مسألة رؤية الهلال واحدة لجميع الأمة
مسألة رؤية الهلال واحدة لجميع الأمة

أما رؤية الهلال فهي محل خلاف، فذهب علماء الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن رؤية واحدة في أي أرض أو أي منطقة لغروب الشمس (مَطْلَع) تكفي لجميع الأقطار، وخالف بعض علماء الشافعية هذا الرأي في اختلاف المطالِع، ولكن ليس كل علماء الشافعية يخالفونهم، تقبل الله من جميع العلماء ما قالوا.

0:00 0:00
السرعة:
March 01, 2025

مسألة رؤية الهلال واحدة لجميع الأمة

مسألة رؤية الهلال واحدة لجميع الأمة

(مترجم)

أما رؤية الهلال فهي محل خلاف، فذهب علماء الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن رؤية واحدة في أي أرض أو أي منطقة لغروب الشمس (مَطْلَع) تكفي لجميع الأقطار، وخالف بعض علماء الشافعية هذا الرأي في اختلاف المطالِع، ولكن ليس كل علماء الشافعية يخالفونهم، تقبل الله من جميع العلماء ما قالوا.

ومن الجدير بالذكر أن أحداً من العلماء القدماء لم يعتبر الحدود القومية أو القبلية أو العنصرية أقاليم في هذه المسألة، فالأمة الإسلامية أمة واحدة لا تفرقها أعراق ولا لغات، ولا تبالي بالحدود الاستعمارية التي فرقتنا وأضعفتنا أمام أعدائنا.

1- أما دخول شهر رمضان ويوم العيد، أول شوال، فقد قال رسول الله ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَان ثَلَاثِينَ». رواه البخاري ومسلم

إن تحقيق المناط هو الأساس لمعرفة الحكم الشرعي في أي مسألة، فحقيقة بداية أي شهر هجري تكون بعد ولادة الهلال، وهي السبب الشرعي المؤدي إلى العبادات، كالصيام والحج وزكاة الفطر والعيد وغير ذلك. والحقيقة أن الهلال له ولادة واحدة، كحدث واحد، للعالم أجمع، ثم نسعى إلى رؤيتها بالبصر.

وفي اللغة فإن الحديث الشريف يدل على جميع المسلمين أينما كانوا، والأمر (صوموا) عام يشمل جميع المسلمين في جميع أقطار الأرض، و(لرؤيته) عام أيضاً، فهي كل رؤية وليست رؤية قوم معينين في بلد معين.

جاء في شرح رياض الصالحين (يعني أنه يجب على المسلمين أن يصوموا إذا رأوا الهلال، هلال رمضان، فإن لم يروه فلا صيام عليهم).

2- وجاء في "الفقه على المذاهب الأربعة" (إذا ثبتت رؤية الهلال بقطر من الأقطار وجب الصوم على سائر الأقطار، لا فرق بين القريب من جهة الثبوت والبعيد إذا بلغهم من طريق موجب للصوم. ولا عبرة باختلاف مطلع الهلال مطلقاً، عند ثلاثة من الأئمة).

جاء في "الموسوعة الفقهية" (ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول عند الشافعية، إلى عدم اعتبار اختلاف المطالع في إثبات شهر رمضان، فإذا ثبتت رؤية هلال رمضان في بلد، لزم الصوم جميع المسلمين في جميع البلاد، وذلك لقوله ﷺ، صوموا لرؤيته وهو خطاب للأمة كافة. والأصح عند الشافعية اعتبار اختلاف المطالع).

3- أما الشافعية فقد جاء في "الفقه على المذاهب الأربعة" (أما الشافعية فقالوا، إذا ثبتت رؤية الهلال في جهة وجب على أهل الجهة القريبة منها من كل ناحية أن يصوموا بناء على هذا الثبوت، والقرب يحصل باتحاد المطلع، بأن يكون بينهما أقل من أربعة وعشرين فرسخاً تحديداً، أما أهل الجهة البعيدة فلا يجب عليهم الصوم بهذه الرؤية لاختلاف المطلع). وأربعة وعشرون فرسخاً تساوي 120 كم.

4- وهناك من الشافعية من يوافق الثلاثة الأحناف والمالكية والحنابلة. قال الإمام النووي في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (وقال بعض أصحابنا تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض).

وقال الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" (الحجة في حديث كريب، هو قول ابن عباس رضي الله عنهما، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ فهو لا يريد بقوله، "هكذا أمرنا رسول الله ﷺ" أن عنده عن الرسول ﷺ حديثاً خاصاً بهذه المسألة يدل على عدم الصيام، بل مراده بذلك الأحاديث الآمرة بالصيام لرؤية الهلال، كما في الحديث الذي أخرجه الشيخان لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له، وقد سبق أن أشرت إلى أن هذا الحديث لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فهذا اجتهاد صحابي، إذا كان هذا اجتهاداً)

5- من المحزن أن يصبح موضوع رؤية الهلال موضوعاً للجدل، وهو من أعراض ضعف فهم ديننا، والذي هو بدوره نتيجة لغياب الخلافة التي أسست نظاماً تعليمياً إسلامياً قوياً منذ قرون.

لقد أصبح هذا الموضوع موضوعاً للجدل من الحكام الحاليين، الذين يسعون إلى تقسيم الأمة الإسلامية. إنهم يريدون منع وحدة الأمة الإسلامية، التي هي أعظم مخاوف أسيادهم في الغرب. لذلك فإنهم يثيرون أموراً لا يوجد فيها حتى ذرة من الدليل على تقويض رؤية الأمة الموحدة. ويسعون إلى إيجاد مبررات لبناء القومية والانقسام بين المسلمين. ومن المؤسف أن بعض العلماء الذين باعوا دينهم بثمن بخس يساندونهم في ذلك. هذا بالإضافة إلى أن هؤلاء العلماء تأثروا بواقع الدول القومية الفاسد، والذي سببه الانحدار الفكري، والذي تجلى أيضاً في ضعف المعرفة الفقهية.

إن الحل لا يكمن في الاستغناء عن العلماء كركيزة من ركائز المجتمع الإسلامي، بل في تقويتهم، بتشجيع الأقدر من أبنائنا وبناتنا على بذل الوسع في طلب العلم في ديننا. إن ما يهم في عصرنا هو تجديد ديننا. والتجديد ليس هو الإصلاح. فصورة الإسلام في صورته الكاملة، ولا يحتاج إلى إصلاح. إن المطلوب هو تجديد فهمنا له. وهذا يتوقف على تحسين لغتنا العربية، لغة ديننا. ويتوقف على تدقيقنا في القرآن الكريم والسنة النبوية. وهذا يعني احترام العلماء القدماء الذين قضوا عقوداً من الزمان في فهم المعاني التي فهمها الصحابة رضي الله عنهم؛ خير القرون. ويتطلب إعادة دولة الخلافة التي أنتجت البيئة التي نشأ فيها خيرة العلماء، العمالقة الذين نقف على أكتافهم.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عمير – ولاية باكستان

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو