ما بين الشعوب الغربية والإسلامية بُعد مجرّة رغم بطش الحكام وظلمهم
March 08, 2024

ما بين الشعوب الغربية والإسلامية بُعد مجرّة رغم بطش الحكام وظلمهم

ما بين الشعوب الغربية والإسلامية بُعد مجرّة رغم بطش الحكام وظلمهم

الغربيون غريبو المنطق والطباع؛ فلقد حولتهم الحضارة الرأسمالية إلى مخلوقات غريبة وعجيبة لا يمكن فهمها أو تحديد قبلتها أو منطقها. كل شيء معكوس ومقلوب أو مشوه أو منحرف؛ من التفكير وعقل الأمور حتى الذوق والميول والعواطف والأحاسيس، كل شيء غريب وعجيب أو منحرف أو شبه منحرف، وهذا مع الأدلة والبراهين، فهم يخالفون أبسط أنواع المنطق وتجدهم ينشدون إلى أتفه الأمور والمواضيع ضاربين عرض الحائط بأهم وأسمى المواضيع في الحياة. ولذلك من يعيش في بلاد الغرب يرى العجب العجاب! والحديث هنا عن الشعوب وليس الأنظمة والسياسيين، فالسياسيون الغربيون والمشرعون هم سبب البلاء وأساس الداء وسبب الضلال والانحراف الذي أصاب الشعوب، لذا فإنهم ليسوا مجال البحث هنا، بل المقصود هنا الشعوب الغربية وتفكيرها وميولها.

وبالمثال يتضح البيان:

تجدهم يتعاطفون مع كلب أو قط ويتهافتون للمساعدة والإغاثة في أبسط الأمور التي تتعلق بالحيوان لكنك تجدهم لا يأبهون برجل متسول أو امرأة تفترش الرصيف وتلتحف السماء، وهذا أمر ملاحظ وليس محل جدال، وإذا ما انتقدتهم قالوا لك إن الحيوان مخلوق وفيّ. انظر لهذه المسبّة والإهانة التي يهينون بها أنفسهم!

وتجدهم لا يهتمون لمعرفة من أبوه أو أمه ممن أنجبت ابنته أو أخته أو عمته، ولكن تجدهم مهتمين جدا بتحديد القبلة السياحية كل سنة ومدتها والنشاطات والترفيه الذي يتخللها.

وتجدهم يهتمون بأدق التفاصيل التي تتعلق بالتسوق مثلا لدرجة الملل من كثرة التخطيط والتنسيق، ولكنك تجدهم سطحيّي التفكير في الأمور المتعلقة بالحياة بعد الموت أو بأصل الخلق أو بالهدف من هذه الحياة.

وتجدهم يقيمون الدنيا ويقعدونها على لعبة كرة قدم ولكنهم لا يتأثرون إذا علموا أن ابنهم شاذ مثلا.

ذلك غيض من فيض ونقطة من بحر للتدليل على مدى انحراف وفساد التفكير والقيم لدى الشعوب الغربية رغم التطور المدني الملحوظ. قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾.

ولقد كان للحريات التي شرعها المبدأ الرأسمالي الجزء الأكبر في ذلك الانحراف الفكري والعاطفي لدى الشعوب الأوروبية. فهم لا يخضعون أهم الأمور للمساءلة ولا للبحث العقلي ولا للانتقاد، وكل ذلك بدافع الحرية الشخصية وحرية الرأي وحرية العقيدة وحرية التملك. فيكفي أن يقول الغربي أنا فعلت ذلك لأنني أردت ذلك، وأنني هو وهذا اختياري، يكفي ذلك لينتهي أي موضوع أو أي نقاش في مسألة مهمة، فهم أحرار فيما يفعلون ويريدون ولو كان ذلك يخالف العقل والفطرة وأبسط القواعد المتعارف عليها! يقول عقلي هو ربي وأنا حر وليس لأحد سلطة علي وعلى تصرفاتي وأهوائي. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾.

فالمرأة الغربية حرة في أن تعاشر من تشاء وممن تنجب، وحرة فيما تفعل ومتى تخرج ومتى تعود للبيت ومتى تنظف بيتها أو تتركه لأشهر دون تنظيف، وحرة في أن تتواصل مع أهلها أو لا، وحرة في أن تتزوج أو تصاحب أو تفعل ما تريد، فلا مساءلة ولا منطق في التعامل مع الأمور والأشياء ولا حق لأحد سواء أكان أباً أو أماً أو أخاً في انتقادها أو مساءلتها، ولذا نجد المنطق غائباً تماما إلا عن موضوع تقبل الشخص الذي أمامك كما هو ودون حتى أي محاولة لتغييره. فيقولون لك عليك تقبل الشخص كما هو وحسب حتى لو تزوج من حيوان أو غير جنسه أو باع شرفه. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.

حتى الأطفال لا يستطيع آباؤهم فرض أي إرادة أو رأي وعقاب أو توجيه أو تأنيب على تصرف ما، حتى صار الأطفال والمدارس تفتقر إلى أبسط أنواع المنطق والتواصل بين الطلاب والأساتذة، لأن الطالب والطفل حر أيضا في حياته واختباراته وتصرفاته... ويكفي أن يشتكي الطفل على أمه أو أبيه لتقوم دائرة الخدمة الاجتماعية بسحبه من عائلته بحجة الحماية، وتعرضه للعنف والتوبيخ، لذا فالآباء حريصون على إعطاء الطفل كامل حريته وإلا وقعوا في مشاكل لا حصر لها مع السلطات، وكذلك الأساتذة في المدارس، لذلك فإن النظام التعليمي منهار في معظم الدول الغربية، وهذا بشهادة العديد من وزراء التعليم في الدول الغربية أمثال السويد والدنمارك وبريطانيا والعديد من الدول الأخرى.

ورغم كل هذه التناقضات تجد الغربيين يعتبرون أنفسهم أسمى أنواع البشر وألمعهم وأذكاهم، وأنهم مثال يجب على باقي الشعوب أن تتبعهم وأن تسير على خطاهم، فهم ببساطة مثال على الرقي والتقدم والتحضر والتمدن! بل راح بعض سادتهم يعتبرون أمريكا مثلا الأمة الضرورة كما قالت مادلين أولبرايت وزيرة خارجية أمريكا السابقة. قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾.

إن الغربيين يعيشون في حالة من الكذب والإنكار مغطاة بمنظومة فكرية مضللة تجعل الشعوب العربية لا ترى الأمور على حقيقتها والحقائق كما هي، ولذلك فإنهم عند كل أزمة تصيبهم؛ اقتصادية كانت أم فكرية تجدهم يهتزون حتى النخاع ويعودون للمربع الأول للتفكير، هل نحن على ضلال؟ هل خدعنا أنفسنا وشعوب العالم؟ من يحكمنا؟ من يقف وراء سياسيينا؟ من الحاكم الحقيقي في بلداننا؟ من يوجه الإعلام؟ وغيرها من الأسئلة والتساؤلات التي تبين مدى عمق الأزمة الفكرية والحضارية والسياسية التي يعيشونها منذ قرون. قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾.

والمشكلة الكبرى هي أنهم لا يجدون بديلا عن هذه الحضارة ولا عن هذه القيادة الفكرية الرأسمالية، فتجدهم يخرجون من دوامة ليجدوا أنفسهم في دوامة جديدة، ورغم تجلي بعض الحقائق المهمة عندهم عقب كل أزمة إلا أنهم سرعان ما ينغمسون من جديد بين براثن الحياة الغربية التي لا تترك لهم مجالا ولا متنفسا ليقوموا بتغيير حقيقي يتناسب مع تلك الحقائق التي باتت ماثلة لهم رأي العين، فلا شك أن التغيير مكلف ومتعب ولا يقوى المرء عندهم بين كل أمواج الضلال والكذب والتلفيق الإعلامي والسياسي والتشريعي أن يرى سبيلا للخلاص والنجاة. قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.

ورغم ذلك وبفضل الله تجد عدداً ليس بقليل يتغلب على نفسه ويتبرأ مما عليه القوم، فيدخل في دين الله أعداد كثيرة من الأفراد ممن يعتنقون دين الإسلام قناعة وتبصرا بما مر بهم من أزمات وبعد تكشف الضلال والخداع والكذب والتلفيق لهم، فقد أبصروا طريق الحق والهداية وتحملوا مشاق التغيير ولو على المستوى الفردي ونجوا من تكرار الوقوع في الأخطاء والضلالات والأكاذيب نفسها. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.

ولو كان هناك نموذج حقيقي أو حتى شبه حقيقي لدولة إسلامية لكان الدخول في دين الله أفواجا، فالناس بحاجة لمن يحتويهم ويعينهم ويهديهم إلى سواء السبيل ولكن وللأسف ما زال نظام الإسلام غير موجود في الحياة وما زالت الدول والأنظمة التي تتذرع بالإسلام تخدع الناس وتشوه دين الله في أعينهم. ولعل ذلك هو من الأمور التي قصر فيها المسلمون اليوم فضلّت شعوب الأرض وما لها من هاد غير الله. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾.

وقد يقوم البعض بمقارنة الشعوب في العالم الغربي بشعوبنا الإسلامية فيخلص إلى نتيجة أن الشعوب الغربية تبقى أكثر تنظيما وأقل فسادا وأكثر تعليما وتطورا من شعوبنا، فلم ننتقد الشعوب الغربية وننسى شعوبنا؟!

وللإجابة على هذا التساؤل نقول: إن الشعوب الإسلامية هي شعوب معظمها مستعمَر من الغرب الكافر، فبعد أن قام الإنجليز والفرنسيون بهدم دولة الخلافة العثمانية، قاموا بتمزيقها لأكثر من 55 كيانا ودويلة وعينوا أو يسروا إيجاد طغمة حاكمة ووسط سياسي يتبع لهم، ويستمرون حتى اليوم بتمزيق الشعوب وتفرقتها وبث الفساد والإفساد فيها. لذا كانت شعوبنا مستعمرة وليست حرة، أما الشعوب الغربية فهي شعوب مستقلة وذات إرادة وليست مستعمرة من أحد، وهي تفتخر بأنها حرة وغير مستعمرة، ولذا كانت مقارنة الشعوب الغربية الحرة مع الشعوب الإسلامية المستعمَرة مقارنة ليست صحيحة بل جائرة، فالمقارنة يجب أن تكون مع الوضع الأمثل وليس مع الوضع الأسوأ! ثم إن الشعوب الإسلامية في حالة ثوران وتغيير وتحاول التخلص من حكامها الفاسدين الظالمين الفاسقين الخونة الذين هم أيدي وأرجل المستعمرين الغربيين. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾.

ورغم تأثير الحكام السلبي على الشعوب الإسلامية إلا أنها في الغالب منضبطة ونقية ومحبة للخير والأخلاق والهداية والعفاف وإن كانت تفتقر للناحية المدنية في الحياة والتطور المادي. لذا كان الفرق كبيرا والمقارنة جائرة، وما بين الشعوب الغربية والشعوب الإسلامية بُعد مجرّة من حيث التربية والتعليم والانضباط والهداية والعفاف وغيرها من الأمور التي تؤمن بها شعوبنا والتي تنبثق عن ديننا الحنيف. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِباً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِياً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

نسأل الله أن يعجل بقيام الخلافة لتعدل مسيرة شعوبنا وتطور حياتهم المدنية وتقويهم وتوحدهم وتحرر بلادهم وتنشر دين الخير وأخلاق الإسلام إلى الضالين من الشعوب الكافرة لعل الله يهديهم بنا ويدخلهم في دينه أفواجا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

قال تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. فرج ممدوح

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو