مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة  الجزء الثالث  ثالثاً: المبدئية عند الدولة
مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة  الجزء الثالث  ثالثاً: المبدئية عند الدولة

أما المبدئية عند الدولة فتتمثل في أن الدولة تتبنى وتتخذ لها وجهة نظر في الحياة هي المبدأ الذي يتألف من عقيدة (الفكرة) ونظام (الطريقة)، فالدولة الإسلامية تكون فكرتها الأساسية هي عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، أما طريقتها في الحياة فهي تنفيذ أحكام الشرع التي انبثقت عن هذه العقيدة في كل جوانب الحياة دون استثناء، وليس كما هو واقعنا اليوم في دول بلاد المسلمين التي تتخذ الرأسمالية فكرا وطريقا لها،

0:00 0:00
السرعة:
August 26, 2019

مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة الجزء الثالث ثالثاً: المبدئية عند الدولة

مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة

الجزء الثالث

ثالثاً: المبدئية عند الدولة

أما المبدئية عند الدولة فتتمثل في أن الدولة تتبنى وتتخذ لها وجهة نظر في الحياة هي المبدأ الذي يتألف من عقيدة (الفكرة) ونظام (الطريقة)، فالدولة الإسلامية تكون فكرتها الأساسية هي عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، أما طريقتها في الحياة فهي تنفيذ أحكام الشرع التي انبثقت عن هذه العقيدة في كل جوانب الحياة دون استثناء، وليس كما هو واقعنا اليوم في دول بلاد المسلمين التي تتخذ الرأسمالية فكرا وطريقا لها، منهجا لها في الحياة، والأصل أن تتخذ الإسلام منهج حياة ومشروع نهضة ودستورا وقانونا وتنفيذا في أرض الواقع فتطبق الإسلام في الداخل وتحمله للخارج بالدعوة والجهاد وتقيم علاقاتها مع الخارج على أساس سياسة الإسلام وأحكامه.

ويتبنى الخليفة أحكاما شرعية تصبح قانونا ودستورا، ولا يتبنى في العبادات ما عدا الجهاد والزكاة، وليس كما تفعل إيران التي تتبنى المذهب الجعفري وهذا خطأ محض لأنه يترك المسلمين وما يذهبون إليه من مذهب، لأنها أحكام شرعية ظنية وليست قطعية، فرأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، ويُترك أهل الذمة في الاعتقاد والطعام والزواج، ويتبنى الخليفة كل ما يوحد بلاد المسلمين ويضمها في كيان واحد ضمن ولايات وداخلها عمالات، لا كما هو حالنا اليوم قِطع ومِزق والله يقول: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾، ولا يوجد تمييز بين الرعية في الحكم والقضاء ورعاية الشؤون بغض النظر عن اللون والدين والعنصر والجنسية والجنس والمذهب، وينفَّذ الإسلام على الجميع مسلمين وغير مسلمين، لا كما حالنا اليوم العنصرية حسب اللون والجنسية والدين والمذهب كما يحدث في بلاد المسلمين وبلاد الغرب.

والأدلة المعتبرة هي الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس الشرعي ولا محل للعقل وللمصلحة أو غيرها في التشريع كما هو الحال عند بعض الأحزاب، فلا تشريع إلا من قرآن وسنة، والأدلة الأربعة السابقة هي التي يهتدى من خلالها على قرآن وسنة. كذلك الأصل في النفس البشرية براءة الذمة فلا يعاقب أحد إلا بحكم محكمة ولا يجوز تعذيب أحد مطلقا ومن يفعل ذلك يعاقب، لا كما يحدث اليوم من سجن وتعذيب بأشد أنواع العذاب بدون محاكمة أو دليل على جرم فحتى لو ارتكب جريمة لا يعذب بل يعاقب بعقوبة حددها الإسلام، وليس كما في سجون بشار الطاغية في سوريا ومصر وأوزبيكستان والسعودية والعراق وغيرها من بلاد المسلمين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾.

ونظام الحكم الخلافة وليس نظاما اتحاديا أو جمهوريا أو ملكيا، وهو النظام الذي استمر قرابة 13 قرنا السيادة فيه للشرع وليس للشعب، والسلطان للأمة فمن حقها تعيين الخليفة ووجوب وحدتها في دولة واحدة ولخليفتها الحق في تبني رأي شرعي يصبح قانونا يلزم به الجميع، لا قانونا وضعيا من وضع بشر من مجلس النواب الذي يشرع ويسن القوانين، وليس الله عز وجل.

والقضاء ثلاثة؛ قضاء فصل الخصومات بين الناس وقضاء الحسبة وقضاء المظالم الذي يفصل الخصومات والمظالم بين الحكام والرعية، لا كما هو اليوم محاكم التمييز والاستئناف.

أما الإعلام فهو يبنى على أساس بناء مجتمع إسلامي قوي متماسك لعرض الإسلام في السلم والحرب عرضا يبين عظمته وقوته وعدله وقوة جنده ويبين فساد الرأسمالية وجورها، لا كما اليوم يعرض فكر الغرب وحضارته الزائفة والفاسدة وحياة التبرج والتبذل للمرأة وخروجها للشارع ومنافستها للرجال فيما حرمه الله، وكذلك إبراز الإعلام لحياة المجون والخلاعة وضرب الإسلام وأفكاره وإظهاره بأنه متخلف ورجعي.

ومجلس الأمة وليس مجلس النواب والذي يعد وسيطا بين الرعية والحكام لحل مشاكل الأمة والوقوف على حاجاتها لا كمجلس النواب اليوم الذي يجعل من نفسه إلهاً يشرع ويسن القوانين والدستور ويعزل الحاكم ويعين الحكومة ويعزلها ويسن المعاهدات والاتفاقيات... وهذه جلها غير جائزة.

وكذلك الحال في النظام الاجتماعي الذي يجعل من المرأة الأم والأخت والزوجة والبنت عرضا وجوهرة واجب صونها والحفاظ عليها من أي خدش يصيبها، فهي المدرسة التي إن أُعدّت أُعِدَ شعبا طيب الأعراق، ولذلك تجد اليوم الهجمة الشرسة على المرأة لجعلها فاسدة الفكر والمشاعر فتنشئ جيلا فاسدا فكرا ومشاعر وسلوكا، فأين مبدئية الدولة في فصل الرجال عن النساء في كل مناحي الحياة باستثناء الحج والبيع والتجارة والصناعة والزراعة والعقود والمعاملات ووظائف الدولة والحياة العامة والقضاء عدا قضاء المظالم لأنه من الحكم وحسب أحكام الشرع وما نص عليه فلا يجوز أن تكون خليفة أو واليا أو عاملا، فلا تجوز حياة الاختلاط في المدارس والجامعات والمعاهد وأماكن العمل فلا بد من الفصل إلا ما أحله الشرع.

أما النظام الاقتصادي فنظرة الدولة للاقتصاد لا بد أن تكون في إشباع حاجات الناس هدفا وأساسا بحيث تشبع حاجات الفرد الأساسية فردا فردا ثم الكمالية، لا كما هو اليوم من تطبيق الاقتصاد الرأسمالي المتوحش الذي لا يلقي بالا للفرد بل لمال الفرد ولا قيمة عنده سوى القيمة المادية، أما القيم الإنسانية والخلقية والروحية فلا تساوي شيئا، فهو يوفر السلع والخدمات في السوق ومن يستطيع الشراء يشتري ومن لا يستطيع فليأكل من القمامة! كما أنه لا يوجد لديه شيء اسمه ملكية عامة كالبترول والكهرباء والمياه والبحار والأنهار والهواء فهذه تكون ملكا للدولة أو للأفراد وهذا محرم في الإسلام لأنها ملكية عامة إضافة إلى وجود الملكية الفردية وملكية الدولة. وتقوم الرأسمالية النهمة بشراء الملكية العامة والدولة لصالح الملكية الفردية بما يسمى الخصخصة وبالتالي استغلال الرعية والعمل على إفقارهم بدفعهم لشركات الكهرباء والمياه والتلفون والنفط مبالغ باهظة بسبب رفع أصحابها لأسعار سلعها.

وأين المبدئية اليوم من الزراعة والتي تعد بلاد المسلمين من أفضل الأجواء للزراعة ولكن بسبب ضغوط الاستعمار وتبعية حكام المسلمين منعوا الزراعة وجعلوا الأراضي قاحلة وأهلها فقراء كما في السودان ومصر وغيرها وهذا مقصود وهو قرار سياسي متعمد فلا مصدر للماء ولا عون في الاستصلاح ولا حفر آبار، وسقي الأراضي الزراعية من ماء المجاري الذي جلب آلاف الأمراض والأوبئة، وعدم حكم قانون الزراعة الإسلامي الذي منه زراعة المزراع للأرض الزراعية خلال 3 سنوات بعد توفير كل الإمكانيات له فإن لم يفعل تصادر وتعطى لغيره، وكذلك منع إجارة الأرض للزراعة أو المزارعة بل للمساقاة فهو جائز. وكذلك جباية الزكاة من المسلمين والجزية من أهل الذمة والتي باتت معطلة اليوم.

كذلك التعليم الذي يبنى على أساس العقيدة الإسلامية فتوضع المواد الدراسية وطرق التدريس على أساسه بحيث تكون شخصية إسلامية تتميز بعقلية ونفسية إسلامية وليست رأسمالية منفعية مصلحية كما هو اليوم ويمنع كل الثقافات التي تخالف أحكام الإسلام ولا يمنع ما ليس من الحضارة والمدنية الخاصة فلا تمنع العلوم؛ الكيمياء والفيزياء والرياضيات وغيرها بل تفرض وواجب دراستها للعمل على إعداد الأمة إعدادا يليق بها لتكون في مقدمة الأمم ومصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ والعلم من هذه القوة فتوفر مواد الدراسة كالقرآن وعلومه والتفسير وعلم الحديث والتوحيد والعقيدة والفقه وأصوله والسيرة بحيث يتم إنشاء جيش وجيل من المجتهدين، ويمنع كل ما هو محرم من العلوم والصناعات والفنون وتوفر الجامعات والمعاهد والمختبرات ومراكز الأبحاث والدراسات والمكتبات وتوفر المهن كالزراعة والصناعة والملاحة والتجارة فينشأ آلاف من المتعلمين والمثقفين الذين يتوفر فيهم جانبان؛ جانب تقوى الله ومخافته ثم إفادة الأمة والعالم إلى كل خير وسلام.

أما السياسة فتقوم على رعاية شؤون الأمة داخليا وخارجيا وتكون من قبل الدولة والأمة؛ فالدولة تباشر هذه الرعاية عمليا والأمة تحاسب الدولة بها، لا كما اليوم. فأين الرعاية اليوم في بلاد المسلمين من قبل الدولة فهي جباية وليست رعاية في الضرائب وغلاء الأسعار والظلم والقهر والاستعباد... كما أين هي الأمة أفرادا وأحزابا لتحاسب الحكام؟ فقد فرض الجبن والخوف والجهل نفسه عليهم وهذا لا يجوز، كما أنه لا يجوز اتصال أي حزب أو فرد أو كتلة أو جماعة مع أي دولة أجنبية والعلاقة تكون فقط بين الدولة والدولة وعلى أساس الإسلام لا كما هو اليوم علاقة تبعية وعمالة وخيانة لله ورسوله فلا مناورات سياسية لأن المناورة تكون عند الدولة التي تأخذ قرارها من ذاتها لا من الخارج.

ثم أين المبدئية عند الدولة اليوم من حمل الإسلام للخارج فهو رسالة وفرض وشهادة محاسبة أمة محمد عليها أفرادا وأحزابا ودولة، ثم أين المبدئية في دول اليوم من المعاهدات الاقتصادية والتجارية وحسن الجوار والثقافية والتي هي خاضعة لأحكام غير الإسلام فهي اتفاقيات ومعاهدات جائرة وظالمة لأمة الإسلام وتكشف حالة من التبعية والذل والهوان والسرقة لمقدرات الأمة؛ اتفاقيات النفط في الخليج وغيره والقواعد العسكرية التي في بلاد المسلمين في تركيا وقطر والسعودية والعراق والكويت والبحرين والبحر الأحمر والبحر العربي والخليج فهي ليست اتفاقيات بل احتلال، أما المعاهدات الثقافية فهي معاهدات استشراق وجلب أفكار وثقافات غربية محرمة لبلاد المسلمين من قبل المستشرقين، واستغراب بإرسال بعثات سياسية ودبلوماسية خارجية ترجع لتقود البلاد بثقافة الغرب المخالفة لثقافة الإسلام، أضف إليها الثقافة والأفكار التي تبثها البرامج المستوردة مع هذه المعاهدات.

وأين المبدئية عند دول بلاد المسلمين والتي تقيم علاقات وتطبع مع كيان يهود المجرم والمحتل لفلسطين سواء الخليج قاطبة أو مصر أو الأردن أو لبنان الذي عقد اتفاقية بينه وبين كيان يهود بالخفاء بإيقاف الحرب أو السلطة الفلسطينية الخائنة أو تركيا التي تقيم علاقات ومناورات عسكرية معه وتجعل من أراضيها قواعد أمريكية كقاعدة إنجرليك وقواعد أخرى صغيرة وتساعد كيان يهود بإطفاء النيران له بإرسال طائرات تقوم بالمهمة قبل سنوات فهل هذه مبدئية؟ وأين المبدئية في قَسَم رئيس تركيا اليمين في حفاظه على النظام العلماني؟ وأين مبدئيته في خذلانه لأهل سوريا وعدم تحريرها من طاغيتها الأسد؟ فها هو يطرد أهل سوريا، فقرابة 6000 لاجئ نازح هربوا إليه يطردهم هذا المجرم ولكن هذه الأيام هي الكاشفة الفاضحة تفضح عملاء الغرب، فأين وعوده لحماية أهل سوريا وأنه لن يسمح بحماة ثانية فأين المبدئية في هذا كله؟؟؟ ورغم أنه يرسل جيشه لقتال الأكراد فهل ثقل عليه الأمر ليحرر سوريا ويضمها إليه ويعلنها خلافة على منهاج النبوة أم هي التبعية والعمالة لأمريكا؟

أما إيران فحدث ولا حرج! فأين المبدئية في تبعيتها لأمريكا فهي البعبع الذي يفجع الخليج ليسهل على أمريكا ابتزازه وإذا كانت هناك قوة لدى إيران ومبدئية وإخلاص لله فكان الأجدر بها أن تحكم بالإسلام دون مذهبية وتضم الخليج لها وتحارب الأمريكان وحينها ستجد كل المسلمين ينضمون تحت لوائها ولكنها للأسف الخيانة. وأين هي من المبدئية عندما تقابل وتصافح وتجري علاقات واتفاقيات مع عدوة الله ورسوله روسيا المجرمة، روسيا بوتين التي قتلت مسلمي الشيشان أليس هؤلاء مسلمين؟ فأين هي من وامعتصماه؟ وأين هي من كوسوفو أمام المجرمين الصرب؟ وأين هي مما يدور في بورما؟ أليست هي مسؤولة عن هؤلاء المساكين الذي يذبحون ذبح الأضاحي ويحرقون فيصبحون رمادا؟ أين إيران المستقوية بتبعيتها لأمريكا من قتالها جنبا إلى جنب مع العراقيين والأمريكيين ضد (داعش) فهل يصح أن تجتمع راية أمريكا وإيران معا؟ رغم شعاراتها الموت لأمريكا وأمريكا الشيطان الأكبر؟ ثم أين المبدئية في إيران حينما تستقبل المجرم وزير خارجية عمان بن علوي الذي ذهب قبل أشهر لزيارة كيان يهود؟ ثم أين المبدئية في إيران وهي ترسل جيشها الحرس الثوري للقتال مع المجرم بشار ولا ترسله لقتال كيان يهود رغم أن سوريا وفلسطين على الحدود؟ وأين المبدئية في فرعون تونس الهالك قايد السبسي الذي تبجح بكل وقاحة وقال "المساواة في الإرث وأنه حسمنا أمرنا فيه ولا بد من تغيير مجلة الأحوال الشخصية ولا علاقة لنا لا بالدين ولا بالقرآن ولا بالآيات القرآنية ونحن نتعامل مع الدستور الذي أحكامه آمرة ونحن دولة مدنية والقول بأن مرجعية تونس مرجعية دينية هو خطأ وخطأ"، نعم هذه هي المبدئية بالفعل ولكن ليست مبدئية الإسلام بل مبدئية الرأسمالية العلمانية التي فصلت الدين عن الحياة، فأي فاحشة هذه وأي كذب هذا وأي تبعية هذه وأي انقياد وانبطاح هذا؟ إنها لا شك المبدئية اللاإسلامية مبدأ الكفر والبعد عن الله وقوانينه... وعلى من يبرر ويدافع ويركن لهذه الأنظمة في بلاد المسلمين فإن الله سيحشره مع هؤلاء الظلمة إن كان يدافع عنهم ويبرر لهم، قال العزيز الجبار المنتقم: ﴿هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ اللهم لطفك اللهم لطفك. هذا هو جزاء اللامبدئيين جهنم، قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاء وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾.

إن على الأمة اليوم أفرادا وأحزابا ودولة أن تتقي الله وتجعل مقياسها في الحياة مبدأها وهو الإسلام الذي نزل على سيدنا محمد e فهو المنجي والمنقذ لا غير فتجعله مسألة مصيرية؛ حياة أو موتاً، وتتخذ منه عقيدة ونظاما فكرا وطريقا لها فتفوز بعز الدنيا وحسن ثواب الآخرة وتنهض الأمة بعد انحطاط وصهوة بعد كبوة وسمو بعد دنو ورضا بعد سخط وسعادة بعد شقاء... قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الرحمن العامري – ولاية اليمن

لقراءة :

الجزء الأول

الجزء الثاني

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو