ماذا نريد؟؟ إنهاء ولاية الرجل على المرأة، أم إنهاء ولاية الغرب على الأمة؟؟
October 13, 2018

ماذا نريد؟؟ إنهاء ولاية الرجل على المرأة، أم إنهاء ولاية الغرب على الأمة؟؟

ماذا نريد؟؟

إنهاء ولاية الرجل على المرأة، أم إنهاء ولاية الغرب على الأمة؟؟

ولاية الرجل على المرأة أو حكم القوامة، موضوع أرّق الأمم المتحدة ودفع كلّا من بريطانيا وأمريكا إلى المطالبة بإلغاء ما اعتبروه ظلما للمرأة وانتهاكا لحقوقها، وتعرّض سجلّ حقوق الإنسان في الخليج العربي وخاصة منه السعودية إلى هجوم أمميّ عنيف فيما يتعلّق بحقوق المرأة المسلمة، فيما دعت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى تفكيك نظام ولاية الرجل على المرأة بالكامل باعتباره العائق الأكبر أمام ممارسة المرأة حقوقها، وعلى إثره، انطلقت حملات عبر مواقع التواصل الإلكتروني في السعودية تطالب بإلغاء قانون الولاية بالكامل.

والسؤال في هذا المقام، هل حقّقت بريطانيا وأمريكا لنسائها في الغرب الاستقرار والهناء والطمأنينة حتى تتصدّر المشهد الإصلاحي في بلادنا المسلمة ويُصبح الحديث عن حكم شرعي قضية أممية، فيما تصبح المرأة المسلمة محلّ استعطاف عالميّ لأن زوجها أو أباها أو أخاها هو وليّها والمسؤول عنها؟! ثم إن معاناة المرأة المسلمة ممتدّة إلى التذبيح والاغتصاب والاعتقال والتعذيب والتجويع في بورما وسوريا والعراق واليمن وفلسطين، أم أن بريطانيا وأمريكا لا تتحدثان عن معاناة صدّروها لنا وصنعوها بأيديهم؟!

الهجوم على الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة المسلمة، هذا هو ديدن الغرب ماضيا وحاضرا، ونحن ندرك بداهة أن الغاية ليست الإصلاح وإنما الدمار للأسرة وللمجتمع وللأمة الإسلامية بأكملها لما يعنيه دور المرأة المسلمة وبناؤها الفكري المبدئي في المساهمة في نهضة أمتها أو انحطاطها.

يأتي الهجوم على حكم ولاية الرجل على المرأة في إطار المساواة بين الجنسين، هذه الفكرة الطوباوية التي تُحلّق بأهلها في الغرب إلى السماء ثم سُرعان ما تصدمهم بالأرض، حينما تناقض قوانينهم نفسها، وتعجز عن تحقيق المساواة حتى في الأجور، أمّا في بلادنا الإسلامية فالقوانين تأتينا مُعلّبة وتاريخ صلاحيتها يعتمد على الإملاءات الخارجية، أما فشلها فيُعَلَق على شمّاعة "الشرع" والعادات والتقاليد والقيود الدينية المفروضة والمجتمع الذكوري الظالم، لأن ضمان حقوق المرأة برأيهم موقوف فقط على إلغاء ولاية الرجل عليها!! فتعلو الأصوات من الخارج قبل الداخل "انتهى عصر الاستعباد، انتهى عصر الحريم، المرأة صارت مثقفة صاحبة شهادات، لقد أثبتت جدارتها وقادت المؤتمرات وقادت المجامع وقادت المحافل وقد آن الأوان لأن تتبوأ دورها وتأخذ مكانها"، وربما لَطّفوا العبارة وقالوا: "يداً بيد وجنباً بجنب مع الرجل"!!

ولذلك، كان حرص ولي العهد محمد بن سلمان في السعودية، على تحقيق ما عجز أسلافه عنه، بما اعتبره انتصارات للمرأة في المملكة، ضمن "رؤية 2030"، ليسترضيَ نُقاده الغربيين ويُتاجر بالأحكام الشرعية وبالمرأة على السواء، من خلال إدخال تعديلات على ولاية الرجل في خطوة نحو إلغائها واعتبار هذا الإنجاز وثبة كبيرة نحو "الحداثة" و"التقدم" في التعامل مع المرأة!

وإنّه من الخبث السياسي، أن تُتَعمّد الإساءة للحكم الشرعي بالإساءة لتطبيقه وتوظيفه ليكون مشكلا يُعيق مصالح الناس ومعاملاتهم في الوقت الذي شُرّع فيه الحكم الشرعي ليكون حلّا لأفعال العباد ومعالجة لعلاقاتهم وشؤونهم!! فصارت قوامة الرجل على المرأة تطال حتى استصدار وثائق رسمية وإدارة المصالح اليومية من عقود ومعاملات أو حتى العمل!

وهكذا زُجّ بحكم ولاية الرجل على المرأة في السعودية داخل منظومة تشريعية لا تمتّ للإسلام بصلة، بل هي قوانين علمانية في تأصيلاتها وتفريعاتها، لكنها مُغلّفة بالفتاوى وفق الطلب حتى تتناسب مع الشكل العام للمجتمع الذي ما زال يؤمن بصحة عقيدته وصحة الأحكام المنبثقة عنها، فشكّل هذا الحكم تناقضا من حيث الفكرة التي يقوم عليها ومن حيث تطبيقه عمليا!

ورغم ذلك، فإن المطالبة بإلغاء حق الولاية بالكامل ما زال مطروحا خصوصا أن الدعم دولي، وتشتغل عليه منظمات عالمية ومحليّة، ليكون آخر تصريح لناشطة سعودية في مجال حقوق المرأة للوكالة الفرنسية للأنباء "نحتاج إلى المزيد. يجب إلغاء نظام الولاية برمته!"

هل هذا ما تحتاجه المرأة المسلمة حقا؟ هل هذا ما يضمن لها حقوقها كاملة ويجعل منها إنسانا ناهضا راقيا مستجيبا لخالقه ملتزما بأمره سبحانه فيُحقق أسمى وظيفة في الحياة بأن يكون عبدا لله وحده!!

إن الأصل في الأحكام الشرعية أن تُطبّق كاملة ضمن نظام إسلامي يُنفذها ويحسن تطبيقها ويحافظ عليها، ليتحقق التوازن طبيعيا في الفرد والمجتمع والدولة ويكون الانضباط والالتزام بدافع تقوى الله قبل أن يكون بقوة السلطان! ومن هنا يكون حكم القوامة متناسقا مع النظام الاجتماعي ومع أحكام المجتمع ومع أعراف الناس وأفكارها وقناعاتها، فيتحقق به الخير والعدل، ويكون حقا امتيازا للمرأة المسلمة وليس مثلما يُصوّره الغرب بذلك المشهد الدرامي القاتم، بصورة الأب السجّان والزوج المتسلط، والابنة المقهورة المظلومة، أو كما يُطبقه الحكام بذلك الأداء المبتذل المستهتر، بدون ضوابط ولا محاسبة ولا قوانين تحميه!

إن قوامة الرجل على المرأة في الإسلام، هي قوامة تكليف من الله ومسؤولية للرجل، مثلما في جميع المؤسسات والمراكز والمجامع هناك أشخاص قوّامون على آخرين، كالمدير والرئيس والمسؤول، فوظيفة القوامة إذًا هي عمل تنفيذي يتبناه الرجل داخل مؤسسة الأسرة، تتعلّق بأعمال الإدارة والإنفاق وحسن الرعاية وتمام المسؤولية ودليلها بينه القرآن ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.

والأفضليّة هنا ليست بميزان التقوى، أي ليسوا أفضل عند الله وأقرب وأتقى، وإنما تفضيل القوة الجسمية والعقلية والمادية، الذي تُقرّ به الفطرة السليمة والآراء المستقيمة، هذا التفضيل حكمة إلهية ليكون الرجل هو المسؤول، وليتهيّأ لمهامه الشرعية الموافقة لفطرته، فيما تتهيأ المرأة لمسؤولياتها ومهامها بما يُوافق فطرتها!! فالقضية إذا ليست مجرّد رجولة وقوامة وإنما تشريف يتبعه تكليف، لأن هذه القوامة تتوافق مع طبيعة الرجل كما تتوافق مع طبيعة المرأة ومع الخصائص التي أودعها الله لكلا الجنسين بما يناسبه، فيكون الرجل هو القائم على أهله والمسؤول عن حمايتهم ونفقتهم وتدبّر شؤونهم، فيما تقوم المرأة على مسؤوليات أخرى عظيمة وكبيرة! فليست القوامة مسحاً لشخصية المرأة، وإنما هي معاونة ورعاية وإحاطة، هذه القوامة لها حدود، هذه القوامة لها ضوابط!

فالاستغناء عن قانون القوامة ضمن نظام إسلامي، هو إخلال بسلسلة مترابطة هي اللبنة الأولى للمجتمعات وهي مؤسسة الأسرة، والاستغناء عن القوامة يُشقي المرأة ولا يُسعدها فتضطر لتحمل مسؤوليات أكبر من طاقتها وسعتها، وتضطرب فطرتها وكل حياتها، وبالمقابل فإن إلغاء القوامة يُضعف الرجل ويُوهنه، والمرأة تنأى عن رجل لا مسؤولية له ولا سيادة! ولنا في المجتمع الغربي خير مثال، حينما خالفوا الفطرة وادعوا العقلانية والاستنارة وجعلوا من المرأة والرجل جنسا واحدا لا اعتبار لخصائص كل منهما، فكان من الأسباب التي أرهقت المرأة واستنزفتها بدنيّاً ومعنويا وماديا، لأنها فقدت حاجة فطرية.

يقول الدكتور أوجست فوريل تحت عنوان "سيادة المرأة": "لا يمكن للمرأة أن تعرف السعادة إلا إذا شعرت باحترام زوجها، وإلا إذا عاملته بشيء من التمجيد والإكرام، ويجب أن ترى فيه مثلها الأعلى إما في القوة البدنية، أو الشجاعة، أو التضحية وإنكار الذات، أو في التفوق الذهني... وإلا فإنه سرعان ما يسقط تحت حكمها وسيطرتها... ولا يمكن أن تؤدي سيادة المرأة إلى السعادة المنزلية؛ لأن في ذلك مخالفة للحالة الطبيعية التي تقضي بأن يسود الرجل المرأة بعقله وذكائه وإرادته، لتسوده هي بقلبها وعاطفتها"...

لقد كان الأولى بالمرأة في الخليج أن تطالب بإلغاء ولاية الغرب الحاقد الذي يُريدها أن تضيع بالكامل كما ضاعت نساؤهم، وتتجرّد من هويتها ومن عقيدتها، وأن تطالب بإلغاء ولاية أمريكا على أرض الحرمين الشريفين واستنزافها للثروات والطاقات، وأن تطالب بإلغاء ولاية المخابرات الأمريكية التي تصول وتجول في بلادها دون محاسبة ولا سؤال!! فهل تغض الطرف عن هذه الولاية الغربية الحاقدة التي أهلكت الحرث والنسل ليكون سقف مطالبها متوقفا على ولاية الرجل لها؟! وهل ستستقيم حياتها حينما تعيش مخالفة للفطرة والدين أم أنها ستضلّ وتشقى؟!

من هنا فإننا ندعوكن أخواتنا في منطقة الخليج، بوصفكن جزءاً لا يتجزّأ من هذه الأمة العظيمة، أن نعمل على استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة راشدة عادلة تحقق الخير والعدل وتضمن لكل ذي حق حقه، ونكون حقا جنبا لجنب في رفع الوصاية الغربية على بلادنا الإسلامية، لنحقق سيادة شرعنا وسيادة ديننا وسيادة أمتنا ويعود الغرب مذلولا مدحورا.

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نسرين بوظافري

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو