مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة  الجزء الأول  أولاً: المبدئية عند الفرد
مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة  الجزء الأول  أولاً: المبدئية عند الفرد

أحدٌ أحدْ أحدٌ أحدْ، كلمات صرخ بها سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه لتعبر عما هو مدفون في وجدانه وفكره رغم أنه كان يسبح في عكس تيار فكر قريش الكافرة. وهنا تتجلى عظمة الموقف والثبات على الحق وما نسميه بالمبدأ، نعم إنه المبدأ الذي تتحلى به النفوس المؤمنة الواعية الصابرة التقية الشجاعة، فيا ترى ما هو المبدأ؟ وكيف يكون حاله عند الفرد والكتلة والدولة؟

0:00 0:00
السرعة:
August 26, 2019

مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة الجزء الأول أولاً: المبدئية عند الفرد

مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة

الجزء الأول

أولاً: المبدئية عند الفرد

أحدٌ أحدْ أحدٌ أحدْ، كلمات صرخ بها سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه لتعبر عما هو مدفون في وجدانه وفكره رغم أنه كان يسبح في عكس تيار فكر قريش الكافرة. وهنا تتجلى عظمة الموقف والثبات على الحق وما نسميه بالمبدأ، نعم إنه المبدأ الذي تتحلى به النفوس المؤمنة الواعية الصابرة التقية الشجاعة، فيا ترى ما هو المبدأ؟ وكيف يكون حاله عند الفرد والكتلة والدولة؟

المبدأ لغة من مصدر ابتداء وهو بيان حقيقة الوجود في أي شيء فهو مصدر الشيء ومصيره، وما يقع علينا حسه هو الوجود، فهو مصدره ومصير بدء هذا الوجود والصلة به، أي الفكرة الشاملة للوجود وما ينبثق عنها من أنظمة للحياة؛ ولذلك ترادف كلمة المبدأ الفكرة الشاملة وأنظمتها، أي العقيدة ومعالجاتها، أي الفكرة التي في المبدأ وهي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة وعما قبلها وما بعدها وعن علاقة القبل بالبعد، ثم الطريقة التي تنفذ أجندة وبرنامج هذا المبدأ وهي طريقة تنفيذ الفكرة، أي أن المبدأ هو فكرة كلية ينبثق عنها نظام، أي النقطة الأولى التي ينطلق منها تفكير الإنسان ويحدد من خلالها الصواب والخطأ، وهذا المبدأ إما أن يكون موضوعاً من إنسان أو من خالق هذا الإنسان وهو الله تعالى، ويخطر على بالنا سؤال ما هو الصحيح هل هو المبدأ الذي تفتق عنه عقل الإنسان العاجز الناقص كما هو حاله في الرأسمالية والاشتراكية، أم المبدأ الذي أنزله الله عز وجل خالق الوجود؟

لا شك أن المبدأ الذي من صنع الإنسان هو مبدأ باطل لأنه من إنسان ناقص وعاجز ومحتاج إلى غيره وهذا الغير هو الله الكامل الفرد الصمد الذي لا شك أن مبدأه حق وشامل لا يعتريه أي نقص أو بطلان، ولذلك كان بلال ورفقاؤه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مثالا يحتذى به وأنموذجا للمبدئية التي تجلت بهم وقنعت بها عقولهم وسكنت لها أفئدتهم فبذلوا في سبيلها الغالي والنفيس، فضحوا بالنفس والمال والولد...

ففي المال تبرع أبو بكر الصديق بماله كله، وعثمان بن عفان جهز بماله جيش العسرة، وصهيب أبو يحيى افتدى دينه بماله مقابل أن يظفر بدينه...

أما النفس فها هو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يفتدي روحه من أجل رسول الله e عندما نام على فراشه الطاهر وهو في مقتبل شبابه، وكذلك حال صحابة رسول الله حينما يفدون بأرواحهم الإسلام ورسوله ودولته في المعارك وفي غيرها...

أما الولد فقد فدت الخنساء تماضر بنت عمرو السلمية الإسلام بأولادها الأربعة وقالت مقولتها الشهيرة التي سطرها الله عنده ليوفّيها هي وأولادها خير الجزاء فقالت "الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم وإني أرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته بلقائهم قريبا"، وكذلك فداء عكرمة بن أبي جهل ومعه 50 رجلاً في معركة اليرموك بعملية نقول عنها اليوم استشهادية يقتحمون جحافل الروم...

أما النساء فقد خيّر الأنصار المهاجرين باختيار واحدة من أزواجهم ﴿الَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾، ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.

نعم إنها البطولة والشجاعة التي تحققت في المبدأ والذي آمنت به العقول وتشربته القلوب فأصبح بركانا ثائرا يحرق كل فساد، فأين نحن اليوم من هذا المبدأ العظيم؟ فهل حال اليوم كحال الأمس؟

فها هو الموظف اليوم يسرق ويختلس ويرتشي ويبيع موقفه بدافع الجبن أو المصلحة بمجرد أن تبدل الحكم من حكم لآخر وينافق ويداهن ويداجي أصحاب السلطة الجدد دونما ثبات على الموقف، فأين وقع هذه الآيات مِنا اليوم ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾؟ فقد كان موقف هؤلاء الرجال واحداً في السراء والضراء وفي الترح والفرح والشقاء والسعادة وما بدلوا تبديلا؛ فالمسلم شجاع مبدئي يقول الحق ولا يخاف في الله لومة لائم، ثم إن من يتنازل ويجامل وينافق أصحاب النفوذ لم يعد بالنسبة لهم ذا شأن أو قيمة فهو مطية وجسر يمررون من خلاله كل مشاريعهم، فهو مطية لا شخصية له ولا مبدأ، فهو إمعة نبذ الإسلام، فكان حقا على الله أن يشقيه في الدنيا والآخرة، ولذلك نهى الإسلام أن يكون المسلم إمعة ولعبة بيد الآخرين بدون موقف واتجاه تحركه الرياح كيفما تشاء وأنى تشاء فلا وزن له! إن سياسة الالتواء واللف والدوران والتماشي والمسكنة والسير مع التيار محرم في الإسلام ويعبر عن حالة النفاق، ولذلك آن لهؤلاء سواء أكانوا دكاترة أو مدرسين أو أطباء أو عسكريين أو ضباط أو وزراء أو سياسيين أن يكون لهم موقف ومبدأ وليكن حالهم حال الصحابة رضوان الله عليهم.

إن الأمة إذا أرادت النهضة والنجاح فلا بد أن تزرع في عقول ونفوس أبنائها فكر الإسلام الذي زرعه محمد e في عقول ونفوس أصحابه فيتوفر لنا جيل كجيل الأمس؛ يحفه الإيمان بالمبدأ والشجاعة والتضحية والوعي والثقة بنصر الله تعالى.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الرحمن العامري – ولاية اليمن

لقراءة :

الجزء الثاني

الجزء الثالث

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو