مأزق الغرب الحضاري وانقلابه المتكرر على حركات "الإسلام المعتدل"!!
August 05, 2021

مأزق الغرب الحضاري وانقلابه المتكرر على حركات "الإسلام المعتدل"!!

مأزق الغرب الحضاري وانقلابه المتكرر على حركات "الإسلام المعتدل"!!

ما زالت عجائب حكمة الله فيما يحوط به هذا الدين العظيم وكتابه الخالد وسنة نبيه ﷺ من حفظ، فكلما وهن عصر من عصوره وابتلي أهله بزنادقته وأدعيائه ومحرفيه ومبتدعته، فإذ بأمته أشد ما تكون التصاقا بدينها وأبلغ ما تكون دفاعا ومحاماة ونضالا وكفاحا من أجله بعد أن يمن الله عليها بأتقياء أنقياء هداية وطهراً.

وهو لعمرك حال هذه الأمة في يوم الناس هذا، وقد رمانا الغرب الكافر بكل أفاك كذاب أشر، وكل معتل زائغ العبارة منحرف الفكر، تسلطت سفاسف أفكار الغرب وبوائق فلسفته على عقله فمسخته.

ومن بلية هذا الزمان حركات "الإسلام المعتدل"، قوم معلمنون بلحى، مذهبهم في فهم الإسلام وما زعموه تجديدا، هو إقحامهم لبضاعة الغرب الفكرية على الفكر الإسلامي وهو منها براء، وامتهنوا حرفة الانتحال وباتوا ينتحلون التدين في فصل الدين عن الحياة والطاعة في المعصية، وفي عجزهم وضعف عقولهم وتشوههم الفكري بات الاحتيال والتلفيق الفقهي وجعل ما ليس بقاعدة قاعدة وانتحال قواعد الغرب الفكرية العلمانية وإلباسها لبوس الإسلام، بات ديدن القوم بل ودينهم. وأضحى جديد القوم هو ما أنتجه الغرب قديما وحديثا، فأعرضوا بذلك عن الحق وأقبلوا على الباطل وجعلوا أنوفهم في قفاهم!

وما كانوا فينا إلا وسائل وأدوات الغرب للتدمير والخراب والاستعمار، وما ألقيت هذه القنبلة فينا إلا من مدفع الغرب محشوة كفراً لتهدم في الأمة إيمانها ويقينها بحقيق حق إسلامها في تسيير حياة البشر. وما كانوا إلا حشوا لمدافع الغرب في حربه الحضارية الصليبية، هدفها ما أفصح به كبير مجرمي الغرب الهالك رامسفيلد في قوله: "نريد لشعوب الشرق الأوسط أن يكون إسلامها كإسلام الشعوب المسلمة في شرق أوروبا"، ما عبروا عنه كناية بسياسة نزع الشوك من السمك، عبْر اعتماد فكرة تشويه المعتقد بعد فشل الغرب في تغييره، حتى يصبح مسخا منزوع الدسم، يصبح معه الدين مجرد طقوس ذات طابع فلكلوري، لا يمس سياسة أو قوانين دولة أو أنظمة مجتمع أو مفاهيم حضارية.

إلا أن حقيقة هذا الدين في قهره لمن حاده وأعرض عنه، هي حقيقة كل زمن لم يزل كل عصر يأتي الناس بدليلها، وذلك الذي كان ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾!

ومن هنا يبدأ حديثنا عن سؤال مركزي يجد حيثيات مسائله في ما جرى لحركات وجماعات "الإسلام المعتدل" في تونس ومن قبل في مصر، وهو: ما الذي يدفع الغرب للانقلاب على حركات وجماعات "الإسلام المعتدل"، عِلما أنها جماعات تم تعديلها في مختبرات ومعامل الغرب الفكرية، حتى أضحى ظاهرها طقوسا إسلامية وباطنها علمانية مقيتة؟

فضلا أن هذه الجماعات في تدرّكها أذعنت وخنعت للغرب الخنوع التام في تبنيها فضلا عن فلسفة الغرب في فصل الدين عن الحياة، وذلك ما عبرت عنه في انفصامها النكد بين الدعوي والسياسي، بل تبنت كذلك تحريفات الغرب لمفاهيم الإسلام ومعايير "الإسلام المعتدل" الذي يرضاه الغرب ويرتضيه منها، وقد كشفت عن تلك المعايير مؤسسة راند الأمريكية في تقريرها المعنون "بناء شبكات إسلامية معتدلة" لعام 2007 والذي استغرق إعداده ثلاث سنوات لوضع استراتيجيات الغرب المتبعة في حربه الحضارية مع الإسلام وسعيه لتحريف مفاهيمه بأدوات داخلية محلية، طبقا لما نص عليه تقرير سابق لمؤسسة راند لعام 2004 تحت عنوان "الإسلام المدني الديمقراطي... شركاء وموارد واستراتيجيات"، تلك المعايير هي: القبول بفكرة الديمقراطية، القبول بالمصادر الوضعية في تشريع القوانين، رفض تطبيق الشريعة، نبذ الإرهاب والعنف، الدعوة لاستخراج النصوص الشرعية من التراث الإسلامي لدعم هذا الفكر (الإسلام المعتدل)، احترام حقوق النساء الدولية والأقليات الدينية...، وفي تبنيها لهرطقات الغرب طفح إلى السطح ذلك الوسم المقيت التي وصفت هكذا جماعات به نفسها وعبر عنه غنوشي النهضة "الإسلامي الديمقراطي"!

ولفهم انقلاب الغرب على صنيعه، لا بد من فهم السبب وراء إيجاد هكذا جماعات تحمل هذا الكم من التشوه المعرفي والانحراف الفكري، فالسبب هو ورطة الغرب مع الإسلام كمبدأ عابر للزمان والمكان متجاوز كل أنساق البشر المعرفية، فمعضلة الغرب مستعصية مع الإسلام، وهي في فشله الحضاري في إعادة صياغة البلاد الإسلامية حسب رؤيته المادية العلمانية، بالرغم من تمكنه من كل أدوات الفعل والممارسة العملية على أرض الواقع، فأنظمة الحياة في البلاد الإسلامية أنظمته، والدويلات القائمة فيها صنيعته، وبعد قرن من الزمن ها هي البلاد الإسلامية تغلي غليان أمة واحدة تجمعها العقيدة الإسلامية، وطاقة غليانها تستمدها من إسلامها العظيم ولسان حالها ومادة حركتها هو التمرد على الغرب وأنظمته وعملائه وأدواته.

وفي ورطته وإفلاسه عدّل الغرب هكذا حركات وجماعات لتكون معاول هدم من داخل المنظومة الإسلامية حرفا للمسار وتثبيتا للاستعمار، ولكن ورطته استفحلت في نبذ الأمة لأنظمته ورؤاه وتطلعها لاستئناف حياتها الإسلامية، فكان الربيع العربي حالة نموذجية تبرز حجم المأزق الغربي في تمرد الناس على منظومته وعملائه، فدفع بهكذا حركات لعلها تكون مخرجا له من مأزقه.

ولكن ورطة الغرب استفحلت، فالذي استجد مع هذه الحركات والجماعات وهي في الحكم، هي الحالة الفكرية المصاحبة والمناخ السياسي المرافق، والتي جعلت النقاش السياسي يدور حول الإسلام كمبدأ وليس ككهنوت، وحول كل أنظمته عن الحياة وعلى رأسها الحكم وليس فقط بعضاً من عباداته، وهنا تعمقت ورطة الغرب وسقطت في يده، فمعول هَدْمهِ هَدَمَ كهنوته وأعاد النقاش السياسي للحالة الفكرية المبدئية الأصيلة للإسلام، ذاك الذي عمل الغرب على طمسه خلال قرن من الزمن.

من هنا كان الانقلاب على حركات وجماعات "الإسلام المعتدل" ردة فعل غربية على الحالة الفكرية السياسية المصاحبة والمناخ السائد المشحون بالإسلام تطلعا وبديلا، والمحتقن ضد الغرب الكافر المستعمر وسياساته وأنظمته وعملائه، وليس ضدا لجماعات "الإسلام المعتدل" صنيعته، التي خنعت وذلت صاغرة له.

فقد تخلص الغرب من الأداة لنتائجها العكسية وآثارها الجانبية غير المرغوب فيها رغما عن الغرب وأدوات "الإسلام المعتدل" صنيعته، عطفا على ذلك عطب الأداة وعدم فاعليتها في إنجاز المهمة، فقد فشلت في احتواء الشارع وتحجيم حراكه وحرف مساره، وأخفقت في امتصاص حَنَق الناس ونقمتهم على المنظومة البائسة وكتم النفس الثوري، وانكشف ظهر الغرب المستعمر، بل باتت الأداة نفسها محل امتعاض وانتقاد، وأضحت مصدر احتقان وفتيل ثورة.

أمام هذا الإفلاس الشنيع جهد الغرب في محاولة تحويل هزيمته إلى شيء من مكسب، عبر ذلك الادعاء الباطل ونعيق أبواقه عن فشل الإسلام السياسي، والذي ما أوجد الغرب أداة "الإسلام المعتدل" إلا لمنع ظهوره وبزوغ فجره، وما كان ذلك الادعاء الباطل إلا من تلك السياسة الغربية البائسة في تحريف الوقائع وتزييف الحقائق وتضليل الرأي العام، تلك السياسة التي امتهنها الغرب في إفلاسه حرفة في حربه الحضارية الصليبية ضد الإسلام، سعيا منه لتحويل هزائمه الحضارية إلى شيء من مكسب وأنى له ذلك فالإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

تبقى هذه القراءة قراءة لأسباب الأرض ومفاعيل قوى البشر، إلا أن حقيقة الإسلام الدامغة أن هذا الدين دين الله، وكتب له في الأزل إخضاع الدنيا وحكم العالم عدلا لا طغيانا، وما الغرب إلا ساعة طغيان ذاهبة في زمانه، كتب عليه الفناء وللإسلام البقاء.

ومن مفاعيل السماء بعباد الله المستضعفين متى استقاموا على الطريقة، كيد ومكر القوي المتين بأعدائهم. وما كان جواب السؤال أعلاه إلا في قول الحكيم العليم: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو