March 05, 2014

مهرجان طبول السلام! فاقد الشيء لا يعطيه

أكدت وزيرة الرعاية والضمان الاجتماعي مشاعر الدولب على أهمية دور الحكامات في نشر ثقافة السلام ونبذ العنف والاقتتال، مشيرة إلى اهتمامها ورعايتها بقضايا الحكّامات ودورهن في مسيرة السلام والاستقرار، وذلك في مخاطبتها اليوم الختامي لورشة الحكامات بالسودان (مهرجان طبول السلام) التي نظمها مركز المرأة للسلام والتنمية بعنوان: (نبذ العنف ونشر ثقافة السلام) تحت شعار: (حكامات السودان سفيرات السلام) وأطلقت الوزيرة على الحكَّامات صانعات السلام، وتسلمت وثيقة منهن بنبذ العنف وأعلنت عن قيام اتحاد قومي بكل ولايات السودان للحكامات. (موقع وزارة الرعاية والضمان الاجتماعي 2014/2/23).


حروب مستعرة في كل مكان، يُقتل الأبرياء دون غاية نبيلة، يتناحر فيها الناس، بل تنزع الإنسانية منهم وهم يتهافتون على الانتقام من شخص أعزل بكل ما يمتلكون من قوة، في شيء تأباه الفطرة، سالت الدماء بحوراً، فما أشبه الأيام بداحس والغبراء؛ التي امتدت أربعين عاما وسببها رهان بين فرسين لزعيمي العشيرتين فاستعرت الحرب وسالت الدماء، وما أشبه الأجواء العامة اليوم في مجتمعاتنا بأيامهم وكل من هب ودب يبحث عمّا يميزه عن غيره، لون أو لسان أو حتى عرق أو وطن، فصار الكثير من الناس يعتز بتلك العصبية، ويرى أنها قضيته التي يفنى دونها ويقدم أغلى ما يملك قرباناً لها فأوجد ذلك صراعا ما زال يموت بسببه بنو آدم في كل مكان.


السودان مثل غيره في هذه الأجواء ينام الناس ويستيقظون منذ وجود بلد بهذا الاسم الذي هو العصبية بعينها كتب الدكتور/ حسن الفاتح قريب الله بمجلة الثقافة السودانية، العدد-16 بتاريخ ديسمبر 1980م، تحت عنوان: (السودان بين الوصفية والاسمية)، لون شعب هذا الوادي واختلاف سحنته عن سواه، ومقابلته بشرته، هو الذي أكسبه الوصف بالسودان.


ومن هذه العصبية تولدت عصبيات داخل العصبية فصار سكان كل جهة يسمون بها وبأصلهم يعتزون (شمالي جنوبي غرباوي أدروب)، هذا بالإضافة إلى الجهل بأحكام الدين الحنيف، والظلم الناتج عن الأنظمة الرأسمالية المتعاقبة، مما دفع الناس للتسلح وامتهان الحروب لنيل الحقوق، والعدو الكافر اللعين يراقب بذرته (فرق تسد) التي وضعها، وهي تثمر فيسقيها ويرعاها ويسهر لتقديم كل ما يبقيها لأنه يعلم بأن هذا ما يبقيه الأقوى، ينهب الثروات والناس مشغولون عنه بالتصارع، فكانت المعونات والدعم الغربي بالسلاح والعتاد الحربي والمشورة مع عدم وجود حكم رشيد يعتق الناس من براثن العصبية ويعدل بينهم فيحقن دماءهم.


غرب السودان تتعاظم العصبية فيه، فهو أرض بها أصول مختلفة، ومع الجهل فقد أصبح من العادة وجود تقاليد الرقص والغناء بقيادة سيدة تعرف بالحكّامة، وأهم أشعار الحكامات تلك القصائد التي يفخرن فيها بالأهل والعشيرة ويمجدن فيها الآباء والإخوان والأجداد والثأر، كما كان يحدث في الجاهلية... وتقول خديجة حماد، إحدى الحكّامات إن الفخر بالآباء هو أحد أهم القضايا وتقدم أنموذجا من قصائدها في أبيها قائلة:


(أبوي ألا حمد والحماد الغالي ما رخيص
أبوي ركاب بنات سعدان «بنات سعدان هي الخيل» وفراش فروة الريف
أبوي الأسد الزنيف كان لقى العدو منو ما بقيف.)


وتقول في الفخر بأجدادها:


(جدودي فراس ولكن الدنيا زائلة
ظعينا سايرة من الضحى حتى القايلة.
وتقول حليمة: أنت يا أبوي البحر
مع القدرك مفرهد ذي نونية الدهر
أنت كأس الحنظل كان شموه أتبعثر
أنت كوكب شنقة في البطون اتحدر
أبوي في الحرب الأولى ما قبل أبوي وش الرجال اتقبل
أبوي أسد الكوكة على البداوة هضلل)


وللحكامة سلطة على القبيلة إذا تتبعناها نجدها تتجاوز حدود الغناء فقط.. وهذه السلطة تستخدم أغلب الأحيان في التحريض على القتل والسلب.. مثل أن تقول الحكامة شرطًا، أنها تريد رأس فارس القبيلة الفلانية... وبالتالي لا بد من تنفيذ هذا الشرط وإلا لوجد جميع الرجال أنفسهم أمام حالة خيبة.. وكذلك طلب الحكامة ثورًا من بقر القبيلة الفلانية وهذه الطلبات عادة ما تؤدي لحروب طويلة.


والحكامات هن نساء ذوات مكانة إعلامية عالية في مجتمع غرب السودان الريفي في مناطق دارفور وكردفان. وهن أنموذج للإعلاميات الشعبيات على غرار ما في الوطن العربي. فالحكامة هي التي تضع قوانين وأسس المجتمع في الأخلاق والكرم والشجاعة والجود فتمدح هذا وتذم ذلك على أسس نابعة من التقاليد والأعراف، وهي التي تثير الحروب بين قبائل المنطقة أو توقفها من خلال الأشعار والأهازيج والأقوال المرتجلة التي تنطق بها. وتجد الحكامة احترام كل أفراد القبيلة والمجتمع ويتقرب إليها كبار العشيرة حتى تتحدث بمفاخرهم وتذيعها في القبيلة والقبائل المجاورة التي تتناقل ما تقوله الحكامات.


والحكامات أيضا يحفظن عن ظهر قلب ما جرى بالقبيلة وتاريخها وسير أبطالها... ترويها في أفراحهم وأتراحهم... وهي التي تخلد سيرة موتاهم بقصائد يتغنى بها الناس. ومع وجود منظمات الأمومة والطفولة في غرب السودان استخدمت الحكامات كإعلاميات لمحاربة زواج الصغيرات والختان وغيره من أجندة هذه المنظمات، كما حوكمت إحداهن في محكمة جرائم دارفور بسبب ما قالته من أشعار أوجد اقتتالا راح ضحيته الكثيرين على أيدي ما يسمى بالجنجويد.


والحكامات في غرب السودان أنموذج للإعلاميات الشعبيات، بل لهن أثر أكبر وأعظم من الإعلام الرسمي بالمنطقة، ما جعل الحكومة تعمل على استغلالهن في تنفيذ سياساتها بالمنطقة لذلك كان احتضانهن من قبل الحكومة وتقديم الدعم لهن، بل أصبحن تعقد معهن اللقاءات في الفضائيات لنشر ثقافتهن.


إن سبب كل هذه المشاكل واحد، هو عدم تطبيق شرع الله الذي به وحده يعم السلام والأمن والأخوة الخالصة التي لا يعكر صفوها عصبية جاهلية.


إن المطلع على تاريخ الإسلام يرى روائع تقف شامخة تشهد على عظمة دين الله وقوته في النفوس، حين يتملكها، فيتحول الناس إلى إخوة متحابين في الله، بعد أن كانوا أعداء. قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾، "الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْن قُلُوبهمْ﴾ وَجَمَعَ بَيْن قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الأَوْس وَالْخَزْرَج بَعْد التَّفَرُّق وَالتَّشَتُّت عَلَى دِينه الْحَقّ، فَصَيَّرَهُمْ بِهِ جَمِيعًا بَعْد أَنْ كَانُوا أَشْتَاتًا، وَإِخْوَانًا بَعْد أَنْ كَانُوا أَعْدَاء. وَقَوْله: ﴿لَوْ أَنْفَقْت مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مَا أَلَّفْت بَيْن قُلُوبهمْ﴾، يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ أَنْفَقْت يَا مُحَمَّد مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْ ذَهَب وَوَرِق وَعَرَض، مَا جَمَعْت أَنْتَ بَيْن قُلُوبهمْ بِحِيَلِك، وَلَكِنَّ اللَّه جَمَعَهَا عَلَى الْهُدَى، فَائْتَلَفَتْ وَاجْتَمَعَتْ تَقْوِيَة مِنْ اللَّه لَك وتَأْيِيدًا مِنْهُ وَمَعُونَة عَلَى عَدُوّك. يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاَلَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ وَسَبَّبَهُ لَك حَتَّى صَارُوا لَك أَعْوَانًا وَأَنْصَارًا وَيَدًا وَاحِدَة عَلَى مَنْ بَغَاك سُوءًا هُوَ الَّذِي إِنْ رَامَ عَدُوّ مِنْك مَرَامًا يَكْفِيك كَيْده وَيَنْصُرك عَلَيْهِ، فَثِقْ بِهِ وَامْضِ لأَمْرِهِ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه". (الطبري)، فالألفة وعيش الناس في سلام ومحبة نتيجة حتمية لالتزام دين الله في حياتهم، وتطبيق أنظمة الإسلام كاملة فكان حقا على الله أن يجعلهم إخوة فهل نحن معتبرون!


إن أهل السودان مسلمون وإنْ غاب فهمهم لأحكامه تغيبا متعمداً، فلا بد هم راجعون إليها حيث ينصهرون مع غيرهم من الأمم والشعوب في بوتقة الإسلام، تاركين وراءهم عصبية جاهلية، ويكون ذلك حين نعتصم بحبل الله، قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103] فنحقق قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم أواب غادة عبد الجبار

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو