مراجعة في مسألة ثبوت شهر رمضان وشوال
May 12, 2022

مراجعة في مسألة ثبوت شهر رمضان وشوال

مراجعة في مسألة ثبوت شهر رمضان وشوال


مسألة ثبوت شهر الصيام وثبوت يوم العيد لها نواح فقهية عدة لا بد من أخذها بعين الاعتبار:


1- قرار الثبوت هو قرار إثبات وليس قرار نفي
2- قرار الثبوت هو قرار للقاضي الشرعي الذي له صلاحية البت في الأحكام
3- لا يقضي القاضي بعلمه إنما يقضي بالبينة
4- ثبوت شهر الصيام والعيد مسألة تتعلق بعبادة. ومسائل العبادة توقيفية من الله عز وجل.
5- العبادات وما يتعلق بها من مسائل لا تعلل وبالتالي لا يقاس عليها ولا تقاس على غيرها.


هذه الأمور لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار حين بحث المسألة الشرعية المتعلقة بثبوت رمضان أو العيد.


وبالتالي فإن المسألة تتلخص بما يلي:


1- مع نهاية اليوم التاسع والعشرين من شعبان لا بد من العمل على مراقبة ظهور هلال شهر رمضان بناء على حديث رسول الله ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْماً»، يعني: عُدُّوا شعبانَ ثلاثين. وفي حديث آخر «إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ ولَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وهَكَذَا. يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وعِشْرِينَ، ومَرَّةً ثَلَاثِينَ». فالأصل في الشهر أنه 29 يوما ولكن لا ينتهي الشهر بمجرد وصول عدد أيامه 29 يوما لقول الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث «لَا نَكْتُبُ ولَا نَحْسُبُ» ولكن «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» أي لرؤية الهلال.


2- وهذا يعني أن الشروع برؤية الهلال مساء يوم 29 شعبان ومساء يوم 29 رمضان هو فرض لأنها تعلقت بفرض الصيام وفرض الانتهاء من الصيام وعيد الفطر. إلا أن هذا الفرض على الكفاية وليس على كل فرد. فلا يجوز أبدا أن لا تشرع الأمة لمراقبة هلال رمضان يوم التاسع والعشرين من شعبان وأن تبذل الوسع في ذلك. سواء قال الفلك إن الهلال لم يتولد بعد أو أنه لا يزال ضئيل الإضاءة أو أن هناك ضبابا أو غيوما أو دخانا في فضاء الغروب. فالأمر بالظهور لمشاهدة الهلال ليس معللا ولا مشروطا ولا متعلقا إلا ببلوغ الشهر المنصرم 29 يوما.


3- أما بالنسبة لما ورد في الحديث قوله ﷺ «لَا نَكْتُبُ ولَا نَحْسُبُ» فليس معنى هذا أننا لا نعرف الكتابة والحساب بل على العكس من ذلك "إننا نعرف كيف نكتب ونحسب ولكننا لا نبدأ الصيام لمجرد أننا حسبنا عدد أيام شعبان فإن وصلت 29 صمنا". فنص الحديث يدل على أنه يلزم عد أيام الشهر حتى إذا وصلت 29 يوما فلا بد من الشروع بمراقبة هلال الشهر التالي فإن تمت رؤية الهلال دخلنا فيه إما رمضان وإما شوال.


والكتابة والحساب كانت شائعة بين العرب وغيرهم، ومعرفة مواقع النجوم وحركة الكواكب كانت معروفة وليست حكرا على أمة دون أمة. بل إن العرب وغيرهم كانوا يعرفون مواقع النجوم وحركة الكواكب ومنازل القمر كما دلت على ذلك الآيات الكريمة ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ كما أن الحديث بين أنه في حال وجود ما يحول دون رؤية الهلال فنكمل العدة «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْماً» (والعدة هنا هي العد وهو من الحساب). أي أن رسول الله سمح بالحساب في حال تعذر الرؤية بسبب وجود حائل يحول دون الرؤية على أن يتم الحساب 30 يوما. وهذا توقيفي أي أننا نقف عند هذا القول.


4- أما أن العبادات لا تعلل، فإننا نفهم من ذلك أن لا نلتمس علة لطلب رسول الله لنا بالشروع لرؤية الهلال مع نهاية يوم 29 شعبان أو 29 رمضان. فالأمر ليس معللا، والعبادات في الأصل لا تعلل ولا يلتمس لها علة؛ فهي توقيفية من الله تعالى هكذا أرادها. فلا يجوز أن يقال إننا نشرع لمراقبة الهلال فقط إذا كان الهلال قد خرج من منزلة المحاق وقت غياب الشمس أو بعد ولادته بعشر ساعات مثلا. فهذا الشرط عقلي ولا يصح أن يدخل في عبادة لا على سبيل الشرط المطلق ولا على سبيل الشرط المفهم وهو ما يصطلح عليه بالعلة. فالعبادة لا تعلل ولا يلتمس لها علة. ومراقبة هلال رمضان أو هلال شوال عبادة لأنه تعلق بعبادة الصوم.


أما قوله «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْماً» أي أكملوا العدة 30 يوما في حال تعذر الرؤية، فهذا واقع حال من شرع للرؤية من المسلمين، ولم يتمكن من رؤية الهلال الموجود في السماء لسبب يحول دون الرؤية «غُمَّ عَلَيْكُمْ». فمفهوم النص بقوله «غُمَّ عَلَيْكُمْ» أي أن هناك هلال لم تتمكنوا من رؤيته. أو أنه لا يوجد هلال في السماء بعد، فالمطلوب منكم أيها المسلمون أن تتموا الشهر الحالي 30 يوما. فهذه الحالة بينة للغاية في أن الرؤية هي المعتبرة بغض النظر عن أي شيء آخر. فلو قال أحدهم إنه حسب تقدير الحساب الفلكي فإن الهلال قد تولد منذ أكثر من 20 ساعة مثلا، وهو قابل للرؤية في أفق المغرب أو موريتانيا مثلا، ولكن الأفق كثيف الغبار أو الضباب أو الغيم، فلا يمكن رؤيته لا بالعين ولا بالتلسكوب، أي أنه غم على من حاول أن يشاهده، فلا يقال هنا إنه وجب اعتماد وجود الهلال في الأفق فينبغي البدء بالصوم أو البدء بالفطر؛ وذلك لأن الحديث حدد الإجراء في مثل هذه الحالة «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْماً».


5- إن حديث الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق برؤية هلال رمضان وشوال هو طلب إثبات وليس طلب نفي. ما يعني أن الموضوع هنا هو إثبات دخول الشهر الجديد وليس نفي دخوله. فالمسألة هي مسألة إثبات رؤية هلال رمضان، وليس نفي انتهاء شهر شعبان. والفرق بينهما هو أن القاضي يطلب البينة على دخول الشهر من أجل البدء بالصوم أو إنهاء الصوم من خلال طلب البينة على رؤية الهلال. وبينة إثبات الحدث هي غير بينة نفيه. من هنا كان لا بد من إدراك أن مسألة الدخول في الصوم هي مسألة إثبات رؤية الهلال، وليس نفي وجود الهلال في السماء. أما البينة من حيث هي فهي حكم شرعي كأي حكم آخر، لا بد لها من دليل يدل على أنها هي البينة المعتبرة في هذه المسألة (راجع كتاب أحكام البينات للشيخ أحمد الداعور). فمثلا لا يصح للقاضي أن يطلب 4 شهود لإثبات واقعة زواج أو طلاق، أو شاهدين على واقعة زنا، أو أن يشترط في إثبات الدين الشهود دون الكتابة وهكذا. أما البينة المعتبرة شرعا لإثبات هلال رمضان أو شوال فهي شهادة شاهدين (أو واحد عند البعض). ولا يجوز للقاضي أن يعتمد أي بينة أخرى، فكما قلنا إن العبادة توقيفية وأدلتها توقيفية سواء العبادة نفسها أم ما يتعلق بها من سبب ورخصة وغيرها... من هنا لا يحق للقاضي أن يعتبر الحساب الفلكي بينة على إثبات وجود الهلال. أما استخدام الحساب الفلكي على نفي وجود الهلال فقد قلنا إن مسألة شهري رمضان وشوال هي مسألة إثبات وليست مسألة نفي.


6- إن مسألة إثبات رؤية الهلال عند القاضي تتعلق بأمرين: الأول أن الرؤية تكون مع نهاية يوم التاسع والعشرين من الشهر ولا ينظر في أي رؤية أو الادعاء بها قبل ذلك كأن يدعي شخص يوم الثامن والعشرين من شعبان أنه رأى الهلال. فلا ينظر القاضي في هذه المسألة. ولا يقال هنا إنه قد يكون هناك خطأ في بداية شهر شعبان. لأنه إن كان هناك خطأ كأن يكون قد تأخر الدخول في شعبان بسبب غم هلاله أول الشهر، فإن هذا الأمر لا بد أن يتم الفصل به قبل نهاية شهر شعبان وبالتالي فإن تصحيح بداية ونهاية شهر شعبان لا بد أن تكون قد حصلت. وبناء عليه فإن التاسع والعشرين من شعبان الذي استقر عليه رأي القضاء يكون معلوما ولا يجوز أن يتأخر لآخر يوم. والحاصل أن القاضي لا ينظر في أي رؤية قبل نهاية يوم التاسع والعشرين من رمضان.


7- أما الأمر الثاني فهو مسألة إثبات حصول الرؤية، فهي متعلقة بالبينة وهي شهادة شاهدين أو شاهد واحد عند البعض. وهنا تأتي أهمية القاعدة التي تقول إن القاضي لا يقضي بعلمه وإنما يقضي بالبينة (وينسب هذا الرأي إلى الإمام مالك والإمام الشافعي، وهو قول مشهور للإمام أحمد، ورأي المتأخرين من الحنفية)، بمعنى أن القاضي على فرض أنه كان عالما في الفلك وأوصله علمه الفلكي أو علمه بأحوال الطقس إلى استحالة الرؤية يوم التاسع والعشرين في مكان محدد، ولكن جاءه من يشهد أنه رأى الهلال، فماذا يصنع؟ هل يعتمد على علمه ويرد شهادة الشاهد أم يبذل جهده في تقييم البينة القائمة على الشهادة؟ فالقاضي هنا يحصر عمله بالبينة لقبولها أو ردها. وقبول شهادة الشاهد أو ردها هي من أحكام البينات والتي تتعلق بالجرح والتعديل، ومن حيث ذات البينة ومناطها. فلو أن شاهدا تبين أن في عينيه ضعفاً ولا يستطيع رؤية الأجسام البعيدة مثلا، فللقاضي أن يرد شهادته لأنها تتعلق بالنظر، أو أن الشاهد حدد مكان رؤية الهلال في جهة غير الجهة التي يكون فيها الهلال كأن قال إنه رأى الهلال في الأفق الغربي، أو أن الشاهد كان في حالة مضطربة مثيرة للغضب (فينطبق عليه ما ينطبق على القاضي؛ لا يقضي وهو غضبان) أو أي من الأمور المتعلقة بأهلية الشاهد. ولكن لا يجوز للقاضي أن يرد شهادة الشاهد بناء على علم القاضي الفلكي بأن الهلال لحظة الغروب لم تكن له إضاءة كافية من الشمس تمكن من رؤيته، أو أن الجو كان مغبرا فلا تتأتى الرؤية، أو أن هناك حالة كسوف للقمر فلا يمكن الرؤية، وفي مثل هذه الحالات التي يختلف فيها علم القاضي عن واقع البينات المقدمة من الشهود، يمكن للقاضي أن لا يحكم في المسألة ويتركها لغيره من القضاة، ولكنه لا يقدم علمه على البينة المعروضة أمامه.


8- هذه هي أهم الأمور المتعلقة بإثبات رؤية هلال رمضان وهلال شوال. وهنا لا بد أن أتطرق لمسألة وحدة المسلمين في صيامهم وفطرهم، فقد جرب المسلمون في مختلف أنحاء العالم الآراء المختلفة في هذه القضية وأغلب هذه المحاولات كانت ترمي لتوحيد المسلمين يوم صيامهم وفطرهم، ولكن الواقع أنها جميعها لم تتمكن من جمع المسلمين على يوم واحد سواء الآراء المتعلقة بوحدة المطالع أو اختلافها، أو المتعلقة بالحساب الفلكي لمولد الهلال وحدوث الاقتران، أو المتعلقة برؤية الشاهدين ولزومها لغيرهما. والسبب الرئيس في ذلك هو غياب الإمام العام وراعي الأمة وخليفتها، والذي يقطع برأيه الخلاف، وتجب طاعته، ويوحد المسلمين على رأي واحد؛ ما يعني أن وجود الإمام العام للمسلمين والراعي الحقيقي خليفة المسلمين واجب وفرض لا تتحقق كثير من الفروض إلا بوجوده وحكمه. وإعلان دخول رمضان والانتهاء منه بدخول العيد واحدة من هذه الفروض. وقد صدق من قال إن الخلافة هي أم الفرائض.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. محمد ملكاوي

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو