مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة  الجزء الثاني  ثانياً: المبدئية عند الحزب
مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة  الجزء الثاني  ثانياً: المبدئية عند الحزب

أما المبدئية في الأحزاب فهي عظيمة وتعد حجر زاوية بل أساساً ولبنة في تغيير الواقع، وهذا ما دأب عليه رسول الله ﷺ حينما غير واقعه من واقع الكفر إلى واقع الإسلام؛ فقد أنشأ كتلة بعد البعثة ليبلغ جوهر هذه البعثة وهي رسالة الإسلام ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾

0:00 0:00
السرعة:
August 26, 2019

مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة الجزء الثاني ثانياً: المبدئية عند الحزب

مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة

الجزء الثاني

ثانياً: المبدئية عند الحزب

أما المبدئية في الأحزاب فهي عظيمة وتعد حجر زاوية بل أساساً ولبنة في تغيير الواقع، وهذا ما دأب عليه رسول الله ﷺ حينما غير واقعه من واقع الكفر إلى واقع الإسلام؛ فقد أنشأ كتلة بعد البعثة ليبلغ جوهر هذه البعثة وهي رسالة الإسلام ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ فَشَرَّبَ ﷺ هذه الرسالة لعقول وأفئدة صحابته فقوى عقيدتهم عقيدة الرزق والأجل والقضاء والقدر، وثقفها بفكر الإسلام، وقوى نفسيتها بالطاعات والصلاة والاستغفار والتفكر في مخلوقات الله في السماوات والأرض، وعَمِدَ على تقوية رابطها بالإسلام والثبات على مبدئه دون خوف ومجاملة ونفاق ومداهنة ومداجنة ومواربة ومحاباة ومحايدة.

فحينما بعث الله نبيه ﷺ برسالة الإسلام وبدأ يهاجم أفكار ومعتقدات قريش الباطلة ويسفه أحلامهم ويعيب آلهتهم ويضرب بأفكار الإسلام المنبثقة من القرآن والسنة عقائدَ الكفر ويهز فكرهم ومشاعرهم بدأوا يكيلون له كل عداء وكل حقد ومكر باتهامه تارة بأنه شاعر وتارة بأنه كاهن وتارة بأنه ساحر وتارة بأنه مجنون، ثم بالإشاعات والتشويه والدعايات الكاذبة، ثم بالترغيب بالمال والملك والجاه والنساء، والترهيب بالقتل وتدبير محاولات لذلك، فلم يفلح ذلك كله أمام حصنه وسده المنيع ألا هو مبدأ الإسلام الذي كان في دمه هو وصحابته، فهكذا كانت كتلة رسول الله ﷺ بنياناً مرصوصاً وجسداً واحداً.

لذلك كان حزب رسول الله ﷺ حزبا مبدئيا فكان قدوة خير الاقتداء وكان صحابته خير الأتباع لا الابتداع كما تفعل أحزاب اليوم والتي تفتقد في أفكارها للصفاء والنقاء والوضوح والغشاوة في الفكرة والارتجال في الطريقة، لتسلك طريقا مخالفا لطريقة الرسول ﷺ في التغيير، وهذا ما أدى إلى تبنيها فكرا مخالفا لفكر الإسلام كالتدرج والوسطية الرأسمالية التي تميع بين الحق والباطل وتتلون وتتشكل حسب الواقع، والرضىا بالأفكار الرأسمالية في الاقتصاد كالبنوك التي تسمى إسلامية والجمعيات التعاونية والشركات المساهمة، وفي الحكم الجمهورية ومنها الديمقراطية ومجلس النواب، وفي القضاء محاكم التمييز والاستئناف، وفي النظام الاجتماعي الزواج المدني والعادات المحرمة... فهذا كله مخالف لفكر الإسلام، فتسلكه الجماعات بحجج الظروف والضغوط والاضطرار والتوفيق بين الإسلام والرأسمالية وأنه يوافق الإسلام بفتاوى لا دليل عليها، فأين المبدئية في هذا كله؟!

وأين المبدئية حينما يتحالف حزب مع آخر يدين بأفكار تخالف الإسلام بحجة المصلحة وبحجة الحصول على مقاعد في البرلمان الباطل شرعا؟!

وأين المبدئية في قبول هذه الأحزاب بهذه الدول التي وضعتها سايكس بيكو بعد تقطيع أوصال الخلافة العثمانية إلى مزق والتي تحكم واقعنا اليوم بنظام علماني رأسمالي بدول جمهورية وأخرى ملكية؟! ويزيد البلاء بلاء إضفاء شرعية على هذه الدول ودستورها أنه إسلامي من هذه الأحزاب وهو لا شك بأنه علماني مستورد من فرنسا لبلاد المسلمين...

وأين المبدئية في هذه الأحزاب التي تجري مقابلات وحوارات ونقاشات مع سفراء ورؤساء ومسؤولي الدول الكافرة المحاربة كروسيا وأمريكا وفرنسا وبريطانيا لتملي على هذه الأحزاب شروطها واقتراحاتها وضغوطاتها وإملاءاتها لتسير في مخططاته؟!

وأين المبدئية في عدم محاسبتها للحاكم وللدولة وكلمة الحق على عدم تطبيق الإسلام وأحكامه في كل مناحي الحياة ومن تبعية الدول للغرب؟! وأين محاسبة الأحزاب للدولة في الفقر والظلم والفساد؟ فهل كان رسول الله ﷺ كذلك؟! ألم ينتقد ﷺ قريش على فكرها ومعتقدها الكافر وعاداتها واقتصادها ونظام اجتماعها ونظام حكمها وظلمها للفقراء؟ ثم ألم يتأذَّ عمر بن الخطاب من بلال بن رباح ويقول مقولته "اللهم اكفني بلالاً وصحبه" من كثرة محاسبة بلال لأمير المؤمنين عمر؟

ثم أين أحزاب اليوم من كشف المؤامرات التي تحاك ضد الأمة من حكامها وحكام الغرب كما كان يفعل ذلك رسول الله ﷺ عندما كشف مؤامرات قريش عليه وعلى صحابته (حزبه)؟ مثلا كشفه لعددهم في غزوة بدر عندما ذبحوا ما بين 9 إلى 10 من النوق فعلم بعددهم أنهم ما بين التسعمائة إلى الألف، ثم إن القرآن كشف له واقع حكام قريش أنهم ليسوا أبناء أصل ففضح الوليد بن المغيرة ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ وذلك بعد إعراضهم عن دين الله و﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾...

ثم أين المبدئية في اشتراك هذه الأحزاب في الحكم غير الإسلامي وتقسيم المناصب عليها؟! فهل اشترك رسول الله ﷺ عندما كان حزبا هو وصحابته بحكم قريش رغم إغراءاتها له ولصحابته من مال وجاه وسلطان ونساء مقابل تخليه عن مبدئه في الوقت الذي تتخلى فيه أحزاب اليوم عن مبدأ الإسلام وعدم الحكم به مقابل حفنة من الدولارات وفتات الدنيا والمال القذر؟

ثم أين المبدئية فيمن يجزئ الأمة على أساس مذهبي وطائفي بدعوى أن هؤلاء آل رسول الله ﷺ وهؤلاء ليسوا من آله؟! فهل ميز الإسلام آل رسول الله ﷺ عن الأمة وجعلهم ميزان الأفضلية أم كان ميزان الأفضلية هو التقوى؟ رغم أن هذه الفكرة لو كانت صحيحة تضرب الإسلام وتجعله عنصريا تمييزيا يفضل جماعة على جماعة رغم أن رسول الله ﷺ ذاته الذي يدعي هؤلاء أنهم من بيته وآله قال مقالته «وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» فلم يقل رسول الله ﷺ أنها معذورة بل جعلها كباقي الأمة ولم يخصها وهذا هو عدل الإسلام الذي تَعْبُرْ له المُقَلْ وتخشع له القلوب وتبهت له العقول. وأين هذه الأحزاب من قول الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وقول الرسول ﷺ: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى»؟

وأين المبدئية في الأحزاب التي تقر وتذعن وتطيع من يحكم بغير ما أنزل الله وتجعله وليا للأمر وما هو بذلك؟ فأين تطبيقه للإسلام؟ وأين بيعته على ذلك؟ ولم تقم هذه الأحزاب بنصحه بل تجامله وتنافق له ولم توجهه لمشروع الإسلام وقانونه ودستوره في الحياة... وأين المبدئية في الأحزاب اليوم عندما يكون هدفها الوصول للسلطة على حساب الدين حيث لم تنشر فكر الإسلام الصحيح ولم تكوّن له رأيا عاما حوله؟ وأين هي من وصولها للسلطة هل تصل عبر الديمقراطية، رغم وصولها، وهو غير صحيح وغير مجد ولا نافع، لأنها لم تتسلم زمام الأمر ورأس الحكم إلا بصورة شكلية... فالحكم للنظام السابق لأن القوة ليست بيد الضيف الجديد بل للدولة العميقة فلن تتمكن من استلام الحكم إلا بأمرين أولهما: الوصول للرأي العام المنبثق عن وعي عام حول الفكرة التي يروج لها الحزب، وثانيا: أهل القوة تكون في يد الحزب لا بشرائه بل بقناعته لأن من تشتريه اليوم حتما غدا يبيعك، وهذان الشرطان هما من طريقة الرسول في وصوله للحكم.

إن المبدئية عند الحزب ليست شعارا أو كلمة بل سلوك وفعل وعمل وموقف يَقِرُّ في القلب ويُصدَّق بالعمل، فهل سلكت هذه الأحزاب درب المبدئية بحق في تثقيف أفرادها بثقافة الإسلام الصحيحة وليس الرأسمالية؟ وهل رسمت لها طريقة التغيير الصحيحة طريقة الرسول ﷺ وليس طريقة الديمقراطية الرأسمالية؟ وهل دعت لأحكام الإسلام ولأفكاره والعمل لإقامة دولته دولة الخلافة الراشدة بطريقة الإسلام وهي إيجاد الكتلة وتثقيفها بثقاقة الإسلام ثم التفاعل ونشر الفكرة وخوضها الصراع الفكري والكفاح السياسي بدون أي عمل مادي ثم استلام الحكم عبر أهل النصرة والقوة والمنعة من الجيش والقبائل والأمة؟

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الرحمن العامري – ولاية اليمن

لقراءة الجزء :

الجزء الأول

الجزء الثالث

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو