محكمة الجنائية الدولية ذراع من أذرع أوروبا لتنفيذ أهدافها السياسية
June 27, 2021

محكمة الجنائية الدولية ذراع من أذرع أوروبا لتنفيذ أهدافها السياسية

محكمة الجنائية الدولية ذراع من أذرع أوروبا لتنفيذ أهدافها السياسية

وصلت المدعي العام للمحكمة الجنائية فاتو بنسودا والوفد المرافق لها إلى مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، وأكدت إيمانها بأن العدالة ستتحقق حال مثول المتهمين أمام المحكمة وتأتي هذه الزيارة ضمن جولة وفد المحكمة لإقليم دارفور والتي بدأت بمدينة الفاشر، وكان في استقبالها في مطار نيالا وفد.

وقالت بنسودا إن المحكمة ظلت تتطلع لهذه الزيارة منذ سبعة عشر عاما، وأضافت بأن هذه الزيارة الهدف منها التأكيد على وصول محققي الادعاء في وقت قريب للتحقيق في كل قضايا انتهاك حقوق الإنسان ولمناقشة الحكومة الحالية في تنفيذ أوامر القبض التي لم تنفذ بعد. (سونا، 2021/5/31)، ومن جهة أخرى كشف مسؤول سوداني رفيع، عن أن السلطات السودانية وافقت على تسليم قياديين إخوانيين إلى المحكمة الجنائية الدولية. وأشار المسؤول السوداني لـ"العين الإخبارية" - الذي فضل عدم ذكر اسمه - إلى أن الحكومة وافقت على تسليم أحمد هارون مساعد الرئيس المعزول عمر البشير، والإخواني جعفر عبد الحكم للمحكمة الجنائية الدولية.

يأتي ذلك بعد أيام من مطالبة مدعية الجنائية الدولية فاتو بنسودا، لحكومة الخرطوم بضرورة تسليمها وزير الداخلية السابق أحمد هارون، لارتباطه بملف قضية زعيم مليشيا علي كوشيب الذي تجري محاكمته في لاهاي حالياً، وقال المسؤول السوداني، إن التحقيقات مع المتهم علي كوشيب، أظهرت أيضاً أدلة كافية ضد الإخواني جعفر عبد الحكم بالاشتراك معه في جرائم حرب ضد الإنسانية في دارفور. وأضاف أن السلطات ألقت القبض على جعفر عبد الحكم في أحراش دارفور قبل يومين، وشرعت في نقله إلى الخرطوم تمهيدا لترحيله إلى لاهاي بمعية أحمد هارون لمحاكمتهما. واهمٌ كل الوهم من يظن مجرد ظن أن مثل هذه الهيئات الكفرية يمكن أن يجد فيها عدالة، فإن المحاكم والهيئات الدولية المنبثقة عن هيئة الأمم، أو اللجان المتفرعة عنها أو المستندة لقوانينها هي أدوات بيد المستعمرين والمتنفذين في الساحة الدولية لتكريس النظام العالمي الذي صممته للحفاظ على مصالحها واستعمارها واستعبادها للشعوب ونهب ثرواتها، ووضعت لذلك القوانين وأدوات التنفيذ والمحاكم الدولية، سواء أكانت محكمة العدل أم الجنائية الدولية لتكون حارسة على ذلك النظام العالمي الرأسمالي الاستعماري التصميم والفكرة.

وهي تتعامل مع مجرمي الحرب على حسب أوامر أسيادها فتغض طرفها عمن تشاء وتدين من تشاء، ومن جهة ثانية هي ليست لها الولاية على كل الدول بل على دول معينة حسب أوامر أسيادهم، وتصريح نتنياهو خير دليل على ذلك. فقد أوردت ص.ش/أ.ح (أ ف ب، رويترز) تصريحاً على لسان نتنياهو في 2021/4/8 قال فيه "(إسرائيل) لن تتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية"، وسبق أن اعتبر نتنياهو قرار المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق حول "جرائم حرب" في الأراضي الفلسطينية "يعكس جوهر معاداة السامية" لكن البيان الصادر عنه الآن هو الأول الذي تعلن فيه دولة يهود صراحة أنها لن تتعاون مع المحكمة، فقد أعلنت رسميا أنها لن تتعاون مع تحقيق تجريه المحكمة الجنائية الدولية بشأن جرائم حرب قد تكون ارتكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقال رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو الخميس الثامن من نيسان/أبريل 2021 إن دولته ستبلغ المحكمة الجنائية الدولية بأنها لا تعترف بسلطة المحكمة، التي تعتزم التحقيق في جرائم حرب محتملة في الأراضي الفلسطينية. وقال نتنياهو بعد اجتماع مع كبار الوزراء والمسؤولين الحكوميين قبيل انقضاء مهلة للرد على خطاب إخطار من المحكمة إن دولته لن تتعاون مع المحكمة لكنها سترسل ردا. وأضاف في بيان "سيتم توضيح أن (إسرائيل) دولة لديها سيادة قانون وتعرف كيف تحقق بنفسها". وسيقول الرد أيضا إنها "ترفض رفضا تاما" التأكيد على أنها كانت ترتكب أي جرائم حرب.

ودولة يهود ليست طرفا في نظام روما الأساسي الذي قامت عليه المحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي فهي ليست طرفا في المحكمة. وهذه دلالة واضحة على سيادة هذه المحكمة المنقوصة وهي هيئة سياسية من الدرجة الأولى، وإلا فأين هي هذه المحكمة الجنائية من جرائم أمريكا التي أباد حكامها أهل العراق وأفغانستان، أمريكا التي لها اليد الطولى في كل جريمة على وجه الأرض؟ فهل خضع أحد حكامها إلى عقوبة المحكمة الجنائية؟ وأين هي من روسيا كذلك التي تمارس وحشية منقطعة النظير في سوريا واستعمالها الأسلحة البيولوجية المحرمة دوليا؟ وأين هي من جرائم السيسي فرعون مصر الذي قتل المسلمين ركعا وسجدا في ميدان التحرير ورابعة العدوية؟ وأين هي من الإعدامات التي ينفذها كيف شاء ومتى شاء بدون حسيب ولا رقيب؟ فلا عدل عند مثل هذه المحاكم الكفرية ففاقد الشيء لا يعطيه، فكيف بمحكمة ينشد عندها العدل وهي تقوم على أساس النظام الرأسمالي الظالم؟!

ونقول للذين يسارعون إلى التحاكم إلى هذه المحكمة التي تقوم على أساس الكفر قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً﴾ فلا عدل إلا في نظام الإسلام نظام رب العالمين الذي سمى نفسه العدل. وحقيقة العدل في الإسلام، أنّه ميزان الله على الأرض، به يُؤْخَذُ للضعيف حَقُّه، ويُنْصَفُ المظلومُ ممن ظلمه، ويُمَكَّن صاحب الحقِّ من الوصول إلى حَقِّه من أقرب الطرق وأيسرها، وهو واحد من القيم التي تنبثق من عقيدة الإسلام في مجتمعه؛ فلجميع الناس في مجتمع الإسلام على اختلاف أديانهم ومللهم ومذاهبهم وأفكارهم حَقُّ العدالة وحقُّ الاطمئنان إليها حتى جعل القرآنُ إقامةَ القسط، أي العدل بين الناس هو هدفاً من أهداف الرسالات السماوية كلها، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، قال ابن كثير: "لا يحملنَّكم بُغْض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كُلِّ أَحَدٍ؛ صديقاً كان أو عدواً".

فالنّاس جميعاً في نظر القضاء الإسلامي سواسية، الحاكم والمحكوم، الرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، المسلم والنصراني واليهودي، فلقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس أو اللون أو النسب أو الطبقة، أو الدين، أو المذهب، كلهم أمام القضاء سواء، فالعدل لا يتجزأ، ولا يوجد أحد فوق المساءلة، أو فوق القضاء مهما علت مرتبته، وجاءت ممارسة الفاروق لهذا المبدأ خير شاهد، ففي موطأ الإمام مالك بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ، فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ، فَقَضَى لَهُ"، كما نجده طبّق بنفسه حد القذف على صحابي، ولم يعفه من تطبيق الحد عليه لكونه صحابياً، وعندما جاءه مال فجعل يقسمه بين الناس، فازدحموا عليه، فأقبل سعد بن أبي وقاص يزاحم الناس، حتى خلص إليه، فعلاه بالدّرّة وقال: "إنّك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض، فأحببت أن أعلمك أنّ سلطان الله لن يهابك". فلم يؤثره على الآخرين باعتباره أحد العشرة المبشرين بالجنة، وفاتح العراق ومدائن كسرى.

وإذا استعرضنا تاريخ الحكام المسلمين لوجدنا حياتهم مملوءة بالأمثلة الناضرة وضرب القدوة الفذة في تحقيق العدالة، قال أبو بكر في خطبته الأولى التي تعد بحق بمثابة دستور حكمه: "ولقد وليت عليكم ولست بخيركم.. الضعيف فيكم قوى عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه". وجاء رسول كسرى ورأى عمر بن الخطاب أمامه يحكي أروع الطمأنينة للحاكم العادل، وقال قولته الخالدة: "حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر". وتاريخ عمر كله سجل كامل للعدالة مع نفسه وفي بيته وفي مجتمع المسلمين، والفاروق الثاني، عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه... وهكذا كان ولاة المسلمين العدل عندهم أساس الحكم، لا فرق بين حاكم ومحكوم، وبذلك كانت دفة الأمور العامة في الدولة تأخذ طريقها دوما نحو شاطئ الاستقرار والطمأنينة.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الخالق عبدون علي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو