مفهوم العصمة
مفهوم العصمة

إنّ موضوع العصمة هو واحد من المواضيع التي عنيت بها الثقافة الإسلامية. وسنتكلّم من خلال هذا البحث عن مفهوم العصمة وتعريفها لغةً واصطلاحاً وعلى ماذا تدل.

0:00 0:00
السرعة:
April 27, 2021

مفهوم العصمة

مفهوم العصمة

إنّ موضوع العصمة هو واحد من المواضيع التي عنيت بها الثقافة الإسلامية. وسنتكلّم من خلال هذا البحث عن مفهوم العصمة وتعريفها لغةً واصطلاحاً وعلى ماذا تدل.

خلق الله تعالى الأنبياء عليهم ‌السلام الذين هم صفوة البشر، على الفطرة السليمة وقد هيأ لهم نشأة أعدهم بها لتحمل أمانة دعوة الخلق إلى التوحيد والعمل الصالح، ولذلك اختصُّوا بصفات دون غيرِهم من البشر ومن هذه الصفات العصمة فلا تصح نسبتها إلى غيرهم مطلقا لتحقيق مقْصود النبوَّة والرِّسالة، والاعتقاد بعصمتهم من لوازم الإيمان بهم فحين يُقال إن العقيدة الإسلامية هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيرهما وشرهما من الله تعالى، لا يعني أنه لا يوجد غيرها أشياء يجب الاعتقاد بها، بل يعني أن هذه هي الأساس وأن هناك أفكاراً أخرى تتعلق بالعقيدة منها عصمة الأنبياء، وهي داخلة تحت الإيمان بالأنبياء، والكفر بها كفر بالرسالة التي جاء بها النبي، وبالنبوة التي بعث بها.

لقد تعدّدت التعاريف التي عرضها المتكلّمون حول مسألة العصمة لغة واصطلاحا. فالعصمة في لغة العرب جاءت بمعنى الوقاية والمنع والحفظ، وأما اصطلاحا فقد أجمع كثير من المتكلّمين على تفسير العصمة بـاللطف الإلهي أو التوفيق الإلهي الذي تفضّل به الله تعالى على بعض عباده فعصمهم من خلاله عن ارتكاب الذنوب وترك الطاعات مع قدرتهم على ذلك.

وعلى هذا فكل نبي ورسول معصوم عن الخطأ في التبليغ، فهو لا يخطئ فيما يخبر عن الله تعالى ولا ينسى شيئاً مما أوحاه الله إليه إلا شيئاً أراد الله أن ينسيه إياه ولا يكتم منه شيئاً ولا يزيد عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3] وقال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى: 6] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: 44] وتكفَّل بأن يجمعه له في صدره؛ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [الأعلى: 16]

أما ما ورد عنه من المعاريض الموهم ظاهرُها خلاف باطنها فجائز ورودُها منه في الأمور الدنيويَّة. لا سيَّما لقصد المصلحة كتوريتِه عن وجه مغازيه لئلا يأخُذ العدو حذْره، وكان يمازح ويداعب أصحابَه لكي يطيب قلوبهم وليدخل المحبَّة والمسرَّة إلى نفوسهم ولكن لا يقول إلا حقّاً، كما أن الأنبياء والرسل معصومون عن الكبائر مثلما أنهم معصومون بالتبليغ عن الله. فلا يفعل كبيرة من الكبائر مطلقاً لأن فعل الكبيرة يعني ارتكاب المعصية فإذا تطرقت المعصية إلى الفعل تطرقت إلى التبليغ وهذا محال، ومما لا شكَّ فيه أنَّ الكبائر تحطُّ من قدْر العبد عند الله وعند الناس، والنَّبيُّ منزَّه عن كل ما يحطُّ قدره وينقص من منزلته، فكلّ أفعاله وأقواله تعدُّ تشريعاً تأخذ بها الأمَّة إلى قيام الساعة، أما العصمة عن الصغائر فإنه قد اختلف العلماء فيها والصحيح أنهم معصومون عن كل ما يسمى معصية ويصدق عليه أنه معصية وما عدا ذلك من المكروهات وترك والمندوبات وخلاف الأولى فهم غير معصومين عنه لأنه لا يتناقض مع النبوّة والرسالة، ولا يقال إن العصمة أمر غير اختياري وأن النبي مسير بها، فالمعصوم كغيره من الناس يفعل أعماله وأفعاله عن إرادة واختيار فهو ليس مضطرّاً إلى فعل الطاعات أو ترك المحرّمات بل يطيع الله تعالى بإرادته واختياره لكنّه لعلمه الكامل وتقواه يختار الطاعة ويترك المخالفة، فإن وجود الغرائز والحاجات المطلوب إشباعها ليست علّة تامّة وملازمة لارتكاب المعصية حتى نقول بالملازمة فليست العصمة مانعةً من القدرة على فعل القبيح.

ودليل عصمة الأنبياء دليل عقلي وليس دليلاً سمعياً لأن كونه نبياً أو رسولاً يحتم أنه معصوم في التبليغ عن الله وهي من الصفات التي يحتم العقل وجودها في كل نبي ورسول. إذ لو تطرق الاحتمال إلى إمكانية عدم العصمة في مسألة واحدة لتطرق الخلل إلى كل مسألة وحينئذ تنهار النبوة والرسالة كلها فالعصمة ثابتة للأنبياء وميَّزهم الله بها على سائر البشر حتى تتحقَّق حكمة التأسِّي بهم وإلاَّ كان الأخْذ عنهم كالأخذ عن غيرهم وبالتالي يمكن نسبة الخطأ أو الزيادة أو النقص في التَّشريع وهذا غير ممكن، إلا أن هذه العصمة للأنبياء والرسل إنما تكون بعد أن يصبح نبياً أو رسولاً بالوحي إليه، أما قبل النبوّة والرسالة فإنه يجوز عليهم ما يجوز على سائر البشر لأن العصمة هي للنبوة والرسالة، قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى﴾ [الضحى: 7] وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3] وقال تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52]

 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

فارس الفارس

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية العراق

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو