مفهوم الإنسانية لا يكتمل إلّا بالإسلام
مفهوم الإنسانية لا يكتمل إلّا بالإسلام

كثيرا ما يُتَّهمُ المسلم بالعدوانية والحقد على غير المسلمين وحمل ثقافة الكراهية لمن لا ينتمي لدينه وعقيدته ويُبرّر ذلك بعداء المسلمين للكفّار - وخاصة اليهود منهم - وحقده على الصليبيين والمشركين عبر كلّ العصور وصولا إلى الغرب الكافر وعلى رأسه أمريكا وأوروبا!  

0:00 0:00
السرعة:
May 23, 2019

مفهوم الإنسانية لا يكتمل إلّا بالإسلام

مفهوم الإنسانية لا يكتمل إلّا بالإسلام

كثيرا ما يُتَّهمُ المسلم بالعدوانية والحقد على غير المسلمين وحمل ثقافة الكراهية لمن لا ينتمي لدينه وعقيدته ويُبرّر ذلك بعداء المسلمين للكفّار - وخاصة اليهود منهم - وحقده على الصليبيين والمشركين عبر كلّ العصور وصولا إلى الغرب الكافر وعلى رأسه أمريكا وأوروبا!

لينبريَ فريق آخر للردّ على ما يعتبرها افتراءات فيرفع الشكّ بيقينه أنّ دين الإسلام هو دين المحبّة والسلام ولا يمكن لمسلم عرف دينه أن يكره ويحقد على البشر الذين يُشاركونه الإنسانيّة!

ويبقى السّجال طويلا بين فريقي الهجوم والدفاع، لتقييم شخصيّة المسلم وإعطاء علامة حسن سلوك أو سوء سلوك، وعرضه على اختبارات وتجارب وأسئلة الـ"مع أو ضدّ" لتقرير مصيره ووضعه في الخانة المناسبة له، فريق يُغالي في إدانة شخصيّة المسلم وينعته بالإرهابيّ والمتطرّف، وفريق يُسهب في تمييع شخصيّة المسلم وتذويبها ويصفه بالمسالم المتسامح...

ليُحسَمَ الجدال في الأخير لصالح من يصفون أنفسهم بالإصلاحييّن والعقلانيّين الذين يطالبون بأن يُترك الدين جانبا لأنّه لا يصلح أن يكون مقياسا لتقييم بني الإنسان وإلّا فتن بينهم وألحق الأذى، فليكُن فصل الدين عن الحياة هو الأساس، ومن شاء أن يمارس دينه فبمفرده وليس مع الجماعة لأن ما يربط هذه الجماعة هو مبدأ الإخاء والإنسانيّة وأما الدين فهو الذي يفرّق!

فهل يُمكن للمسلم وهو يعيش بأكمل الشرائع التي أتمّها الله وارتضاها لكل البشر أن يكون في موضع الدون والهوان؟ وهل يرضى لنفسه وهو يحمل خير دين وأعظم رسالة أن يكون محلّ تقييم واستفتاء وهو الذي جعله الله تعالى وسَطا في الناس وشهيدا عليهم يوم القيامة لأنه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟!

يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية الكريمة: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: 143] إنما حوّلناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسَط ها هنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبا ودارا، أي: خيرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبا. ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب. (انتهى)

فميزة المسلم أنّ علاقته بربّه وصلته به هي ما تُقوّي علاقته بأهله وبمحيطه وبالإنسانيّة كلّها، فكلّما زاد قرب المسلم لربّه استشعر عظمة هذه العقيدة التي يؤمن بها وعظم مسؤوليّته أمام ربّه وأمته والبشريّة جمعاء لبلوغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار لأنّه لا خير على الناس أعظم من الإيمان!

فأن تسجد سجدة بين يدي الله باكيا خاشعا متضرّعا حتّى يتبلّل وجهك من الدموع فتغسل قلبك وتشعر بعدها بهناء وسكون، لا يعرفه إلاّ المسلم!! وأن تعطي من مالك صدقة تؤثرها على نفسك فتبتسم وحدك ابتسامة في الخفاء وتشعر بطمأنينة ورضا لا يعرفها إلا المسلم!

وأن تبرّ بوالديك وتقبّل قدمي أمك وتطلب منها الرضا فتدعو لك بالخير، لا يعيش هذا الخير إلا المسلم! وأن تُسجن وتُعذّب وتُظلم من أجل هذا الدين لكنك تحتسب ذلك للّه وترجو عنده القبول وتفخر به، شعور لا يعرفه إلا المسلم!

وأن تقارع الحكام وتقوم عليهم رغم ضعفك وقلة حيلتك، عزّة لا يعرفها إلا المسلم! وأن تعمل لإحياء هذا الدين من جديد رغم التثبيط والتنكيل ورغم المآسي التي تحيط بك من كل جبهة، ثقة بالله عظيمة لا يعرفها إلا المسلم!

وأن تعيش بأحكام ربّك في الحكم والقضاء والاجتماع والاقتصاد فيتحقق الحق والعدل وتستقيم الحياة وتهنأ النفوس وتقرّ الأعين وتشرق الأرض بنور ربّها، فخر لا يعرفه إلا المسلم!

مواقف كثيرة نمرّ بها في حياتنا كمسلمين ومشاعر عظيمة وهناء وطمأنينة وسعادة محروم منها مليارات من الناس في هذا الكون، مشاعر تتجاوز الماديّة والانتفاع بالمأكل والملبس وإشباع الغرائز، هو شعور يتلخّص في سعادة كبيرة يُحققها العبد حينما يُرضي ربّه بشكل صحيح وسليم، وهذا ما يجهله غير المسلمين.

إنّ الأصل في المسلم أن يُحبّ الخير لنفسه ولغيره، ومن هنا كان دوره في حمل هذا الدين وتطبيقه والعيش به وإيصال هذه الرسالة للبشريّة جمعاء لتحقيق ذلك الخير وبلوغ تلك السعادة والطمأنينة، وهذا قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104] هذا الخير هو الإسلام! والإسلام فقط هو من حثّ المسلم أن يحمل تلك السعادة وذلك الرضا والخير لكلّ إنسان، وأن نُحبّ لكل الناس الهداية والصلاح والنجاة في الدنيا والآخرة ونشفق على غير المسلمين لما هم عليه من ضلال وشقاء، وحمل هذا الخير يكون بالدعوة والجهاد، بالصراع الفكري والكفاح السياسي، ببيان الباطل ومحاربة الكفر، برفع السلاح واستعمال القوة على من يناصبوننا العداء، ليُضحّي المسلم بحياته ويستشهد حتى ينقذ غيره من براثن الكفر.

من هنا فإن مفهوم الإنسانية لا يكتمل إلا بالإسلام الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور ويحمل الخير لكل البشر.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نسرين بوظافري

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو