June 03, 2011

ما هكذا تورد الإبل يا عوا

يمكن للمتابع أن يدرك مدى تخوف القوى الغربية من عودة دولة الخلافة الإسلامية من جديد إلى الساحة الدولية، فعودة الخلافة تعني نهاية حقبةٍ رتع فيها المبدأ الرأسمالي وعاث في العالم فساداً وإفساداً وأهلك الحرث والنسل، فهي تعني سحب البساط من تحت أرجله، وهي تعني كذلك تخلص البلاد العربية والإسلامية من هيمنة الغرب الاستعمارية وانعتاقها من العبودية له، وبالتالي زوال خيرات المسلمين "الكنز الهائل" من بين يديه، وفقدانه لأهم أسباب الحياة لديه، النفط والغاز والأموال المنهوبة وهيمنته على المضائق البحرية، بل وخضوعه لشروط وإملاءات المسلمين حال استردادهم لقرارهم، وما سيمثله قيام الدولة الإسلامية من خسارة الغرب للحرب الحضارية مع الإسلام.

لتلك الأسباب وغيرها الكثير، يمكن للمتابع أن يدرك سبب تخوف الغرب بل الرعب الذي دب فيه وفزعه جراء مشاهدته للثورات التي تعم البلاد العربية وخشيته من أن تؤدي هذه الثورات إلى التغيير الحقيقي عبر قيام دولة إسلامية، وهو ما دفع قادته إلى إبداء ذلك علناً في مواكبتهم لكل من ثورة تونس وثورة مصر وليبيا واليمن وسوريا، وهو الذي دعا العديد من السياسيين الذين لا يرون العالم إلا من منظار الغرب ولا يتصورون العمل السياسي بمعزل عن تابعيتهم للقوى الاستعمارية، كعمرو موسى وغيره، دعاهم ذلك إلى الهرولة لطمأنة الغرب وكيان يهود بأن هذه الثورات لن تسفر عن إقامة الخلافة أو دولة إسلامية أو كما يسمونها أحيانا تضليلاً دولة دينية.

إلى هنا لا زال المشهد ضمن المتوقع، وفي إطار ردود الفعل غير المستغربة، لكن أن يخرج من بين ظهراني العلماء، وممن برع في سرد السيرة النبوية وحياة الرسول التشريعية، من يعلن بكل وضوح وقوفه في وجه عودة الخلافة الإسلامية ورفضه لذلك بكل شدة، فهذا ما لم يكن متوقعاً ولا مقبولاً.

فقد قال الدكتور محمد سليم العوا، خلال الندوة التي عقدتها كلية الآداب بجامعة طنطا، بتاريخ 31-5-2011م، تحت عنوان «مصر إلى أين؟»، "أن فكرة الخلافة الإسلامية غير مطروحة على الإطلاق في هذا الوقت، وأنه لن يقبل بعودة نظام الخلافة الذى ارتبط في فترة حكم النبي وخلفائه الراشدين".

وتابع العوا مبرراً موقفه هذا "بأن خليفة المسلمين يناط به إمامة المسلمين في الصلاة، وتسيير الجيوش، وتقسيم الغنائم وتعيين القضاة، وغيرها واتخاذ القرارات دون غيره وهو ما لم نقبله في مصر بعد ثورة 25 يناير، لأن التفرد بالحكم أورثنا الذل والمهانة وصنع الفراعين واللصوص".

إن موقف العوا هذا، وهو الأمين العام السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لم ينبع عن جهل بطبيعة نظام الحكم في الإسلام ولا عن عدم معرفته بالأحكام الشرعية ذات الشأن حتى نلتمس له الاعذار، بل هو يأتي في سياق آخر.

فقد لوحظ في الآونة الأخيرة أن فكرة تطبيق الإسلام في الحياة والمجتمع، والتي قامت على أساسها الدولة الإسلامية صاحبة الريادة للبشرية في كل مجالات الحياة طوال قرون، باتت تشغل "الإسلاميين المعتدلين" في خضم هذه الثورات، ويا ليتهم شغلوا بها لأجل إيجادها في أرض الواقع بل شغلوا لأجل استبعادها، مما يلقي بظلال من الشك والريبة حول هذا المسعى المحموم!!.

إن حوادث إساءة تطبيق الإسلام في التاريخ ليست هي وجه الدولة الإسلامية التي امتدت اربعة عشر قرناً كما يتوهم العوا، فالدولة الإسلامية كانت طوال تلك القرون منارة للعلماء والتقدم ويشهد لها بذلك الأعداء والأصدقاء وليس المقام هنا مقام سرد لتلك الشهادات وإقامة الحجج والبراهين على حقيقة ساطعة.

كما أن الدكتور العوا يبدو أنه يُغفل، فهو بذلك عالم، أن الإسلام لم يترك شاردة ولا واردة إلا نظمها وفق تشريع رباني، وأن ما يمكن أن ينتج عنه من أخطاء في تطبيق نظام الحكم في الإسلام سن له التشريع أحكاماً ومعالجات إذ الدولة في الإسلام دولة بشرية لا إلهية، فكانت محكمة المظالم وكانت الأمة قوّامة على تطبيق الحاكم للإسلام تحاسبه وتقوم اعوجاجه ولو بحد سيوفها، في الوقت الذي تترك الديمقراطية الحابل على الغارب للحاكم ليبطش وينهب الخيرات لصالح فئة قليلة من الرأسمالين تحت ستار حكم الشعب والشعب منهم براء.

فهل كانت حقبة مبارك حقبة "الفراعين" التي تتوجس منها يا دكتور عوا نتيجة تطبيق الإسلام أم كانت من مخلفات الديمقراطية الرأسمالية التي انجبت الدكتاتوريات؟!!

ومن ثم يرى المتتبع لتصريحاتك، لا سيما في الآونة الأخيرة وموضوع إلى أين تتجه مصر، أنك تتعامل مع الواقع بتجرد عن الأحكام الشرعية، وربما لجأت بعد ذلك إلى تبرير أقوالك وأفعالك بمبررات واقعية أو أخرى تنسبها للمصالح وغيرها، فهلاّ التزمت -وأنت بذلك جدير- بجادة الحق والتزمت الاحكام الشرعية التي توجب على المسلمين أن يسيّروا كل شؤونهم بما ورد في الكتاب والسنة (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا).

ومن ثم من ذا الذي يدّعي أن الخلافة كانت شكلاً ونظاماً للحكم خاصاً بعهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته؟ أليس فعل الرسول عليه السلام هو تشريع لنا؟ أليس فعل الرسول محل قدوة وأسوة لنا؟ هل غفلت عن ذلك وأنت الحاذق في سرد سيرته عليه السلام؟ وهل تراك تسرد سيرته صلى الله عليه وسلم للعظة دون الأسوة والإتباع؟! وهل كانت سيرة الرسول وأفعاله لتنتهي بموته عليه السلام؟ ولك أن تسأل نفسك ما سبب اتباع الصحابة واقتفائهم لسيرته واستمرار نظام الحكم على ما أنشأه المصطفى صلى الله عليه وسلم.

إن التذرع بتجدد الوقائع وتغيّر الظروف لا تقوم به حجة، فأحكام الإسلام تشريع ممن بيده الخلق والأمر القادر على تشريع الأحكام الصالحة للعباد في كل زمان ومكان، ولولا هذه العقيدة الراسخة في عقول وقلوب المسلمين لضاع الدين في ثنايا التاريخ ولذهب مع الرياح.

إن محاولة المسايرة للواقع لا تعني سوى اعتماده كمصدر للتشريع وتسيير الأعمال، وترك الاحكام الشرعية جانباً، وهو غير مقبول من عامة المسلمين فكيف من علمائهم؟!

إن تطلعك -ولو أنك متردد ولم تحسم أمرك بعد- لترشحك لرئاسة الجمهورية المصرية يعكس مدى رؤيتك للواقع الحالي وأنك راضٍ عنه ولا تصبو لسواه، فهل طبق الإسلام في مصر يا دكتور سليم حتى تفكر شخصية معروفة مثلك أن تتسنم هرمها؟! بل هل انعتق حكام مصر الجدد القدامى من التبعية لأمريكا؟! وإلى أين ستمضي بمصر إن أنت استلمت الأمر والنهي فيها وبماذا ستحكم؟!

إن دور العلماء في هذه الثورات عظيم، إن هم صدعوا بالحق ولم يخشوا في الله لومة لائم، ووجهوا الأمة لضرورة العمل لإحداث التغيير الحقيقي ولن يكون ذلك إلا بإقامة الخلافة يا دكتور عوا، بينما هم في خطر عظيم إن هم كانوا جزءاً من حرف الثورات عن مسارها وجزءاً من الواقع الجديد المخادع الذي تُرسم ملامحه في واشنطن ولندن وباريس.

إن الخلافة التي تعارضها يا دكتور عوا هي الشمس التي ستشرق عمّا قريب بإذن الله، لتنير العالم بعد أن غرق في ظلمات الرأسمالية، وتحمل الخير والهدى للعالمين، فهل تجاهر يا عوا بمعارضة مستقبل هذه الأمة ووعد الله بالنصر والتمكين وبشرى رسوله (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، فهلاّ كنت من العاملين لها ومن روادها خير لك في الدنيا والآخرة بدل أن تكون حرباً عليها إن كنت من العاقلين المتعظين. فسخّر علمك فيما يرضي الله عنك وإلا فقل خيراً أو اصمت، فما هكذا تورد الإبل يا عوا.

علاء أبو صالح- عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين

2-6-2011م

المزيد من القسم خبار

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب  تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

بيان صحفي

تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" هي إعلان حرب

تلغى معها المعاهدات وتسير بسببها الجيوش وما دون ذلك خيانة

ها هو مجرم الحرب نتنياهو يعلنها بصراحة وبدون تأويل يخدم المتخاذلين حكام العرب وأبواقهم بقوله في مقابلة مع قناة i24 العبرية: "أنا في مهمة أجيال وبتفويض تاريخي وروحاني، أنا مؤمن بشدة برؤية إسرائيل الكبرى، أي تلك التي تضم فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن ومصر"، وكان قد سبقه المجرم سموتريتش بالتصريحات نفسها وضم أجزاء من الدول العربية المحيطة بفلسطين ومنها الأردن، وفي السياق نفسه أعطاه عدو الإسلام والمسلمين الأول رئيس أمريكا ترامب، الضوء الأخضر للتوسع بقوله إن "إسرائيل هي تلك البقعة الصغيرة مقارنة مع تلك الكتل الأرضية الضخمة، وتساءلت إذا كان يمكنها الحصول على مزيد من الأراضي لأنها فعلاً صغيرة جداً".

يأتي هذا التصريح بعد إعلان كيان يهود عن نيته احتلال قطاع غزة بعد إعلان الكنيست ضم الضفة الغربية والتوسع في بناء المستوطنات قاضياً بذلك على حل الدولتين على أرض الواقع، ومثله تصريح سموتريتش اليوم عن خطة الاستيطان الضخمة في منطقة "E1" وتصريحاته حول منع إقامة الدولة الفلسطينية، والتي تقضي على أي آمال بدولة فلسطينية.

فهذه التصريحات هي بمثابة إعلان حرب، لم يكن ليتجرأ عليها هذا الكيان المسخ لو وَجَد زعماؤه من يؤدبهم ويقضي على غطرستهم ويضع حداً لجرائمهم المستمرة منذ إقامة كيانهم وتوسعه بمساعدة الغرب المستعمر، وخيانة حكام المسلمين.

لم تعد هناك حاجة لبيانات توضح ما أصبحت رؤيته السياسية أوضح من الشمس في رابعة النهار، وما يجري على أرض الواقع ببث مباشر من اعتداءات كيان يهود في فلسطين والتهديد باحتلال أجزاء من بلاد المسلمين في محيط فلسطين ومنها الأردن ومصر وسوريا وتصريحات زعمائه المجرمين، هو تهديد جدي لا يجوز أن يؤخذ على أنه ادعاءات عبثية يتبناها المتطرفون في حكومته وتعكس وضعها المأزوم، كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأردنية، والذي اكتفى كالعادة بإدانة هذه التصريحات، كما فعلت بعض الدول العربية مثل قطر ومصر والسعودية.

إن تهديدات كيان يهود، بل إن حرب الإبادة التي يرتكبها في غزة وضم الضفة الغربية ونواياه بالتوسع، موجهة للحكام في الأردن ومصر والسعودية وسوريا ولبنان، كما هي موجهة لشعوب هذه البلاد؛ فأما الحكام فقد عرفت الأمة أقصى ردودهم وهي الإدانة والاستنكار ومناشدة النظام الدولي، والتماهي مع الصفقات الأمريكية للمنطقة رغم مشاركة أمريكا وأوروبا كيانَ يهود في حربه على أهل فلسطين، ولا يملكون إلا طاعتهم، وهم أعجز من أن يدخلوا شربة ماء لطفل في غزة، دون إذن يهود.

أما الشعوب فهي تستشعر الخطر وتهديدات يهود على أنها حقيقية وليست أوهاماً عبثية كما تدعي الخارجية الأردنية والعربية، للتنصل من الرد الحقيقي والعملي عليها، وهي ترى حقيقة وحشية هذا الكيان في غزة، فلا يجوز لهذه الشعوب وخصوصاً أهل القوة والمنعة فيها وتحديداً الجيوش ألا تكون لها كلمة في الرد على تهديدات كيان يهود، فالأصل في الجيوش كما يدعي رؤساء أركانها أنها لحماية سيادة بلادهم، خاصةً حينما يرون حكامهم يتواطؤون مع أعدائهم الذين يهددون بلادهم بالاحتلال، بل كان يجب عليهم أن ينصروا إخوانهم في غزة منذ 22 شهراً، فالمسلمون أمة واحدة من دون الناس لا تفرقهم حدود ولا تعدد حكام.

إن الخطابات الشعبية للحراكات والعشائر في الرد على تهديدات كيان يهود، تبقى ما بقي صدى خطاباتها ثم سرعان ما تزول وخصوصاً عندما تتماهى مع ردود الإدانة الجوفاء للخارجية ودعم النظام إذا لم يؤخذ على يديه في إجراء عملي لا ينتظر العدو في عقر داره بل يتحرك هو للقضاء عليه وعلى من يحول بينه وبينهم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ولا أقل ممن يدعي أنه بالمرصاد لكيان يهود وتهديداته من الأخذ على يدي النظام بإلغاء معاهدة وادي عربة الخيانية، وقطع كل العلاقات والاتفاقيات معه، وإلا فدون ذلك خيانة لله وللرسول وللمسلمين، ومع ذلك يبقى حل قضايا المسلمين هو بإقامة دولتهم الإسلامية على منهاج النبوة، ليس من أجل استئناف الحياة الإسلامية وحسب بل للقضاء على المستعمرين ومن والاهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية الأردن

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

الرادار شعار

2025-08-14

الرادار: من يتظلم سلمياً يعاقب ومن يحمل السلاح ويقتل وينتهك الحرمات تقسم له السلطة والثروة !

بقلم الأستاذة/غادة عبدالجبار (أم أواب)

نفذ طلاب مدارس الأساس في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجية سلمية تنديداً بانقطاع التيار الكهربائي لشهور عدة، في صيف قائظ، وترتب على ذلك استدعاء جهاز المخابرات العامة في كريمة بمحلية مروي شمالي السودان، الاثنين، معلمات بعد مشاركتهن في الوقفة احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي لقرابة 5 أشهر عن المنطقة. وقالت مديرة مدرسة عبيد الله حماد، عائشة عوض لسودان تربيون، إن “جهاز المخابرات العامة استدعاها و6 معلمات أخريات”، وأفادت بأن إدارة التعليم بوحدة كريمة أصدرت قراراً بنقلها، ووكيلة المدرسة، مشاعر محمد علي، إلى مدارس أخرى تبعد مسافات بعيدة عن الوحدة، بسبب المشاركة في هذه الوقفة السلمية، وأوضحت أن المدرسة التي نُقلت إليها هي ووكيلة المدرسة يحتاج وصولها إلى 5 آلاف يومياً للترحيل، بينما يبلغ راتبها الشهري 140 ألفاً. (سودان تربيون، 11/08/2025م)

التعليق:


من يتظلم سلميا فيقف أمام مكتب المسؤول باحترام، ويرفع لافتات، مطالباً بأبسط مقومات الحياة الكريمة، يُعدّ مهدداً للأمن فيستدعى، ويحقق معه، ويعاقب بما لا يطيق، أما من يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج فيقتل وينتهك الحرمات، ويزعم أنه يريد رفع التهميش، هذا المجرم يكرم، ويستوزر، ويعطى الحصص والأنصبة في السلطة والثروة! أليس فيكم رجل رشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟! أي اختلال في الموازين هذه، وأي معايير عدالة ينتهجها هؤلاء الذين جلسوا على كراسي الحكم على غفلة من الزمان؟


هؤلاء لا علاقة لهم بالحكم، ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم يظنون أن إخافة الرعية هي الطريقة المثلى لديمومة حكمهم!


لقد ظل السودان ومنذ خروج الجيش الإنجليزي يحكم بنظام واحد ذي وجهين، فالنظام هو الرأسمالية، والوجهان هما الديمقراطية والدكتاتورية، وكلا الوجهين لم يصل إلى ما وصل إليه الإسلام، الذي يبيح لجميع الرعية؛ المسلم والكافر، أن يتظلم من سوء الرعاية، بل يجيز للكافر أن يتظلم من سوء تطبيق أحكام الإسلام عليه، ويجب على الرعية أن تحاسب الحاكم على تقصيره، كما يجب عليها أن تنشئ الأحزاب على أساس الإسلام لمحاسبة الحاكم، فأين هؤلاء المتنفذون، الذين يديرون شأن الرعية بعقلية الجواسيس الذين يعادون الناس، من مقولة الفاروق رضي الله عنه: (بارك الله فيمن أهدى إليّ عيوبي)؟


وأختم بقصة خليفة المسلمين معاوية لتكون لأمثال هؤلاء الذين يعاقبون المعلمات على تظلمهن، كيف ينظر خليفة المسلمين لرعيته وكيف يريدهم أن يكونوا رجالا، لأن قوة المجتمع قوة للدولة، وضعفه وخوفه ضعف للدولة لو كانوا يعلمون؛


دخل رجل يسمى جارية بن قدامة السعدي ذات يوم على معاوية وهو يومئذ أمير المؤمنين، وكان عند معاوية ثلاثة من وزراء قيصر الروم، فقال له معاوية: “ألست الساعي مع علي في كل مواقفه؟” فقال جارية: “دع عنك علياً، كرم الله وجهه، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه”. فقال له معاوية: “ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية…”. فرد عليه جارية: “أهون على أهلك أنت الذين سمّوْك معاوية، وهي الكلبة التي شبقت فعوت، فاستعوت الكلاب”. فصاح معاوية: “اسكت لا أمّ لك”. فرد جارية: “بل تسكت أنت يا معاوية لي أمّ ولدتني للسيوف التي لقيناك بها، وقد أعطيناك سمعاً وطاعة على أن تحكم فينا بما أنزل الله، فإن وفيت، وفينا لك، وإن ترغب فإنا تركنا رجالاً شداداً، وأدرعاً مداداً، ما هم بتاركيك تتعسفهم أو تؤذيهم”. فصاح فيه معاوية: “لا أكثر الله من أمثالك”. فقال جارية: “يا هذا، قل معروفاً، وراعنا، فإن شر الرعاء الحطمة”. ثم خرج غاضباً دون أن يستأذن.


فالتفت الوزراء الثلاثة إلى معاوية، فقال أحدهم: “إن قيصرنا لا يخاطبه أحد من رعاياه إلا وهو راكع، ملصق جبهته عند قوائم عرشه، ولو علا صوت أكبر خاصته، أو ألزم قرابته، لكان عقابه التقطيع عضواً عضواً أو الحرق، فكيف بهذا الأعرابي الجلف بسلوكه الفظ، وقد جاء يتهددك، وكأن رأسه من رأسك؟”. فابتسم معاوية، ثم قال: “أنا أسوس رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم، وكل قومي كهذا الأعرابي، ليس فيهم واحد يسجد لغير الله، وليس فيهم واحد يسكت على ضيم، وليس لي فضل على أحد إلا بالتقوى، ولقد آذيت الرجل بلساني، فانتصف مني، وكنت أنا البادئ، والبادئ أظلم”. فبكى أكبر وزراء الروم حتى اخضلت لحيته، فسأله معاوية عن سبب بكائه، فقال: “كنا نظن أنفسنا أكفاء لكم في المنعة والقوة قبل اليوم، أما وقد رأيت في هذا المجلس ما رأيت، فإنني أصبحت أخاف أن تبسطوا سلطانكم على حاضرة ملكنا ذات يوم…”.


وجاء ذلك اليوم بالفعل، فقد تهاوت بيزنطة تحت ضربات الرجال، فكأنها بيت العنكبوت. فهل يعود المسلمون رجالاً، لا يخافون في الحق لومة لائم؟


إن غدا لناظره لقريب، عندما يعود حكم الإسلام فتنقلب الحياة رأساً على عقب، وتشرق الأرض بنور ربها بخلافة راشدة على منهاج النبوة.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار – ولاية السودان

المصدر: الرادار