مؤتمر الإسلام والتجديد بين الأصل والعصر  الإسفاف والتجديف في الدين على خطا السيسي
November 02, 2020

مؤتمر الإسلام والتجديد بين الأصل والعصر الإسفاف والتجديف في الدين على خطا السيسي

مؤتمر الإسلام والتجديد بين الأصل والعصر

الإسفاف والتجديف في الدين على خطا السيسي

في أولى جلسات المؤتمر دعا نصر الدين مفرح وزير الشئوون الدينية والأوقاف إلى تجديد الخطاب الديني ليواكب المتغيرات العصرية ليثري الحياة، وأوضح في كلمته لدى مخاطبته الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الإسلام والتجديد بين الأصل والعصر الذي أقامته وزارة الشئوون الدينية والأوقاف تحت شعار "رسالة متجددة لعالم متنوع" الذي افتتح بقاعة الصداقة اليوم وتستمر جلساته لمدة يومين، أنه يجب أن نطور من أساليبنا التفاهمية من خلال الاستماع لوجهة نظر الآخر وأن نفكر فيها بعمق ونحاول أن نوجد لها جسر تقارب، مؤكداً أنه لا يحق أن نعرض عن وجهات النظر الأخرى لمجرد أنها مغايرة لرؤيتنا خاصة تلك المفاهيم القادمة من الغرب لمجرد أنها تطرح وجهة نظر غربية. (سونا 24/10/2020م).

ليس الصدفة هي التي جعلت الدعوة نفسها لتجديد الخطاب الديني تتكرر بعد الثورة في مصر وفي السودان اليوم؛ ففي خطاب وجه السيسي كلامه للحاضرين من القيادات الدينية وعلماء الأزهر في مصر، في احتفالية جامعة الأزهر بمناسبة المولد النبوي الشريف طالباً منهم مراجعة الفكر الإسلامي من منطلق "فكر مستنير حقيقي" يهدف إلى صياغة "خطاب ديني صحيح" يتناغم مع العصر. لتنطلق بعد تلك الكلمات الدعوة لتجديد الخطاب الديني ويشارك فيها كل من هب ودب، بل يشارك فيها ويقودها كل لئيم حاقد على الإسلام وعقيدته وأحكامه، فإذا بالأئمة الأربعة عند أحدهم "سفلة مجرمون"، فلم يعد يكفي القول "هم رجال ونحن رجال"!! وأبعد من ذلك تقام دعوة على قرار دعوة هدى شعراوي لمليونية لخلع الحجاب، فلم يعد يكفي القول بأن الحجاب عادة وليس حكماً شرعياً كما كان يردد العلمانيون!! ودعوة أخرى لحرق كتب التاريخ الإسلامي والعداء لصحابة رسول الله ﷺ ووسمهم بأبشع الصفات!!

وامتدت حالة العداء للإسلام وثوابته إلى مدى غير مسبوق من جماعة من المرتزقة تسلطوا على أهل الكنانة مؤيَّدين من النظام الذي أفسح المجال لهم ليخرجوا كل يوم في برامج هابطة ليبثوا حقدهم على الإسلام بصورة مباشرة بعد أن ظلوا لوقت طويل يقومون بالأمر ذاته ولكن من خلال التندر والهجوم على الحركات الإسلامية والعلماء.

والمتدبر في دعوة تجديد الخطاب الديني من الوزير مفرح يجدها مطابقة لدعوة فرعون مصر ومغلفة بالمبررات وتنتقي العبارات بخبث لوصف واقع التجديد الذي يريده مربوطاً بالمتغيرات العصرية وإثراء الحياة، وأنه بدون تجديد الخطاب الديني لا يمكن أن ينهض السودان وسيعيش حالة التخلف، ولا يتسنى لأهله أن يجدوا ضالتهم المنشودة في الارتقاء في العلوم والمعرفة وصولاً إلى الإبداع والتغيير والارتقاء في الحياة العصرية! لكن مقدار الخبث والخلط في الخطاب يخفى على الكثيرين ممن لم يجعلوا عقيدة الإسلام منطلقا للتمييز بين التجديد كمنهج في الإسلام وبين التجديد الذي يعني الاندماج التام في حضارة الغرب المادية التي تفصل الدين عن الحياة.

والسامع لكلمات المؤتمر خاصة كلمة الوزير يرى أن الوزير يصور لنا أن الأوضاع التي نعيشها والعواقب الوخيمة التي نمر بها سببها الأساسي عقلية التدين غير المتجددة التي تتحكم في حياتنا، وهي سبب كل الإحباطات السائدة، وأن العصر الحديث له مفاهيم جديدة، الأمر الذي فرض سلم أولويات جديداً، حتى نواكب ونقيم جسوراً بيننا وبين الآخر خاصة الغرب وأن لا نرفض الغرب بمجرد أنه الغرب!

مع كل أسف هذه الكلمات من تلبيس إبليس تنطلي على الكثيرين فيرون في هؤلاء أنهم حريصون على الدين! رغم أنهم مجرد متملقين يعلقون فشلهم وفشل أنظمتهم على الدين؛ ذلك أن الدين لم يكن حاضراً في جميع نواحي الحياة التي نعيشها منذ تكوّن الدولة الوطنية في السودان، وأن الدين كان وما يزال محبوساً في صدور الرجال ودور العبادة، ولا مجال للإعلان عن كون الإسلام نظاماً ينظم جميع شئون الحياة. ومنذ وقت قريب وفي عهد حكومة الإنقاذ ذات الشعارات الإسلامية كان من يطالب بتطبيق هذا النظام يعتبر أصولياً ومتطرفاً ثم أصبح إرهابياً وتكفيرياً، والألقاب والنعوت لا تنتهي لشيطنة كل من يدعو لإقامة الدين، ويشتد التنكيل والاعتقال والمطاردة في الرزق على من يتكلم عن الدولة الإسلامية التي تطبق شرع الله. وإذا كان الإسلام بعيداً كل البعد عن تسيير دفة الحياة الآن فلماذا يعقد مؤتمر لتجديد الخطاب الديني؟! ألم يكن الأوجب أن يكون المؤتمر لإعادة تطبيق الإسلام بوصفه ديناً صالحاً لكل زمان ومكان بدلاً من تحميل الإسلام كل أسباب التأخر والتخلف والمشاكل وهو منها بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب؟! يعقدون مؤتمرهم ليوجهوا ألسنتهم ولكن ليس صوب أعداء الأمة أمثال المعتوه ماكرون، للدفاع عن الإسلام ونبيه ﷺ، وإنما إلى مهاجمة الإسلام، وأرادوا أن يغيروا أحكامه ومفاهيمه لتتفق مع علمانيتهم وأفكارهم ومفاهيمهم الغربية، وحالهم حال أبي رغال يدلّون الأعداء على هدم مقدساتهم!

إن التجديد المشروع هو العودة إلى أفكار وأحكام الإسلام ومفاهيم الإسلام كما جاءت بيضاء نقية، وإزالة ما علق بها من شوائب ليست منها في شيء، لا الانسلاخ من أحكام الإسلام ومسايرة الغرب الكافر وإرضاءه باتباع نهجه ونظامه في الحياة والتدليس والتلبيس على الناس والزعم بأن ذلك تجديد.

والواقع أن دعاة التجديد هؤلاء هم من يرفضون التغيير أو التجديد الذي يتعين القيام به؛ فانتفض هؤلاء المجددون خوفاً على مصالحهم وعلى دنياهم التي اطمأنوا لها ورضوا بها ونسوا اليوم الآخر؛ ذلك لأنهم أحسوا بالمسلمين قد زاد وعيهم، وهم يجتهدون في لفظ النظام الذي تسبب في شقائهم وتعاستهم وهو نظام دخيل عليهم مرتبط بالاستعمار الذي مكن للدولة الوطنية التي تأخذ أسباب حياته منه بالانصياع لمقررات منظمات الكفر الدولية الحاقدة على الإسلام، أنظمة وظيفتها أن تقمع الناس وتسلط عليهم أعداءهم لنهب ثرواتهم فيعيشون في ذل وهوان!

نعم إن وعي الأمة يظهر في ثوراتها ضد هذه الأنظمة العميلة الذليلة، وشعارات الثورة واحدة؛ رافضة للتدخل الغربي بكل أشكاله وإن لم تقدم نظام الإسلام كبديل، فكل الثوار يصلّون الجمع والجماعات وتلهج ألسنتهم بأنهم مسلمون متميزون بهذا الإسلام، وهو ما أزعج وأقض مضاجع الغرب الكافر وعملائه حكام المسلمين، فالتفوا على الثورات بل استعملوا كل ما أوتوا من قوة للبطش بالمخالف لتسير الأمور كما يريدون، ولا يقربون إلا من باع القضايا التي خرجت من أجلها الثورة فينصبونه ناطوراً ليبقي على الأنظمة الرأسمالية الفاسدة... لقد تلقف العملاء التعليمات من سيدتهم أمريكا وحلفائها، فقاموا ينفذونها بدقة؛ الأوامر للقضاء على الإسلام وليس تجديده كما يدعون، ظناً منهم أنهم سينجحون في تحقيق ما تريده أمريكا لإرضائها وتطييب خاطرها ليستمروا في كراسيهم المعوجة، ونسوا أن ما يقومون به اليوم قام به أسلافهم في العمالة بالأمس، وأعلنوها حرباً على الإرهاب (الإسلام) وانضموا للتحالفات الدولية والإقليمية وعقدوا مثل هذا المؤتمر الخبيث مرات ولم ترض عنهم أمريكا، وها هم يتجرعون كأس الخزي في سجن كوبر ولم يستطع أن يحول بين الأمة وبين إسلامها النقي الصافي، فخرج من الأمة رغم التضليل من رفض الغرب وبضاعته المزجاة وأخذ الإسلام عقيدة عقلية ينبثق منها نظام، وحمل الدعوة للإسلام وجعل غايته إعادة الأمة لسابق عزها ومجدها خير أمة أخرجت للناس، ومنذ بدء فكرة التجديد عند الأفغاني ومحمد عبده وتلاميذهم اجتهدوا في تفريغ الإسلام من محتواه وتدجينه كي يتعايش مع الغرب الكافر ويرضى أبناؤه بالعيش أذلاء تحت سطوة الكافر المستعمر، ينهب خيراتهم ويقتل أبناءهم، فهل نجح في ذلك لوقت طويل أم أن الأمة ما لبثت أن لفظت هؤلاء وما أنتجوه من فكر منحط، لا هو يشبه الإسلام ولا الإسلام يشبهه؟!

إنه وإن كان التجديد مطلباً شرعياً إلا أن له رجاله الذين ينبغي أن يتولوا القيام به على وجهه، وله أصوله وقواعده، فلا يقوم به إلا مسلم عالم عدل يعمل على إعادة الدين إلى حالته الصافية النقية التي كانت عليه أيام النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم فهماً وتطبيقاً، علماً وعملاً، أي يعمل على إحياء ما ندرس من العمل بالكتاب والسنة، وهو ليس باباً مفتوحاً لكل من هبّ ودبّ، ولا القصد منه الإتيان بدين جديد يتوافق ويتلاءم ويتماشى مع العصر كما يراد من إطلاق تلك الدعوة مرة ثانية هذه الأيام، دين جديد لا سياسة فيه، ولا قتال ولا جهاد، دين كهنوتي مُنْزَوٍ في الزاوية والمسجد لا أثر له في الحياة، مفصول عنها، لا حياة فيه... وما كان للدين الخاتم أن يكون هكذا، فهو دين حي حيوي، له منظومته العقدية والفكرية الفريدة، تكفل رب العالمين بحفظ كتابه المبين، القرآن الكريم، من أن تطاله أيدي التبديل والتحريف والعبث، قال رسوله الكريم ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» رواه أبو داود، وهذا التجديد إذا تعلق بالنص يكون بإعادة العمل به على مستوى الفرد والجماعة والدولة، وإذا تعلق بالفهم يكون بضبط العقل وعدم إطلاق العنان له في التعامل مع النص بحيث تكون السيادة له على النص كما يريد المحرفون الجدد أمثال المؤتمرين لتبديل شرع الله، بل لا بد من كبح جماح العقل بحمله على الانضباط بضوابط الفهم الشرعي. أما ما يقوم به هؤلاء برعاية أعداء الأمة وتحت إشرافهم فهو التلفيق والتحريف بعينه وهو مردود عليهم وعلى من يقف خلفهم ومكر أولئك هو يبور.

إن الخطاب الديني السائد الذي يراد تجديده هو خطاب مؤسسات الدولة العلمانية التي أسسها الاستعمار في بلاد المسلمين، فإذا كان فاشلاً، وهو حقا فاشل شأنه شأن كل مؤسسات الدويلات الوطنية التي تحكم بالنظام الرأسمالي الذي يفصل الدين عن الحياة، فعلى دعاتها وأبواقها أن يعوا ذلك وأن لا يجادلوا كثيرا بالباطل ليدحضوا به الحق فإن الله سبحانه وتعالى ناصر رسله والمؤمنين: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾.

وأخيراً يا دعاة التجديد توبوا إلى الله وارجعوا إلى رشدكم فإن هذه المناصب والامتيازات التي عليها تظهرون لن تغني عنكم من الله شيئاً، وكونوا مع المخلصين من أبناء هذه الأمة في سعيهم لإقامة صرح الإسلام العظيم؛ دولة تجعل الخطاب الديني كما أراد رب العالمين؛ سياسة للدنيا، دولة طالما كانت هي الحصن الحصين والسد المنيع الذي حمى الأمة لقرون وأبعد عنها عادية الأعداء، وتحطمت على أبوابه أطماع الطامعين، إنه مشروع الخلافة العظيم، خلافة النبوة، الوعد الموعود والبشرى العظيمة من رسول الله ﷺ لهذه الأمة الكريمة.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار (أم أواب)

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو