مؤسّسة الزواج بين الحقوق والواجبات في ميزان الشرع
مؤسّسة الزواج بين الحقوق والواجبات في ميزان الشرع

 سبحان الذي جعل قاعدة الزّوجيّة في الخلق والحياة دليلا على عظمته جلّ وعلا ووحدانيّته المطلقة وتفرّده بصفاته عن مخلوقاته التي لا تستمد قوامها من ذاتها بل تفتقر افتقارا مزدوجا إلى خالق يوجدها ومخلوق بالتقائه يجعل لوجودها له معنى. قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]. ومن آياته كذلك أن خلق الزوجين الذّكر والأنثى وجعل الزوجين في الإنسان شقّين للنفس الواحدة ليسكن كلٌّ منهما إلى الآخر ويأنس به فيرتاح، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189].

0:00 0:00
السرعة:
October 21, 2018

مؤسّسة الزواج بين الحقوق والواجبات في ميزان الشرع

مؤسّسة الزواج بين الحقوق والواجبات في ميزان الشرع

سبحان الذي جعل قاعدة الزّوجيّة في الخلق والحياة دليلا على عظمته جلّ وعلا ووحدانيّته المطلقة وتفرّده بصفاته عن مخلوقاته التي لا تستمد قوامها من ذاتها بل تفتقر افتقارا مزدوجا إلى خالق يوجدها ومخلوق بالتقائه يجعل لوجودها له معنى. قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]. ومن آياته كذلك أن خلق الزوجين الذّكر والأنثى وجعل الزوجين في الإنسان شقّين للنفس الواحدة ليسكن كلٌّ منهما إلى الآخر ويأنس به فيرتاح، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189].

والزّواج في الإسلام ينأى عن أن يكون مجرّد عقد قانونيّ بين الرّجل والمرأة بل يتجاوزه ليكون عقدا يربط حياتهما بطاعة الله تعالى وجعله سبحانه الفيصل بينهما من خلال تحكيم كتابه وسنّة نبيّه عليه أفضل الصّلاة والسّلام. وقد صاغ الإسلام النظام الذي تسير به مؤسّسة الزّواج وما يترتّب عليها من أحكام بمجرد انعقادها، وبيّن الحقوق والواجبات المنوطة بالطرفين المتعاقدين فيها، ووزّع الاختصاصات والتّكاليف والوظائف حسب التنوّع في التكوين والخصائص. وهذا التنويع في التوزيع هو الذي يخلق التّوازن والتكامل ويُقصي الندّية ليكون الجوّ العام في هذه المؤسسة التّناغم والانسجام. ولذلك كان من المهم على المقبلَيْن على الزواج أن تكون لديهما الرؤية الزواجية واضحة جليّة ويستوْعبانها كما حددتها المنظومة التشريعية الإسلامية ليكونا مؤهّلين لبناء هذه المؤسسة وجعل الأحكام الربّانيّة مرجعا في التأسيس والمعالجة والتطوير.

وقد كرَّم الإسلام الإنسان عامّة ومنح المرأة تمشّيا مع هذه النظرة كامل حقوقها دون أن تحتاج لأوصياء عليها يطالبون بذلك بل منحها إيّاها اعتبارا لمكانتها وفرض عليها في المقابل عددا من الواجبات. فكَمَا من حقّها اختيار الزّوج، وهبها الإسلام بعد عقد القران من الحقوق منها ما كانت معنويّة كحسن المعاملة ولين القول والمعاشرة بالمعروف وعدم الإضرار بها وإن كرهها مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النّساء: 19]. والمعروف أوسع دائرة من المودّة لأنّه ليس ضروريّا أن يكون عن حبّ، فحتّى لو تعثّرت العلاقة يبقى المعروف همزةً للوصل، ويقول الرّسول عليه الصّلاة والسّلام: «الله الله فِي النّسَاء، فإنّهنَّ عَوانٌ في أيدِيكمْ، أَخذتُمُوهُنَّ بأمانةِ الله، وَاسْتَحلَلْتمْ فرُوجهُنًّ بكَلِمَةِ الله». ومنها ما كانت مادّية مثل المهر الذي يحقّ للزوجة عند العقد عليها، وهو عطيّة فرضها الله للمرأة بمثابة تعبير رمزي عن إعزازها وإكرامها وهو ليس مُثامنة ولا مُبايعة بل يُعطى عن طيب خاطر إبداءً لرغبة الرجل في الاقتران بها وليس مقابل شيء يجب عليها بذله إلا الوفاء بحقوق الزوجية، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النّساء: 4]. ومن حقّها كذلك النّفقة، فلا يخصّ الرّجل نفسه بالطّعام والكسوة دونها بل ينفق عليها كما ينفق على نفسه وفي حدود المستطاع، قال الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطّلاق: 7]، وعن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، أَوْ اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» رواه أبو داود. فلا يجب بذلك على المرأة العمل لتنفق على نفسها بل كان لزاما على زوجها سدّ حاجاتها من مأكل وملبس ومسكن. وهذا على سبيل الذّكر لا الحصر...

وكما للنّساء على الرّجال حقوق، فعليهنّ مثل الذي لهنّ ليؤدّي كلّ واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:228]. وممّا أوجبه الإسلام على المرأة على سبيل المثال طاعة الزوج ما لم تكن في معصية والمحافظة على عرضه وماله وألاّ تُدْخل البيت أحدا يكرهه وألاّ تخرج إلاّ بإذنه، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ما اسْتفادَ امرِؤٌ مسلمٌ فَائدَة بعد الإسْلامِ أفضل من زوجةٍ مسلِمةٍ تَسرُّهُ إذا نَظَرَ إليْهَا، وتُطِيعُهُ إذا أمرَهَا، وتَحْفَظهُ إذا غابَ عنهَا في نفسهَا ومالِه». وقوامة الرّجل على أهله هي قوامة رعاية بما خصّه الله به من خصائص جسمية وقدرة على تحمل المشاق التي لا تتحملها المرأة وبما أوجب عليه من نفقات مالية، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]. ولم يترك الإسلام مسألة تتعلّق بالمؤسّسة الزّوجيّة إلا وأصّلها وفصّلها ليكون الزّوجان على هدى وبيّنة. وأجمل توصيف لهذه العلاقة أن تكون صحبة فيها سكنٌ واطمئنان وقودها المودّة والرّحمة والمعروف، تذوب في كنفها الحسابات فيصير الأخذ عطاءً ما دام في طاعة الحقّ سبحانه. ومن بلاغة الآيات القرآنيّة أن وصفت العقد الذي يربط الزوجين بالميثاق الغليظ لأنّه معاهدة على الوفاء والاستمرار ودلالة على متانة الرّابطة وصلابتها، وهو عين الوصف الذي ألحقه الله تعالى بالميثاق الذي أخذه من النبيين ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: 7].

إن هذا الميثاق الغليظ لا يمكن أن يُنقض في ظل هذه التنظيمات الدقيقة التي منّ الله بها علينا والتي تناولت كلّ جزئيّة تقوم عليها مؤسّسة الزّواج. هذه الأحكام الربانية التي تنظّم العلاقة بين الزّوجين هي دعائم الأسرة المسلمة وهي الحصن الذي تصان بها ويُصان بها المجتمع، فهل نرقى على شرع الله ونرضى بما سواه، أنستبدل بالذي هو خير مدوّناتٍ للأسرة والأحوال الشخصيّة ومواثيق واتّفاقيّات دوليّة؟! أنحتكم إلى تشريعات بشريّة تستند إلى هوى وانفعالات البعض وتحقّق مصالح وأغراض البعض الآخر؟!

وفي الختام، لا يسعنا إلاّ أن نقول داعين الله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74].

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو