متى تنتهي أزمة كورونا؟
May 05, 2020

متى تنتهي أزمة كورونا؟

متى تنتهي أزمة كورونا؟

لقد عانى البشر على مرّ تاريخهم الطويل من أوبئة كثيرة نالت من سلامتهم الجسديّة وأثرت على تناميهم عدديّا أو عمليّا لسرعة انتشار هذه الأوبئة وظهورها بطريقة مفاجئة وسريعة بحيث لا تمنح للناس فرصة لمقاومتها وصدّها إلا بعد أن تحصد آلاف الأرواح وبعد أن تحدث اضطرابا وبلبلة في المجتمعات. ولو استعرضنا تاريخ الأوبئة من حيث الزمان والمكان لوجدنا أنّ الأمم لم تخلُ من ظهورها وانتشارها كالطاعون ومنه الطاعون الأسود والإنفلونزا بأنواعها وخاصة الإسبانية التي أودت بحياة 75 مليون شخص عبر العالم والكوليرا والإيبولا والسارس وغيرها وصولا إلى كورونا...

ولعلّ تواصل اجتياح فيروس كورونا لدول العالم والعجز عن مواجهته أو اكتشاف لقاح يمكن أن يوقفه رغم الجهود الحثيثة للحدّ منه، ورغم الإجراءات الصارمة للحكومات لحصر انتشاره، مع فشل دول كثيرة كإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وأمريكا أمام هذا الوباء الذي لا يُرى بالعين المجرّدة، واستسلام دول أخرى كإعلان لشبه هزيمة لمواجهته، مع تكشّف ضعف الأنظمة الطبية حتى على مستوى دول متقدمة، جعل أسئلة كثيرة تتردّد إلى أذهان الناس: متى تنتهي أزمة كورونا؟ ومتى سيستعيد الناس حياتهم الطبيعية؟

لأنّ هذا الوباء ما زال يستفحل حسب تقارير طبية رسمية، وما زال يتمدّد ويطيح بمزيد من ضحاياه، وهو يُصيب المسلم والكافر في مشارق الأرض ومغاربها، لكنّ الفرق هو في طريقة النظرة إليه كابتلاء والتي يتفرّد بها المسلم المؤمن بعقيدته والذي يُحسن ظنّه بربّه، فتُرشده هذه النظرة إلى التصرّفات الفضلى وعياً ومواجهة ليتجاوز هذه الأزمة على خير بمنأى عن الإحباط واليأس والتوجّس والخيفة التي يُعاني منها الغرب الذين يحسبون كلّ صيحة عليهم.

قبل أن نتساءل متى تنتهي أزمة كورونا؟ يجب أن نقف أولا على نقطة مهمّة وهي أنّ الأوبئة سُنن ماضية لن تبقى ولن تدوم، وستمضي هذه الأزمة كما مضت أوبئة كثيرة من قبل، بإذن ربّها، لأنّه ما من شيء أزليّ في هذا الكون، ولكلّ بداية ونهاية قدّرها الله له، والتاريخ خير دليل على ذلك، فكما أسلفنا سابقا أن الأوبئة حلّت بأمم كثيرة من قبلنا ولكنّها مضت.

 فعقليّة المسلم الذي يؤمن بمحدودية هذا الكون وهذه الحياة وكل الظواهر التي تحلّ عليه، يجعله مطمئنّا بأنّ لكلّ أجل كتاباً وأنّ الأوبئة أقدار ماضية يُصيب الله بها من يشاء من عباده.

ومن جانب آخر، فإنّ انتهاء أزمة كورونا مرتهن باكتشاف لقاح للفيروس كما كان العمل مع أوبئة أخرى، قد يأخذ الأمر وقتا، لكن سيأتي اليوم الذي يُعلن فيه عن ذلك، وهذا ما تُثبته أحاديث رسول الله ﷺ؛ ففي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أَصَابَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ». وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ».

وثانيا، فإنّ الإيمان بالقدر خيره وشرّه من الله يزيد من راحة العبد المؤمن وطمأنينته عند المحن والأزمات، ذلك أنّ مفهوم القضاء والقدر يدفع عن الناس القلق والجزع، ولنتذكّر جيدا وصية نبينا ﷺ لابن عباس كما هي وصيةٌ للأمة كلها: «أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ». ولو كتب الله لنا نصيبا من هذه الجائحة فلن تمنعنا عنها حصون ولا أبراج، وما أصاب العالم اليوم يجعلنا ندرك جيّدا عجز البشر أمام أقدار الله، فلم تُغن عنهم أموالهم ولا أسلحتهم ولا علومهم ولا سلطانهم! وهذا لوحده كفيل بأن نستشعر عظمة الله وضعف البشر، فنقدّره حقّ قدره ونحسن الظنّ فيه ونُصدّق وعوده ونُكبره سبحانه.

ثالثا، كيفيّة التعامل مع هذه الجائحة:

إنّ من أهمّ ما يقوم به العبد المؤمن في هذه الظروف هو أخذه بالاحتياطات اللازمة والالتزام بالتعليمات والإرشادات وتثقيف نفسه ومحيطه بكيفيّة التصدّي لمثل هذا الوباء وعياً ومواجهة، ومع الأخذ بالاحتياطات الماديّة والمعرفيّة فإنّه لا يستغني أبدا عن الدعاء فهو من أنفع الأدوية، وهو عدوّ البلاء، يدفعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يُخفّفه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن.

 رَوَى الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَلْقَاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

ومن أهمّ الأعمال التي يقوم بها العبد المؤمن عند وقوع الأوبئة والأسقام، هي المحاسبة!

ولعلّي بهذا أقصد محاسبة الحكومات البائسة في البلاد الإسلامية التي تماهت في إذلال شعوبها في مثل هذه الظروف القاسية، فلم تُحسن رعايتهم صحيا ولا ماديا ولا حتى توعويا، وانجرفت في تتبّع سياسات دول العالم الغربي بالحجر الكامل والعزل الشامل رغم اختلاف الظروف والبيئات، فكانت قراراتها المرتعشة سببا في تعميق الأزمة داخل الشعوب، مع توقيف الحياة الاقتصادية وحجز الناس في بيوتهم وفوق ذلك العجز عن رعاية مصالحهم وأرزاقهم وتوفير أبسط مقومات حياتهم! بالمقابل نجد تهافت هذه الحكومات على تعطيل الأحكام الشرعيّة من صلاة في المساجد وحج وعمرة بحجّة منع التجمّعات، حتى وصل الأمر بالإفتاء بجواز الإفطار بسبب كورونا أو عدم تحرّي هلال شهر رمضان التزاما بالحجر!

وقد كانت الاستماتة في تعطيل الأحكام الشرعية واستهدافها بشكل مباشر لدى بعض الحكومات العربية التي جعلت من هذا الوباء متنفّسا لها لمزيد من التضييق عن المسلمين في التزاماتهم الشرعية، وفي مقابله نرى توانيها وتماطلها في توفير حاجيات الناس الصحية والمعيشية.

إنّ دور العبد المؤمن في هذا الظرف، ونخصّ حامل الدعوة، هو محاسبة هؤلاء الحكام على استهانتهم بأرواح الناس ومصالحهم وأرزاقهم، لا سيّما أن كورونا قد عرّت كل أوراق التوت عن سياساتهم الفاسدة وفضحت بالمكشوف هشاشة الأنظمة الصحية والمؤسسات القائمة عليها، رغم ما يبذله الأفراد من أطباء وممرضين ومهندسين وغيرهم من جهود حثيثة، إلا أنّنا استشعرنا هذه المرة أكثر من كل مرة حاجتنا لدولة حقيقية تحفظ أرواح الناس وتسعى لحماية مصالحهم وأرزاقهم ورعاية شؤونهم وتبذل كل الجهد والوسع للتصدّي لمثل هذه المصائب وتُحسن التعامل مع الأزمات الاقتصادية والصحية ويكون لها السّبق في توفير العلاج وإيجاد اللقاح، لا أن تبقى في انتظار الغرب كي يمنّ عليها ويذلّها (مثل ما اقترح طبيب فرنسي بتجريب لقاح فيروس كورونا على الأفارقة كما فعلوا في بعض الدراسات حول الإيدز).

إنّ حاجتنا في مثل هذه الظروف لتحكيم شرع ربّنا بإقامة دولة عزيزة منيعة، يكون فيها الحاكم خادما لدينه وأمته، يحفظ بيضة الإسلام والمسلمين، ويخاف الله فينا ويرحمنا، هذه الأعمال التي ترفع العبد درجات وتُقرّبه إلى ربه فينال بها المؤمن شرف الدنيا ونعيم الآخرة.

أما متى تنتهي كورونا؟ فالمسلم عليه أن يتكيّف مع هذا الوباء باعتباره بلاء من الله، ويتقبّل أقدار الله برضا وطمأنينة دون سخط ولا قلق، وليتجمّل بالصبر ويتحلّ بالرضا ويحتسب الأجر، فالتكيّف مع الوباء يُخفّف من وطأته وحينها سيتوقّف عن هذا السؤال لأنّ الابتلاء طبيعة ملازمة لخلق الله.

ولينظر فيما كلّفه الله بعمله لدفع هذه الأوبئة من أعمال فرديّة أو روحيّة أو سياسيّة، خصوصا وأنّنا في مثل هذا الشهر العظيم شهر الرحمة والخير، فلنغتنم شهر التقوى بأحسن الأعمال وأرفعها وهو إقامة شرع الله كاملا في أرضه فننال خيري الدنيا والآخرة.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نسرين بوظافري

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو