معاناة أبنائنا تحت النظام الرأسمالي وسبيل النجاة
October 13, 2018

معاناة أبنائنا تحت النظام الرأسمالي وسبيل النجاة

معاناة أبنائنا تحت النظام الرأسمالي وسبيل النجاة

إنه من البديهي أن أي بنيان ليعلو ويصمد أمام المخاطر التي يمكن أن تعصف به يجب أن يؤسس على أساس ثابت ومتين، وحتى نوجد جيلا ناجحا مسؤولا واعيا في عائلته ومجتمعه ودولته كان لا بد من أن ننشئه على أساس ثابت يؤمن به عن وعي وقناعة ويطمئن له فتصقل بحسبه شخصيته. وباعتبار أننا أمة إسلامية نؤمن بالإسلام دينا ومنهج حياة كان لا بد أن نغرس هذه العقيدة في أبنائنا منذ نعومة أظفارهم، ولكن عن وعي منهم بأن الإسلام هو الدين الحق فتوجد لديهم قناعة راسخة لا ترتاب كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ كإيمان الصحابة رضوان الله عنهم الذين رغم الصعاب التي لاقوها في سبيل دينهم لم يضعفوا ولم يحيدوا قيد أنملة عن نهج الإسلام لأن إيمانهم كان عن طريق العقل وليس عبر التقليد الأعمى الذي لا تحمد عقباه كما هو حاصل اليوم... فأبناؤنا ممزقون تائهون لأنهم من دون هوية أي من دون عقيدة آمنوا بها بعد تفكر وتدبر تكون هي أساس كل صغيرة وكبيرة في حياتهم، عقيدة كما تنظم علاقتهم بخالقهم عبر العبادات تنظمها بغيرهم من الناس في المعاملات (السياسة، الاقتصاد...)، وبأنفسهم في المأكولات والمشروبات والملبوسات.

وجب أن نربي أبناءنا على أن يضبطوا سلوكهم ويعيشوا بمفاهيم وأحكام الإسلام لأنهم ما وجدوا في هذه الحياة إلا ليعبدوا الله؛ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، فيأتمروا بأوامره حتى ينالوا رضاه فيدخلهم الجنة برحمته، وتلك هي غاية الغايات، وبذلك يكونون شخصيات إسلامية مدركة حقيقة وجودهم في هذه الحياة مبصرين طريقهم نحو الغاية ألا وهي رضوان الله تعالى، فيعيشون من أجل ذلك ويموتون من أجله ويدبرون حياتهم بحسبه ويعملون جاهدين حتى تعلو راية الإسلام، فيتعلمون على أساس الإسلام ومن أجله؛ لذلك كان للمدرسة في الإسلام دور مهم في تثبيت وتنمية ما تلقاه الطفل من والديه من أفكار ومفاهيم إسلامية لتجعل منه شخصية إسلامية، إلى جانب تنمية المعارف والعلوم لديه ليعمل على رقي بلاده وازدهارها لتبقى في صدارة الأمم فلا تعلو راية فوق راية الإسلام، وللإسلام طريقة مميزة في الدرس ألا وهي الإلقاء والتلقي الفكري، أي أن لكل فكرة يتلقاها المتعلم يقابلها واقع يجسد صورة واضحة عنها حتى ترسخ في الذهن، وبذلك لا يكون حشوا للأذهان كما يحصل لأبنائنا اليوم حتى إنهم يملّون من ساعات الدرس لأنهم لا يجدون تفاعلا معها لعدم تأثرهم بها، كما أنه بمجرد انقضاء الامتحان تتبخر كل المعلومات لديهم فلا يستفاد منها!

وللدولة أيضا دور مهم وأساسي في تكوين جيل ناهض ومسؤول يعتمد عليه؛ فهي بداية تطبق نظام الإسلام الذي سيوجد حياة إسلامية منضبطة بأحكام الإسلام التي آمن بها وارتضاها عامة الناس فاطمأنوا بها وتعارفوا عليها حتى أصبحت عرفا عاما لديهم ينظم علاقاتهم ببعضهم بعضاً، وهنالك يتكون المجتمع الإسلامي الذي يسعى جاهدا إلى أن لا يتجاوز فرد من أفراده تشريعات الإسلام فينشأ الطفل أو الشاب في أحضانه مصانا من كل ما يخالف الإسلام ومحاطا بحصنه، فلا تجد إلا كل ما ينهاهم عن فعل المحرمات ويحثهم على التمسك بحبل الله المتين... على عكس ما نعاني منه اليوم؛ فنظرا لأنه يطبق علينا نظام يخالف الإسلام فقد أنتج ذلك مجتمعا غير إسلامي، فحتى وإن كنت قد ربيت أبناءك على أحكام الإسلام إلا أنهم عندما يخرجون للمجتمع ومنذ الوهلة الأولى تجدهم قد تأثروا به فيعيش الطفل والشاب في اضطراب بين ما تلقاه من والديه وبين ما هو موجود في مجتمعه، فيكون ذا شخصية مشوشة لا تدري ما هو الصواب وما هو الخطأ! خلافا للمجتمع في الإسلام فإنه يأطرك على الحق أطراً فيجعل منك شخصية قوية ثابتة على الحق تدرك غايتها فتشق طريقها نحو الهدف بكل عزم وثبات لترسم مستقبلاً كله مجد وعزة يعز فيه الإسلام والمسلمون.

كما أن الدولة تقدم ضمانات لرعيتها؛ فهي توفر للأطفال والشباب المزاولين تعليمهم كل أسباب النجاح فتوفر لهم المدارس والجامعات المجهزة بأرقى الوسائل والأدوات والتكنولوجيا الحديثة لتسهيل عملية التعلم حتى يفجر المتعلم كل طاقته فينتفع بها وينفع بها دينه ومجتمعه ودولته كما كان يحصل في السابق... فمثلا في عهد المأمون الخليفة العباسي العالم كان يحث العلماء على طلب العلم وكانوا رجال علم متميزين، وقد أنشأ لهم بيت الحكمة وأقام به مرصدا ومكتبة ضخمة لتكون أكاديمية البحث العلمي ببغداد تحت رعايته الشخصية. كما كان للعلماء شأن عظيم يحترمهم العامة ويقدرهم الحكام، وقد ازدهر العلم ما بين القرن السابع الميلادي ونهاية القرن السادس عشر الميلادي؛ فكانت دمشق وحلب وبغداد والكوفة والقيروان وقرطبة والقاهرة ومراكش وفاس هي المراكز العلمية في العالم، وكانت جامعاتها مزدهرة وصناعاتها متقنة ومتقدمة والعلم في تطور مستمر والعمران في ازدياد، فكانت البلاد العربية محجاً لطالبي العلم وأعجوبة حضارية غير مسبوقة، وكانت هذه الفترة هي فترة تأسيس العلم في العالم؛ حيث كانت قبل ذلك معارف لا ترتقي لمرتبة العلوم، ولم يبق مجال في العلم مما نعرفه اليوم إلا وكان المسلمون قد أسسوه كعلم الكيمياء وعلم الجبر وعلم المثلثات وغيرها... وهذا عائد إلى الأهمية الكبرى التي أولتها الدولة الإسلامية آنذاك للعلم والعلماء.

إضافة إلى أن الدولة في الإسلام تضمن للشباب العمل لأنه واجب عليها؛ لأنها مسؤولة عنهم؛ فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته كما كان سيدنا محمد e يفعل وهو إمام ورئيس دولة؛ فقد أعطى رجلا درهمين، وقال له: «كُلْ بِأَحَدِهِمَا، وَاشْتَرِ بِالآخَرِ فَأْساً، وَاعْمَلْ بِهِ»، وكذلك رجل آخر "طلب من رسول الله e أن ينظر في أمره لأنه خال من وسائل الكسب، ولا شيء عنده يستعين به على القوت، فدعا رسول الله بقدّوم (فأس)، ودعا بيد من خشب قد سوّاها بنفسه ووضعها فيها ودفعها للرجل، وأمره أن يذهب إلى مكان عينه له، وكلفه بأن يعمل هناك، وطلب إليه أن يعود بعد أيام ليخبره بحاله فجاء الرجل يشكر رسول الله صنيعه، وذكر له ما صار إليه من يسر الحال"، وهذا خير دليل على أن على الدولة أن توفر العمل لمن لم يجد عملا، وليس أن تتركهم للبطالة فلا يجد الشاب ما يعيل به نفسه خاصة بعد سنين طويلة من العلم ليؤسس لمستقبله فيدخل في دوامة من اليأس تصل بكثير منهم إلى الانتحار أو إلى الهجرة عبر البحار نحو مستقبل مجهول، أو يغرقون في الإدمان لينسوا حالهم المرير!! بينما في الإسلام فإن الدولة تحث على العمل فيضمن الشاب المتعلم وغير المتعلم فرصة العمل فينعم في حاضره ومستقبله فلا يحمل هم الحياة في ضرورياتها ولا حتى في كمالياتها طالما يعيش في ظل دولة ترعى شؤونه بعدل الإسلام والتي من ضمن ما تسهر عليه أن تقسم الثروات بين رعيتها بالعدل وهذا أمر مهم في تحقيق الكفاية والرعاية والرفاه، فتزول بذلك الصعاب وراء توفير لقمة العيش كما هو اليوم، فيكون همّ المسلم هو إرضاء الله تعالى وربط الصلة به في كل نواحي حياته كما يقول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وهذه هي قاعدة العيش لدى المسلم والتي يجب أن نربي عليها أبناءنا فلا يكون همهم الدنيا بل الآخرة...

ونحن نربي أبناءنا وجب علينا أن نجعل قدوتهم في هذه الحياة نبيَّنا الكريم e وصحابته الأطهار الذين رباهم الإسلام على عين بصيرة فجعل منهم شخصيات فذة بعد ظلمة الجاهلية، وجعل من رعاة الغنم قادة للأمم فملأوا الدنيا عدلا؛ فها هو عمر الفاروق الذي كان ذاهبا عازما على قتل النبي صلوات ربي وسلامه عليه ينقلب إلى حالٍ مخالفة تماما عندما استقر الإيمان في قلبه فأصبح يفتدي الرسول والإسلام بروحه، ثم عند خلافته سمي بالفاروق لأنه كان سياسيا محنكا طبق الإسلام على أكمل صورة حتى فرق بين الحق والباطل.

إن الإسلام الذي صنع رجالا كالصحابة رضوان ربي عليهم لكفيل أن يجعل من أبنائنا أبطالا وقادة للعالم بأسره إذا ما تمسكنا بالإسلام وحده، فها هم اليوم أطفال سوريا يخطون أعظم البطولات والصمود فقد علمونا معنى الصبر والثبات، فهم بحق أعظم الرجال وغداً بحول الله سيكون مستقبلهم خيرا... فمن الذي كان سيصدق بأن بلالاً العبد الحبشي يصبح واليا وكذلك العديد من الصحابة الذين عذبوا وحوصروا مع النبي قد أصبحوا أمراء على أمصار عدة في ما بعد؟!

إن علينا أن نلتزم من جهتنا كآباء وأمهات بأحكام الإسلام في تربيتنا لأبنائنا وأن نعمل جاهدين على تنشئتهم على شرع الله سبحانه حتى يكونوا صالحين فيعزّونا ويعزوا في الدارين؛ الدنيا والآخرة.

وحتى ننقذ أبناءنا من الضياع ومن المستقبل المجهول وجب علينا اقتلاع سبب البلاء من جذوره وهو هذا النظام الرأسمالي الجشع الذي لم ينتج إلا ضنك العيش، وتطبيق نظام الإسلام عوضا عنه وإقامة دولة الخلافة الموعودة عن قريب بإذن الله ليصلح حال أبنائنا وحال الأمة جمعاء.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة سهام عروس

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو