولا تحويل لها، يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾.

فهل نحن اليوم نُدرك حقا مفهوم هذه السنة؟

وإن كُنّا نفهمها لماذا يتفاجأ البعض منا من أحداث الواقع؟

وإن كان دخولنا إلى الجنة مترتبا على هذه السنة كيف سيكون موقفنا لعدم فهمها؟

إن سنة الابتلاء التي بيّنها الله في كتابه العزيز تجعلنا لا نتفاجأ من أحداث الواقع ولن ننصدم مهما كانت مؤلمة ونعجز عن تفسيرها، لأن عدم وقوع الشيء يصدم الإنسان ويجعله غير قابل لتلك المفاجئة وغير محتسب وصابر، وما تعانيه الأمة الإسلامية اليوم، إلا من رحم ربي، من صدمات وأزمات تسببت في ارتفاع نسبة الاكتئاب والانتحار، دليل على عدم فهمها لسنة الابتلاء.

يقول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.

إن تأكيد سنة الابتلاء في هذه الآيات العظام يجعلنا ندرك أن هذا الأمر لا بد منه ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ في كل شيء مهما كانت قيمته، وبهذا الاستعداد لن يفاجئنا الابتلاء ونكون حين وقوعه من الصابرين المحتسبين الذين ينالون صلوات من ربهم ورحمة، هذه الصلوات والرحمة التي تُذهب عنا الكآبة والضيق في الدنيا ونجني ثمارها في الجنة برحمة الله.

الابتلاء أول طريق الاصطفاء، ولقد اصطفى الله أنبياءه وجعلهم أكثر الناس ابتلاء. عن مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ». ما يعني أن سنن الله إذا كانت تجري على خير الخلق فكيف بغيرهم، هؤلاء الناس الذين أدركوا أن الابتلاء يقربهم من منازل الأنبياء؟!

لقد كانت الأمة الإسلامية تفقه مفهوم الابتلاء طوال مدة حكم الإسلام بإدراكها طريقة عيشها التي جعلت للحياة مفهوما خاصا؛ هو أنها ممر للآخرة، ولن ينال المسلم الجنة في الآخرة إلا بالتضحية بكل غال ونفيس في سبيل الله، فكانت أعظم أمة وأعظم دولة. ولما خرجت عن طريقة عيشها بعد سقوط دولة الخلافة انتكست وأصبحت تقدم الحياة على الآخرة وأصابها الوهن كما يقول ﷺ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» حينها تغير مفهوم الابتلاء بتغير المفهوم الحقيقي عن الحياة وعظم شأن الدنيا في أعين المسلمين وركونهم لها، والسبب في هذا هو تطبيق النظام العلماني الذي يفصل الدين عن الحياة.

وأصبحت الأمة لا ترى في الإسلام إلا الشعائر والعبادات وتحولت حياتها إلى ضنك، فتمكن منها الكافر المستعمر ينهش لحمها ويكسر عظامها وجعلها مزقاً بعدما كانت أمة واحدة: أصبحت تُفرّقها الحدود التي رسمها الكافر المستعمر وجعل على كل جزء ناطورا يحرس مصالحه ويمنع توحيد الأمة حتى في أحلك حالاتها كما يجري في غزة الآن.

إنّ المُصاب جلل والألم عظيم مما يجري في غزة، ولكن هذا الابتلاء حرك في الأمة معاني كثيرة فبدأت تتلمس مسارها الطبيعي الذي يُصحّح لها مفاهيم الإسلام لأن أهل غزة ضربوا أعظم الأمثلة في التضحية بكل شيء في سبيل الإسلام والأرض المباركة. فها هو مفهوم الجهاد في سبيل الله يتحرك في الأمة بقوة ما يجعلها تعود سيرتها الأولى التي خلدها التاريخ ببطولات الرجال الذين لا يهابون الموت فتفانوا في حمل رسالة الإسلام إلى العالم.

نعم هكذا كانت الأمة الإسلامية عندما آمنت بأن الابتلاء هو المحنة التي تأتي قبل المنحة، وكان دائما النصر مقرونا بالابتلاء، والرّضا بالقضاء طبيعي في حياتها... وما نراه اليوم في غزة ليس بغريب، بل هو الأصل والحال الطبيعي لأمّة الإسلام عندما كانت تؤمن أن الدنيا ليست إلا ممرا للآخرة.

إن ما تعيشه غزة من آلام وأوجاع ليست حكرا عليها فقط بل هي محنة عمّت أمة الإسلام قاطبة، وهذا ما شهدناه، ولكن التضحيات وشدة البلاء تحمّلها أهل غزة هاشم الأبطال الأشاوس، وهذا ما يجب أن يعُم أمة الإسلام أيضا ألا وهو التضحيات الجسام حتى نخرج من المحنة إلى المنحة، وهذا لا بد فيه من فهم دقيق لمعنى الابتلاء وواقعه في تصور الحياة.. وأكثر فئة عليها أن تتصور هذا المعنى هي جيوش المسلمين ليهبوا هبة واحدة للزحف نحو فلسطين وتحرير مسرى رسول الله ﷺ ونصرة غزة وإقامة الخلافة...


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعاد خشارم

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو