نهج السلامة أم سلامة المنهج؟
May 23, 2019

نهج السلامة أم سلامة المنهج؟

نهج السلامة أم سلامة المنهج؟

شاء الله سبحانه وتعالى أن نكون من جموع المسلمين المتأخرين الذين آمنوا برسول الله e ولم يروه. نسأله سبحانه أن نكون ممن قال عنهم e «إِيمَانُ أَحَدِهِمْ بِخَمْسِينَ» أو أربعين كما ورد.

في شجاعته e يقول الإمام علي كرم الله وجهه: «كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ، اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ e، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْهُ» رواه أحمد. ويؤكد أنس بن مالك رضي الله عنه ذلك بما حصل لأهل المدينة يوماً، حين فزعوا من صوت عالٍ، فأراد الناس أن يعرفوا سبب الصوت، وبينما هم كذلك إذ أقبل عليهم النبي e على فرس، رافعاً سيفه قائلاً لهم: «لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا» رواه البخاري ومسلم.

وكثيرة هي المواقف التي تجلّت فيها شجاعة رسول الله e، فقد كان شجاعاً ولم تكن الجرأة طارئة على طبعه. روى أحمد والحاكم في المستدرك من حديث ابن مسعود، قال‏:‏ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ e يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَوَلَّى عَنْهُ النَّاسُ وَثَبَتَ مَعَهُ ثَمَانُونَ رَجُلاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَكُنَّا عَلَى أَقْدَامِنَا وَلَمْ نُوَلِّهمُ الدُّبُرَ»، وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال‏:‏ «لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَحُنَيْنٍوَإِنَّ النَّاسَ لَمُوَلِّينَ وَمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e مِائَةُ رَجُل». وحينئذ ظهرت شجاعة النبي e التي لا نظير لها، فقد «طَفِقَ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ وَهُوَ يَقُولُ‏: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ * أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ».

ظهرت شجاعة رسول الله e، الذي كما قالت عنه أمُنا عائشة رضي الله عنها: كان قرآناً. وقد كان رسول الله e قرآناً في تسامحه وطيب خُلقه، وكريم هديه. وكان كذاك قرآناً في حزمه وشجاعته وعزمه. كان قرآناً في قوته في الدعوة لله، والصلابة في الحق والثبات على المبدأ.

هذه الشجاعة وهذا الثبات، كان نهجاً يعلّم المسلمين أنه لولا ثباته e على أمره حين أغرته قريش بالمال والنساء والمنصب والجاه، وحين حاربته العرب ورموه عن قوس واحدة، لولا التزامه بما أوحي إليه، لما قامت للإسلام ولا للمسلمين قائمة، ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 73-74].

لقد كان يمكن لرسول الله e أن ينجو يوم حنين بنفسه ليعيد تشكيل جيش قوي يواجه جموع المشركين، أو يعطي قريشاً بعض ما تريد ويطمئنهم كي يصرف أذاهم عنه ويتفرغ للدعوة سراً فيكثر سواد المسلمين. ولكنّه معلم يخط لمن بعده من المؤمنين قاعدة في الدعوة لا مجال للحيد عنها: سلامة المنهج مقدمة على سلامة النفوس.

يقول الشيخ عبد العزيز الطريفي فك الله أسره: من أخطاء الدعاة حصر الإسلام بالآداب والسلوك وترك التوحيد والحلال والحرام، ولو اقتصر الرسول e كما اقتصروا لكان أول المؤمنين به أبا لهب! ويقول: كثير من الناس عند انتشار الباطل يصمتون مع القدرة على البيان ويرون في هذا أدنى مراتب السلامة، وهذا خطأ، لقول الله ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ يعني ويسكتون.

إن كل مسلم معرّض أن يوضع أمام الخيار الصعب، وهو سهل على من أعانه الله؛ أن يختار بين سلامته وبين ثباته على المبدأ.

حيث تكالبت الأمم على المسلمين ورموهم عن قوس واحدة. فصار الإسلام إرهاباً ومرضاً عقلياً وخطراً قومياً تحاربه أمريكا والصين وروسيا وكل أصاغر المجرمين. يضيقون على أهله في أرزاقهم ومعايشهم ويحاربونهم بالاعتقال والتهجير والقتل وانتهاك الأعراض. فالإسلام في غربة، والمسلمون في عهد وصفه e بقوله: «ثُمَّ جَبَرُوتٌ صَلْعَاءُ لَيْسَ لأَحَدٍ فِيهَا مُتَعَلَّقٌ، تُضْرَبُ فِيهَا الرِّقَابُ، وَتُقْطَعُ فِيهَا الأَيْدِي وَالأَرْجُلُ، وَتُؤْخَذُ فِيهَا الأَمْوَالُ».

وكل جماعة معرضة لهذا الاختبار الذي يتمايز فيه الصادقون المخلصون المستعدون لدفع فاتورة الإيمان بهذا الدين العظيم. الفاتورة ذاتها التي دفعتها سمية ودفعها عمار ودفعها سيد الخلق e، ويدفعها من بعده محبّوه.

الثبات على المبدأ ليس سهلاً أبداً بل يكاد يكون موتاً في الحياة، ورسول الله e يصفه بأنه كالقبض على الجمر. وما كان لجمرٍ في يد حامله أن يكون بارداً إلا عند من يبتغي عز الدنيا والآخرة ويستهين أمام رضا الله بكل صعب.

وإن المفارقة العجيبة أن مريدي السلامة لا يحظون بها، بينما من يضحي بالسلامة لأجل المبدأ ابتغاء وجه الله، يحصل له ما لم يكن وضعه في حسبانه حين اختار التضحية، من علوّ كعبه بين الناس، والقبول الذي يلقاه من المؤمنين، وتخليد التاريخ لاسمه في صفحات من ذهب.

والتاريخ شاهد لا ينسى. يروي لنا كي لا ننسى ولا نضل، لكن لا يتذكر إلا أولو الألباب. فلولا اختيار القاضي ابن مفلح نهج السلامة عند قدوم تيمورلنك لاحتلال دمشق، لما تخاذل الناس واختلفوا - وقد كانوا من قبل قد قاتلوا قتالاً أعيى التتار وأرهقهم - ولما استطاع التتار احتلال عاصمة المسلمين.

يعلمنا القرآن أن من اختار الانحناء للعاصفة فقد اختار التنازل عن دينه. والتفريط يبدأ بالصغائر. فهذا رب العالمين يخاطب سيدنا محمد e﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ والركون بالقليل للظالمين يعني تنازلاً، يتبعه تفريط ثم بيع للمبدأ بالكليّة؛ لذلك كان الجزاء ﴿إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾.

وهذا ما فقهه سيدنا محمد e حين قال لقريش التي أغرته بالمال والجاه والمنصب والنساء لئلا يعيب آلهتهم «وَاللهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ مَا تَرَكْتُهُ». وقد كان رسول الله e يعلم أن العرب تحاربه عن قوس واحدة، لكن لسان حاله e كان «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ،... وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» وهذا ما فقهه سعد بن معاذ حين بايع هو والأنصار رسول الله e بيعة الحرب، بايعوه على هلكة الأموال وقتل الأشراف نصرة لدين الله.

بهذه النفسيات العظيمة بنيت دولة الإسلام الأولى، وبهذه الهمم العظيمة وصل الإسلام لأصقاع الأرض وهدم أعظم إمبراطوريتين في ظرف عقدين من الزمان. وهذه النفسيات هي التي يريد القرآن أن يغرسها في نفوس المسلمين.

نفسيات تسلك سلوك سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي واجه بطش النمرود وحده، حين تخاذلت الجماهير وسارت بسذاجة الجهل خلف من ادعى أنه يميت ويحيي ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، فقال عنه ربه ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةُ﴾.

أن نكون كسيدنا موسى عليه السلام حين واجه فرعون وحده ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾.

بعزمات كعزمة أبي بكر حين حفظ الدين بقتال المرتدين، فقال "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه".

وعزمة جعفر حين رفع راية رسول الله بعد أن قطعت يداه حتى استشهد دونها.

وعزمة سلطان العلماء العز بن عبد السلام حين حرّض قطز على قتال المغول رغم تخاذل العلماء عن قتالهم وخوف الأمة منهم، فكان نصر عين جالوت.

وعزمة كعزمة الخليفة السلطان عبد الحميد الذي وقف بوجه أوروبا كلها وحارب جهود يهود لاحتلال فلسطين وهدم الخلافة رغم كل المغريات والضغوطات والمكائد.

في الفتن تختار الكثرة نهج السلامة بينما يثبت الصادقون رغم قلتهم على سلامة المنهج. ولولا هذا الثبات ما كان النصر ليأتي.

الكثرة تحتج بأنها تداهن حتى يتيسر لها احتراف النصر، لكنه فاتهم أن الله لا يريد منك احتراف الجهد بقدر احتراف النهج وسلامة الطريق. فهل كان جيل النصر سيولد لو اختار أصحاب الأخدود نهج السلامة وتذرّعوا بأنهم يريدون تربية جيل مؤمن قوي ينتقم من الطاغية؟ كلا، فالأجيال تتربى حسب صنائع من قبلها، فمن رأى جبن والده الذي يغرد عن الشجاعة سينشأ ذليلاً منافقاً.

هل كان الإسلام سيصلنا لو اختار رسول الله eوصحابته مداهنة قريش كي يجهزوا جيشاً قوياً ينصرهم على كفار مكة؟ كلا فإن التنازل كالسقوط عن الهاوية لا ارتفاع بعده. وإن الأمر مرعب مخيف ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾.

وهذا تحذير من رب العالمين. يقول القرطبي "مبالغة في النهي عنه لعظم موقعه في الدين وتردده في معاشرات الناس؛ أي لا تعقدوا الأيمان بالانطواء على الخديعة والفساد فتزل قدم بعد ثبوتها، أي عن الأيمان بعد المعرفة بالله. وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه؛ لأن القدم إذا زلت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شر".

فاللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو