مفاهيم مغلوطة يُروَّج لها باسم الوسطية أو الاعتدال  (1)
May 13, 2021

مفاهيم مغلوطة يُروَّج لها باسم الوسطية أو الاعتدال (1)

مفاهيم مغلوطة يُروَّج لها باسم الوسطية أو الاعتدال

(1)

من الأفكار المغلوطة التي ظلت حركات إسلامية تروج لها وتعمل بها لعقود طويلة فكرتا جواز المشاركة في أنظمة الكفر، والتدرج في تطبيق الإسلام، والتي كانت تروج لها من خلال أدلة شرعية ملفقة لتبرر لنفسها السير في طريق لن يوصلها أبدا لتطبيق الإسلام كاملا. وبرغم التجارب الأليمة التي أوقعت تلك الحركات فيها الأمة، لتدفع الأمة ثمنا باهظا من دمائها وحريتها، فقد تم التنكيل بالأمة ليسقط شبابها بين قتيل ومعتقل ومهجر، وما زالت تلك الحركات تصر على السير في الطريق نفسه برغم أنها رأت بأم عينها ما جنته من ذلك المنهج الفاسد المخالف للأحكام الشرعية الصريحة في تحريم المشاركة في أنظمة الكفر وتحريم التدرج في تطبيق الإسلام إذا هي وصلت إلى الحكم. فلم تتعلم تلك الحركات مما حدث في الجزائر في بداية تسعينات القرن الماضي، ولا مما حدث في مصر بعد ثورة 25 يناير. ولو سألتهم الآن ماذا أنتم فاعلون لو سقط النظام الانقلابي في مصر مثلا، وسمح لكم من وصل للحكم بالعمل الحزبي؟ لقالوا لك سنعيد الكرة مرة أخرى عن طريق الديمقراطية ولو وصلنا إلى الحكم فسوف نطبق الإسلام بالتدريج لأن الناس غير مستعدة لأن يطبق عليهم الإسلام كاملا! وكأن الناس مستعدة لتطبيق الكفر والرضا به ولكنها غير مستعدة لتطبيق الإسلام! وكأنهم لم يروا كيف تصرف السيسي عندما انقلب عليهم، فلم يتدرج في فرض رؤيته والتنكيل بمعارضيه، بل حسم الأمر من اللحظة الأولى. ويبدو أننا ما زلنا بحاجة لتفنيد رأيهم المعوج هذا وتبيان الأدلة الشرعية التي تبطل قولهم بجواز المشاركة والتدرج، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

1- فكرة جواز المشاركة في حكم الكفر:

للأسف الشديد هناك من يفتي للحكام بأن حكمهم بأنظمة الكفر المطبقة في البلاد الإسلامية لا ضير فيه، وهناك من يفتي بأنه يجوز للمسلم التقي أن يشارك في تطبيق هذه الأنظمة من أجل تأمين بعض المصالح للمسلمين، وهناك من إذا وصل للحكم أجاز لنفسه الحكم بالكفر مدعيا أن النصوص الشرعية تجيز له ذلك، فهل مثل هذه الفتاوى تبرئ عند الله ذمة أصحابها وذمة من يعمل بها؟

وكيف يجرؤ عالم أن يفتي بجواز تطبيق أنظمة الكفر أو المشاركة فيها وهي تحلل الخمور والقمار والربا والزنا، وهي تدعو إلى العُرْي والإباحية والارتداد عن الإسلام واتباع حضارة الغرب باسم الحريات، وهي تعطل الحدود الإسلامية والشريعة الإسلامية وتحارب الدعوة الإسلامية واصفة إياها بالأصولية والإرهاب إرضاء لأسيادها من دول الكفر؟!

إن الحكم بما أنزل الله فرض، قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ﴾، وقال تعالى: ﴿وأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ والنصوص في هذا المعنى مستفيضة. أما عدم الحكم بما أنزل الله واللجوء إلى الحكم بالشرائع الوضعية فإنه كفر أو ظلم أو فسق، وهذا وارد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾.

والاستدلال بعمل يوسف عليه السلام لتبرير المشاركة في أنظمة الكفر هو استدلال في غير محله، لأننا مأمورون باتباع محمد ﷺ ولسنا مأمورين باتباع يوسف أو غيره من الأنبياء عليهم السلام. فـ"شَرْعُ مَنْ قبلَنا ليس شرعاً لنا" لأن الإسلام نسخ جميع ما سبقه من شرائع جملة. وقد أخذ بعض أئمة الأصول بالقاعدة بشكل آخر أي: "شَرْعُ مَنْ قبلَنا شرع لنا ما لم يُنْسَخ" ولا يوجد في هذا الموضوع غير هاتين القاعدتين.

أما بالنسبة للقاعدة الأولى "شرع من قبلنا ليس شرع لنا"، فالأمر واضح أنه لا يجوز لنا الاستدلال بعمل النبي يوسف عليه السلام.

وأما بالنسبة للقاعدة الثانية "شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ"، فإنها تحدد أن الاستدلال بالشرائع السابقة يكون فقط بالأحكام التي لم تُنْسخ من تلك الشرائع. أما الأحكام التي جاءت شريعتنا ونسختها فلا يبقى أي مسوّغ لأخذها، ونصبح مطالبين بشكل محدد بما ورد في شريعتنا. وإذا نظرنا إلى المسألة التي بين أيدينا نجد أن شريعتنا نسخت الاحتكام إلى شرائع غير الشريعة الإسلامية. فإذا سلمنا جدلا بأن النبي يوسف عليه السلام سُمِحَ له أن يحكم بغير ما أنزل الله، وأن يطبق شريعة ملك مصر في ذلك الزمن - وحاشاه أن يفعل ذلك - فإن محمداً ﷺ لم يُسْمَح له ولا لأمته من بعده أن يطبقوا شريعة أو يحتكموا إلى شريعة غير شريعة الله. والآيات التي سردناها تبيّن ذلك بشكل جليّ.

ولذلك نقول ونقرر بأن الاستدلال على هذه المسألة بعمل يوسف عليه السلام هو استدلال في غير محله. وهو لا يشكل دليلاً على هذه المسألة لا قوياً ولا ضعيفاً، حتى ولا يشكل شبهة دليل. وهو دليل على جهل القائل به، وليس هو من الاجتهاد الذي يكون للمجتهد فيه أجر إن أخطأ، وأجران إن أصاب.

وأما الاستدلال بموقف النجاشي فهو في غير محله أيضاً، فإن من يدقق في المسألة يجد أن النجاشي كان ملكاً قبل إسلامه. وقد أسلم سراً وتوفي بعد إسلامه بوقت قصير، ولم يكن قادراً على تطبيق الإسلام ولم يجرؤ على إعلان إسلامه، فقد كان قومه كفاراً. وهذا لا ينطبق على من كان مسلماً معروفاً بإسلامه عند الناس، ونزيد الأمر تفصيلاً فنقول:

أ- إن كلمة النجاشي ليست اسم شخص الحاكم للحبشة، بل هو لقب لكل من كان يحكم الحبشة، فكان يسمى "النجاشي" كما كان يسمى حاكم الفرس بكسرى والروم بقيصر...، والنجاشي الذي أسلم وصلى الرسول ﷺ عليه لم يمض على إسلامه سنين كما يتوهم البعض، بل فترة قصيرة لا تتجاوز أياماً أو شهراً أو شهرين. فهو ليس النجاشي الذي هاجر المسلمون إليه من مكة، وليس هو النجاشي الذي أرسل إليه رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري بعد صلح الحديبية عندما أرسل الرسل إلى الحكام، بل هو نجاشي آخر تولى الحكم بعد النجاشي الذي أرسل الرسول ﷺ له رسالة مع الحكام الآخرين، والروايات في هذا الموضوع في البخاري ومسلم، وقد وهم من ظن النجاشي الذي أسلم أنه هو نجاشي الحبشة الذي هاجر إليه المسلمون من مكة، أو أنه النجاشي الذي أرسل الرسول ﷺ إليه عمرو بن أمية الضمري بعد الحديبية، والروايات في ذلك التي تعارض ما في البخاري ومسلم تُردّ، وأما الأدلة على ما ذكرناه آنفاً فنذكر منها:

أخرج مسلم عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى»، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ.

وأخرج الترمذي عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ قَبْلَ مَوْتِهِ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ» وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ. وقال "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

وواضح من حديث مسلم والترمذي النص على أن النجاشي الذي أسلم وصلى عليه الرسول ﷺ ليس هو النجاشي الذي أرسل الرسول إليه رسائله مع الحكام الآخرين.

ب- حيث إن الرسول ﷺ أرسل الرسائل للحكام بعد رجوعه ﷺ من الحديبية أي بعد ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، وحيث إن هذا النجاشي الذي أسلم ليس هو النجاشي الذي أرسل الرسول ﷺ إليه مع الحكام الآخرين، بل هو نجاشي بعده، فيكون تولى الحكم نحو السنة السابعة للهجرة.

ج- ولأن أبا هريرة كان مع الرسول ﷺ في صلاته على النجاشي الذي أسلم كما هو في أحاديث الصلاة على النجاشي، ومعروف أن أبا هريرة بعد أن أسلم قد وفد إلى المدينة مع وفد دوس في نحو سبعين أو ثمانين وفيهم أبو هريرة وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ. وخيبر كانت في السنة السابعة للهجرة، وهذا يعني أن النجاشي الذي أسلم قد استلم حكم الحبشة في نحو السابعة للهجرة وتوفي في السابعة للهجرة، أي لم يمكث سوى أيام أو أشهر قليلة.

د- لقد كان أهل الحبشة في ذلك الوقت كفارا على دين النصرانية، وحاكمهم النجاشي أسلم سراً دون أن يعلموا، بل دون أن يعلم أحد، حتى إن الرسول ﷺ، قد عَلم عن وفاة النجاشي بالوحي، ومفهوم الأحاديث في الصلاة عليه يدل على ذلك. أخرج البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعاً». وفي رواية أخرى: «نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ»، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ». فالنعي في اليوم الذي مات فيه، والنجاشي في الحبشة والرسول ﷺ في المدينة، فهو يعني أن الخبر كان بالوحي أي أنهم لم يكونوا يعلمون بموته.

هـ- وعليه فإن حالة النجاشي لا تنطبق هنا، فهو أسلم سراً، وقومه كفار، وتوفي بعد وقت قصير، ولم يعرف أحد بإسلامه إلا رسول الله ﷺ بالوحي، فلا تنطبق هذه الحالة على مشاركة المسلم المعروف بإسلامه في الحكم بغير ما أنزل الله، والقائلون بأنها تنطبق ليس لهم دليل، ولا حتى شبهة دليل.

الجزء الثاني

الجزء الثالث

الجزء الرابع

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حامد عبد العزيز

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو