ما بين التنزه من البول وقضية فلسطين
ما بين التنزه من البول وقضية فلسطين

يذبح أهل غزة من الوريد إلى الوريد، يقتل أطفالهم وشيوخهم، ولا تستحيى نساؤهم، تهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وتنتهك أعراض المسلمين في السودان ويدفنون وهم أحياء، ويهجر أهل لبنان من ديارهم وأموالهم، تعربد طائرات الكفار في سماء اليمن، وتقصف وتقتل في الشام والعراق دون حسيب أو رقيب، وحكام بلاد المسلمين لاهون، يجتمعون في قمم طارئة تحت مسميات شتى؛ فمن قمة عربية إلى عربية (إسلامية)، ثم يخرجون ببيانات ختامية لا تختلف إلا في التاريخ واليوم ليقولوا ندين ونشجب ونستنكر،

0:00 0:00
السرعة:
November 21, 2024

ما بين التنزه من البول وقضية فلسطين

ما بين التنزه من البول وقضية فلسطين

يذبح أهل غزة من الوريد إلى الوريد، يقتل أطفالهم وشيوخهم، ولا تستحيى نساؤهم، تهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وتنتهك أعراض المسلمين في السودان ويدفنون وهم أحياء، ويهجر أهل لبنان من ديارهم وأموالهم، تعربد طائرات الكفار في سماء اليمن، وتقصف وتقتل في الشام والعراق دون حسيب أو رقيب، وحكام بلاد المسلمين لاهون، يجتمعون في قمم طارئة تحت مسميات شتى؛ فمن قمة عربية إلى عربية (إسلامية)، ثم يخرجون ببيانات ختامية لا تختلف إلا في التاريخ واليوم ليقولوا ندين ونشجب ونستنكر، في لازمة موسيقية واحدة! فلا تكاد تسمع منهم نشازا أو خروجا عن اللحن، ولا عجب؛ فمعلمهم واحد وما يتم تحميله على أدمغتهم يوزع على الجميع بعدل واستقامة، وكلهم يخشى أن تصيبه دائرة، يسارعون في الديمقراطيين، حتى إذا وصل الجمهوريون سارعوا في تهنئتهم بالفوز، وحالهم (وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت)، ويقف إلى جانبهم أنصاف بل أرباع طلاب العلم، فيزعم أن الله سيسأل العبد في قبره لِم لَم يتنزه من بوله ولن يسأله عن فلسطين وغزة، ولو سمح له الوقت لقدّم دخول الحمام على الأندلس!

أي دين وأي قياس هذا الذي يزعمه هؤلاء وأي طاعة لأولياء الأمور أوصلتهم إلى هذه المواصل؟! نتفهم أن الحكام لا همّ لهم إلا خدمة سادتهم من الكفار الصليبيين ويهود، لكننا لم نكن نظن أن نشهد ذلك اليوم الذي تقاس فيه قضية فلسطين بالتنزه من البول! لم نكن نظن أن انتكاسة العلماء ولحاقهم بأولياء الأمور خاصتهم ستصل إلى هذا الحد، فما علاقة الاستنزاه من البول بقضية فلسطين وغزة؟! إلا أن يكون ولي أمرهم قد أمرهم بالتقليل من شأن الجهاد وغزة، فلم يجدوا إلا هذا القياس الشنيع، وإلا فإنهم كان بإمكانهم أن يأتوا بمثال آخر ولكنها طاعة (ولي الأمر)!

إن الجهاد الذي عطله حكام الضرار أولياء أمور السفهاء أمثال هذا الرجل، هو حكم شرعي وليس أي حكم، فهو ذروة سنام الإسلام، وما ذلت الأمة الإسلامية إلا بعد أن تركته، ولو عقل هذا وأمثاله لنقل أو لجرؤ أن ينقل أقوال العلماء في حرمة ترك الجهاد أكثر من سنة إن كان الجهاد في طلب العدو، وإن كان الجهاد لصد الأعداء ودفعهم عن بلاد المسلمين وصيانة الأعراض والأموال تعيّن، حتى يندحر العدو عن بلاد الإسلام، ولم ينتطح في هذا الأمر عنزان، بل إن أهل العلم الأتقياء الأنقياء لم يختلفوا في ذلك، ولا يجادل في الأمر إلا من ضرب الله على عقله وقلبه.

كان الأحرى بهذا وأمثاله لو كانوا يعقلون أن يبينوا أن الجهاد لا يبطله جور جائر ولا يعطله عدل عادل، فهو ماض إلى قيام الساعة، وأن بلاد المسلمين قبل أن يحكمها المطايا أولياء الأمور خاصتكم، كانت بلادا عزيزة وكان الجهاد جزءا من عملها وكان علماؤها ابن قدامة وابن تيمية والنووي والعز بن عبد السلام، ولما آلت الأمور إلى أولياء أموركم من السفهاء، خرج علينا هذا وأضرابه من علماء السوء، ليفاضلوا بين البول وقضية فلسطين!

إن الأحكام الشرعية لا يعارض بعضها بعضا، وإن الشارع سبحانه وتعالى لم يكلف الناس إلا ما يطيقون؛ فالاستنزاه عن البول واجب وهو حكم من أحكام الطهارة بل إن باب الطهارة من أوسع أبواب الفقه، ولكن في مقابل ذلك فإن الاهتمام بأمر المسلمين ومعرفة قضاياهم واجب كذلك وبالذات إذا وصلت الأمة إلى ما وصلت له من الذل والهوان الذي وصلته، فدماؤها مستباحة وأرضها وسماؤها تحت سيطرة الكافر، وليست غزة إلا باكورة عمل الكفار بعد أن وصلت الأمة إلى هوان لم تصله من قبل، فمنذ زوال الخلافة تفرقت الأمة شذر مذر، ولم يعد لها وفيها رجال يحكمونها بل حفنة من العملاء والمطايا لا همّ لهم إلا خدمة سادتهم وكبرائهم، وهؤلاء بدورهم استوظفوا بعض أهل العلم من أمثال هذا ليؤصل في طاعة ولي الأمر خاصته فيجعل طاعته فوق كل طاعة، وقد قال بعض أهل العلم قديما "من تحدث بقوم في حرمة الربا وقد فشا فيهم الزنا كان خائنا لله ولرسوله وللمؤمنين"...

ونختم فنقول لهذا وأمثاله: إن هذا العلم أمانة وإن صاحبه مسئول عنه يوم القيامة، هل أديت حق الله فيه؟ ونذكره بحديث النبي عليه الصلاة والسلام في أول من تسعّر به جهنم ومنهم من تعلم العلم حتى يقال عالم وقد قيل، ونذكره بأن الدنيا لا تغني عن الآخرة وبأن أولياء أموره في الدنيا سيتبرؤون منه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ وليعدّ كل منا حساباته أمام ربه فإن الموقف عظيم.

وإن أهل غزة لا يضرهم من خذلهم وهم يقومون بفرض عظيم. نسأل الله تعالى لهم وللأمة النصر والتمكين وأن يختم لهم انتصاراتهم بخلافة راشدة على منهاج النبوة يعز بها أهل الإسلام ويذل بها أهل الشرك والكفر.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذ محمد تقي

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو