مشهد من حياة صالحة أوسمانوفيتش
مشهد من حياة صالحة أوسمانوفيتش

خرجت صالحة أوسمانوفيتش من بيتها لتحتمي بسربرينيتشا بعد أن تم إعلان المدينة كمنطقة محمية. اقتاد الصرب صالحة وزوجها رامو وابنهما الشاب نيرمين إلى بوتوشاري. حاول رامو ونيريمين الهرب من خلال الغابة أو ما يعرف بـ"طريق الموت" ولكنهما قتلا وأصبحت تنتظرهما وهي تعرف أنهما لن يعودا.

0:00 0:00
السرعة:
July 21, 2020

مشهد من حياة صالحة أوسمانوفيتش

مشهد من حياة صالحة أوسمانوفيتش

خرجت صالحة أوسمانوفيتش من بيتها لتحتمي بسربرينيتشا بعد أن تم إعلان المدينة كمنطقة محمية. اقتاد الصرب صالحة وزوجها رامو وابنهما الشاب نيرمين إلى بوتوشاري. حاول رامو ونيريمين الهرب من خلال الغابة أو ما يعرف بـ"طريق الموت" ولكنهما قتلا وأصبحت تنتظرهما وهي تعرف أنهما لن يعودا.

طال الانتظار وإذا بإحدى الجارات تدعو صالحة لفنجان قهوة وتطلب من ابنها أن يطلع صالحة على مقطع فيديو. استدعت الجارة طبيبا تحسبا لردة فعل صالحة بعد مشاهدة المقطع. وعلى عكس توقعات الجارة أنزل الله السكينة في قلب صالحة وألهمها الله الصبر ولم تفاجأ بما شاهدته، فقد سمعت الكثير عن جرائم ممنهجة تمت خلال أقل من أسبوعين وقامت فيها الوحدات الصربية بتصفية ممنهجة لأكثر من ثمانية آلاف من مسلمي البوسنة (البوشناق)، في أبشع جرائم قتل جماعية على التراب الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

المقطع يظهر لحظة قتل زوج صالحة وابنها ببشاعة نادرة المثيل.

يظهر رامو أوسمانوفيتش؛ رجل في منتصف العمر هزيل الجسد يبدو عليه الإعياء، رجل أسير لدى العدو مغلوب على أمره يتلقى أوامر من الصرب أن ينادي على ابنه نيرمين المختبئ في الغابة، يظهر المجرمون من حوله وهم يلقنونه وهو يردد خلفهم، أصواتهم خافتة بينما يصيح رامو في المقطع بكل ما أوتي من قوة، صاح رامو في المقطع المصور "نيرمين، احضر هنا حيث أمكث مع الصرب، لا تخف فالكل حضر إلى هنا"، ينادي رامو فيقرع صدى صوته الأذان، صوت بالرغم من قوته مليء بالحسرة والحيرة والقهر، ألمٌ يزلزل أرجاء المكان وصرخة لن تنمحي من ذاكرة كل من سيشاهد المقطع.

لم يقبل الصرب بقتل الأب وترك الابن فأرغموه على أن ينادي ابنه وأوهموه أن هذه هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ حياته، أرادوا أن يستدرجوا نيرمين لكي يسهل عليهم قتل الاثنين معا، أوهموه بالأمان تماما كما استبق قائد الوحدات الصربية راتكو ميلاديتش مذبحة سربرينيتشا بخطابات للمدنيين المذعورين تعدهم بالأمان وتطلب منهم أن لا يخافوا، ثم شرعت قواته في مذبحة استخدمت فيها شتى أنواع الأسلحة ضد مدنيين عزل.

تلذذ المجرمون وتفننوا في أشكال التعذيب في خطوات ممنهجة تهدف لإزالة مسلمي البوشناق من المنطقة في محاولة لإقامة "صربيا الكبرى". سربرينيتشا لم تكن حربا بل كانت نموذجاً متكاملاً للتطهير العِرقي. لقد أعدم الصرب الآلاف وألقوا بجثثهم في مقابر جماعية باستخدام جرافات، بينما دفنوا البعض أحياء. أجبروا الآباء على مشاهدة أبنائهم وهم يُقتلون، وقتلوا الآباء أمام أطفالهم الصغار...

وبالرغم من توثيق جرائم الصرب وعملية التطهير العرقي في سربرينيتشا وغيرها إلا أن الحكومة الصربية المجرمة اكتفت بالاعتذار عن المجزرة، بينما ترفض تسميتها عملية إبادة جماعية. وبالرغم من هذا الإنكار فلا زال حكام الضرار يقيمون العلاقات مع الصرب ويعقدون الصفقات التجارية ويتبادلون التهاني مع المجرمين!!

أخيرا وبعد سنوات من الانتظار، دفنت صالحة رفات زوجها المغفور له بإذن الله رامو أوسمانوفيتش وابنها نيرمين أوسمانوفيتش في مقابر بوتوشاري ولكنها لم تدفن معهما أَلَمَ تلك اللحظة التي قتلا فيها وصيحات رامو وكأنه يستغيث فلا يغاث.

خطر ببالي وأنا أتابع ذلك المشهد الأليم في حياة صالحة أوسمانوفيتش قصة فتح عمورية وتلك المرأة التي صاحت وا معتصماه، امرأة لا نعرف لها اسما غير أن الدولة الإسلامية حركت جيشا لأجلها، لا نعرف تفاصيل ما سبق "وا معتصماه" بينما نعرف عمورية وحصوناً فُتحت نصرة لامرأة استغاثت فأغيثت... نعم نعرف ألف ألف صالحة، نسمع تفاصيل مأساتها ونرى في عيونها دموعا جفت وتجاعيد تجسد حسرة على أمة خذلتها ولم تنصرها... وفي كل ذكرى لسربرينيتشا تظهر قصة جديدة أوجبت أن تحرك لها الجيوش.

أطلت علينا صالحة أوسمانوفيتش أمام محاورها في لقاء متلفز في وقار وسكينة تفرض نفسها وتجعل من يشاهد المقطع يتساءل، من أين لها كل هذه القوة وهذا الصمود؟ بينما اكتفى حكام المسلمين برمزية إحياء ذكرى المجزرة ومقولة "لن ننسى.. لن نغفر"، دون أن تتبع تلك الكلمات خطوات جادة تعيد الحق لأصحابه وتحقق الأمن والأمان للمسلمين!

لقد اختار أهل البوسنة الإسلام واعتنقوه عن قناعة، ولم تزدهم المجازر والأهوال إلا قرباً من الله ويقينا أن الأمر بيد الله من قبل ومن بعد.

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

هدى محمد (أم يحيى)

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو