نصائح للآباء والأبناء- الصاحب والصديق
January 21, 2010

نصائح للآباء والأبناء- الصاحب والصديق

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم، والصلاةُ والسَّلامُ علَى أشرفِ الخلقِ والمُرسَلين محمد بنِ عبد الله وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وَمَن والاه,
هذه المرة سنتطرق لموضوع لطالما كدر صفو الآباء والأمهات الذين يخافون على رعيتهم .وهذا الموضوع هو من صاحب ولدي ؟!!؟؟؟ إن الله سبحانه وتعالى أمر بوقاية الأهل والأبناء من نار وقودها الناس والحجارة ,لذا كان لا بد من الاهتمام بصبغ الولد بصبغة الإسلام وتوفير كل السبل والحيل المتاحة من أجل غرس مبادئ العقيدة الإسلامية الصحيحة في نفوس أولادنا لترقى النفس وتنال شرف الرضا من الله سبحانه وتعالى .ولأننا نخصص حديثنا مع الآباء أولا كان لا بد من التنويه هذه المرة أن الأصل في التربية الإسلامية آن يعمل بها حسب قاعدتين : قاعدة التذكير وقاعدة التحذير .لذا كان لزاما لكل من يعتقد بالإسلام ديننا أن يوضح معالم الدين لأبنائه ويكون ذلك بالتذكير بالولاء لله عز وجل ولنبيه صلى الله عليه وسلم، وبالإرشاد إلى العمل الحلال، وأن ثمن هذا كله الفوز برضا الله والاستقرار بالجنان. فالأصل عبادة الله في كل الأعمال. فإن تمت المحافظة على هذه القاعدة عند التواصل أثناء تربية الأبناء كانت نتائج التربية أقوى لان ثمار نفوسنا تنشا في تربة خصبة تمتاز بالمحافظة على عبادة ربها وربط كل أعمالها بنيل رضاه عز و جل وهذه أولويات المسلم الفطن لنفسه ولأهله ولأمته .
أما القاعدة الثانية للتربية فهي قاعدة التحذير وبها تركز جميع الجهود لكشف كل مظاهر الباطل المحيطة بحياة المسلم بداية بشاشات العرض إلى البيئة المحيطة إلى مناهج التعليم إلى عربدة الكافر المحلي ومنها إلى كشف طغيان وعربدة الكافر الصليبي ومحاولاته سلخ كل ما هو إسلامي من حياتنا.
ويجب تفهيم الأبناء أن الصراع بين الحق والباطل صراع ابدي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .وأن الباطل عقيدة واحدة وما اختلفت صوره وحيله على مر الزمان إلا تماشيا مع متطلبات الواقع الذي يسكنه أتباعه .
وينبغي التوضيح للأبناء أن الدنيا هي دار الابتلاء ويجب الصبر فيها على التزام طريق المحجة البيضاء وأن خير ما يعينهم على الصبر على نوائب الدهر بعد التسلح بقاعدتي التربية المنبثقة عن العقيدة الإسلامية الصحبة الحميدة التي تأخذ بيد صاحبها إلى دار المستقر وهي الجنة إن شاء الله .
في الإسلام أصحاب ولدي كثر، أولهم الأم وثانيهم الأب وثالثهم الإخوة أي الأسرة فالأصل أن نزرع بذور الصحبة الصالحة من رفق ولين وحسن جوار ورحمة واحترام متبادل في داخل البيت وبين جميع أفراده منذ اللحظة الأولى، فبين الأب والأم ،صحبة الجنب، وبين الوالدين والأبناء صحبة الإحسان والبر وبين الأولاد بعضهم البعض صحبة الإيمان والبنيان، فالأصل أن يشد بعضهم بعضًا .
إن العلاقة بين الوالدين والأبناء، والإخوة فيما بينهم ،علاقة تسليم لقضاء الله . فلا الأبناء يختارون ذويهم، ولا الوالدين يختارون أبنائهم، ونستخرج هذه المعاني للصحبة، من الأدلة الشرعية التالية:
ففي سورة عبس آية 36 يقول عز وجل:{وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ } وأيضا في سورة الإسراء آية 23 يقول سبحانه {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } وكذا في سورة لقمان آية 14 {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } ويقول سبحانه وتعالى في سورة النساء في آية 36 {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً }.
وفي الحديث الشريف أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله, من أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال ثم من؟ قال: أمك. قال:ثم من قال:أمك قال ثم من؟ قال أبوك.
ومن كل ما سبق ذكره، ينبغي للأب والأم، الانتباه لمراعاة أسس التعامل فيما بينهم فالأصل، أن تكون عشرة المعروف هي الأساس لكل التصرفات في كل المواقف بينهما، لأنها البادرة الأولى والمثل الأول الذي يلمسه الولد لحسن الصحبة، وطيب العشرة, لان الآباء هم القدوة المباشرة للأبناء سواء تقصد لذلك أو لم يتقصد .
وأما بذور الصحبة بين الأبناء في نطاق رابطة الأخوة فهي واجبة لصلة الرحم بينهم فعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن الله عز وجل :(أنا الله وأنا الرحمن ...خلقت الرحم، وشققت لها اسما من اسمي؛ فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته) . والصحبة واجبة للأخوة في الدين فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ".
هذا الذي ينبغي أن يكون في داخل الأسرة المسلمة حتى تسكن النفس وتهنأ من طيب عيش .إلا أن حدود تواجد الأصحاب لا تقف ها هنا بل تتوسع كلما كبرت دائرة المعارف للعبد المسلم .وهنا نلتفت لكم أبنائي ونقول إن نصيحة اليوم ستكون بمثابة توضيح للمعايير الإسلامية لاختيار الصاحب، لأنه بتحديد المعايير لاختيار الصاحب سنضمن لكم أبنائي سهولة الاختيار، وصلاح الاختيار. أما الالتزام بهذه المعايير فتاتي واجبة في حقكم لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوضح في حديث له أسنده الطبري "..............فقال صلى الله عليه وسلم :"كلا يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فانه مسئول عن صحابته ولو ساعة من نهار .
ومن الجميل أن تسمع ما قاله ربيعة بن أبي عبد الرحمن :"للسفر مروءة وللحضر مروءة ؛فأما المروءة في السفر فبذل الزاد ،وقلة الخلاف على الأصحاب ،وكثرة المزاح في غير مساخط الله وأما المروءة في الحضر فالإدمان إلى المساجد ،وتلاوة القرآن وكثرة الإخوان في الله عز وجل " .
فالنص الأول يكشف عن المسؤولية التي تقع على عاتق المسلم تجاه صاحبه والثانية تكشف عن آداب الصحبة .والآن نطرق باب المعايير لاختيار الصاحب في الإسلام.
قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً }الكهف28
وقال الله تعالى: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ }الزخرف67
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصحب إلا مؤمناً) . وقال: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم مَن يخالل) .
هذه النصوص الشرعية واضحة الدلالة على أن الصاحب الذي يرضاه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ، هو مَن أزكى علماً، وأشد اتباعاً للسنة، وأحسن خلقاً، وأكثر حرصاً على خدمة الدين والدعوة إلى الله .أي من همه إرضاء الله ومن أن تراه يذكرك بالله.
وبما أن القلوب تتآلف فتتقارب حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (المرء مع مَن أَحَب).
لذا ،من الحكمة للعبد المسلم أن يصاحب من يحبه الله ورسوله لأن الله عز وجل قال: (وجبت محبتي للمتحابين فِيَّ، والمتجالسين فِيَّ، والمتزاورين فِيَّ، والمتباذلين فِيَّ) كما جاء في الحديث الصحيح القدسي.
كما أن لمجالسة الأصحاب الأخيار بركة تعم الحاضرين في مجالسهم حيث : (تقول الملائكة: يا رب! إن فيهم فلاناً ليس منهم، إنما جاء لحاجة، فيقول الله للملائكة: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) نعم هم والله كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "مثل الجليس الصالح ،والجليس السوء كمثل حامل المسك ،ونافخ الكير،فحامل المسك إما أن يحذيك ،أو تشتري منه ،أو تجد منه ريحا طيبة ،ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك ،أو تجد منه ريحا منتنة " يا الله !!!!!!لا يحرم من الفضل من جالسهم وإن جاء لحاجة .
فهم بذكرهم الله، يناديهم المنادي من السماء: (قوموا مغفوراً لكم) فما أعظمها نعمة إذا كانوا سيقومون وقد غُفِر لهم!فهم والله خير من يؤتمن على وقت وعمر بصحبتهم الطيبة.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (البركة في ثلاث: الجماعة، والثريد، والسحور) .
وأما رفقة السوء فقد حذرنا الله تعالى من أهل السوء، ففي سورة الأنعام آية68 :يقول الله عز وجل: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .هؤلاء الذين يتبرأ بعضُهم من بعض، ويقول الواحد منهم يوم القيامة: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً }الفرقان:28ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ في دعائه من صاحب السوء فيدعو (اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء، ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء في دار المقامة) لأن الصاحب ملازم؛ فإذا كان صاحب سوء فكيف يسلم من شره؟ نعوذ بالله من صاحب السوء وقرين السوء الذي لا يمكن أن نأمنه على شيء؛ لا على عرض، ولا على مال، ولا على سر، لا يعيننا على خير، بل ويزين المعصية، ويحث على الخبث. ، وإذا أنعم عليه كفَر، وإذا أنعم علينا مَنَّ . قال ابن الجوزي رحمه الله: "فالعجب ممن يترخص في المخالطة وهو يعلم أن الطبع يسرق، وإنما ينبغي أن تقع المخالطة للأرفع والأعلى في العلم والعمل ليُستفاد منه، فأما مخالطة الدون فإنها تؤذي، إلا إذا كانت للتذكير والتأديب".
من لم تجانسه احذر تجالسه ما ضر بالشمع إلا صحبة الفتل
فأين نجدهم........ ،أين يوجد الصاحب الصالح الذي ينتفع به؟
عن الحسن ابن علي رضي الله عنهما قال: [من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب ثمان خصال: آية مُحكمة، وأخاً مُستفاداً، وعلماً مُستطرَفاً، ورحمةً منتظَره، وكلمةً تدله على هدى، أو تردعه عن ردى، وترك الذنوب حياءً، أو خشية].نعم هم أين يذكر الله ،في بيوته ، ودور علمه ، ومجالس ذكره ، وساحات فكره.إن سعينا للبحث فذاك مكانهم والكلمة الطيبة عطرهم وسيماهم في وجوههم
قال بعض السلف : عليكم بإخوان الصدق، فإنهم زينة في الرخاء، وعصمة في البلاء. وقد روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: [لولا ثلاثٌ ما أحببت البقاء ساعة: ظمأ الهواجر -الصيام في النهار الحار- والسجود في الليل ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما يُنتقى أطايب الثمر].
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لولا القيام بالأسحار، وصحبة الأخيار؛ ما اخترت البقاء في هذه الدار.
وقال أيوب السختياني رحمه الله: [إذا بلغني موت أخٍ لي فكأنما سقط عضوٌ مني]. ومن أجمل ما وصفت به رفقة الصاحب الصالح
أخاك أخاك فإن من لا أخاً له كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
ولذلك أيعقل التفريط في صحبة الصالحين وتضييع الأخ الصالح الناصح. إن أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع مَن ظَفَر به منهم، فربما يلقاهم ثم يضيعهم؛ فهذا أعجز مِن الذي فرط في ملاقاتهم والتعرف عليهم أصلاً؛ لأنه عرف النعمة ثم كفرها.
ففي مرة خرج ابن مسعود على أصحابه فقال: [أنتم جلاء أحزاني].
أي أن الأصحاب مسرة للعين والقلب،تلقاهم النفس لتتزود منهم الراحة والقوة وبما أن خير الزاد التقوى فاجعلوا يا أبنائي أفضل أصحابكم اتقاهم .
وآخر حكمة نذكرها لكم أبنائي على لسان شيخ الإسلام رحمه الله حيث قال: "الناس كأسراب القَطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض. ولا تقل: إنه لا يضرني، فالصاحب ساحب، والتشبه حاصل."لذا ينبغي تمام الحرص عند الاختيار.
واختر قرينك واصطفيه تفاخراً فكلُّ قرين بالمقارَن يَقتدي
وإلى لقاءٍ آخرَ ونصائِحَ أُخرَى إلى الآباءِ والأبناءِ فالسَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله وبركاتُهُ.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب )من مقومات النفسية الإسلامية) الحلقة المائـة وأربع

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وسيد المرسلين, المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية, مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية, نقول وبالله التوفيق: موضوع حلقتنا لهذا اليوم هو "الشروط الواجب توافرها فيمن يخطب الجمعة".
اقتبست مادة هذه المقالة من مقالة كتبها الأستاذ علي مدني الخطيب الداعية المصري جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
إن الخطابة هي فن مشافهة الجماهير والتأثير عليهم، وخطبة الجمعة كانت ولا تزال لها تأثير كبير إذا أديت على الوجه الصحيح. وأما الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يخطب الجمعة، فمن الممكن أن نلخصها في الأمور الآتية:

أولا: يجب أن يشعر الخطيب بأنه صاحب رسالة يؤديها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها، وذلك لأن صاحب الرسالة يستفرغ كل طاقته في محاولة توصيلها للناس، لا يكل ولا يمل. والمشكلة الآن في أن الخطابة قد أصبحت وظيفة يتكسب بها الخطباء عند الغالبية العظمى منهم في كل البلدان، وهذا ما ضيع كثيرا من فائدتها. وعما قريب في ظل دولة الخلافة القادمة بإذن الله ستعود الخطابة إلى سابق عهدها, تؤدي دورها في الأمة على أحسن وجه وعلى أفضل ما يرام.

ثانيا: الخطابة فن، ولذا ينبغي لمن يتصدى لها أن يكون ذا موهبة، يثقلها بالعلوم والمعارف المختلفة، ذات الصلة الوثيقة بعلم الخطابة، فسعة الاطلاع خير معين للخطيب في أداء خطبته بقوة وتأثير.

ثالثا: الناس ينظرون إلى سلوك الخطيب، ويدققون النظر فيه، ولذا ينبغي أن تتطابق أفعاله مع أقواله، فالتزام الخطيب بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيق ما يدعو إليه في خطبته، يجعل لكلامه قبولا عند المستمعين، أما مخالفة القول للعمل، فأكثر المستمعين لا يثقون به ولا بكلامه.

رابعا: أن يكون الخطيب شجاعا في قول الحق، مع التحلي بالحكمة وحسن التقدير للموقف، بعيدا عن التهور والاندفاع غير المحسوب، فالشجاعة في قول الحق صفة أساسية لا بد وأن يتحلى بها الخطيب؛ لأنه سيتعرض لأمور كثيرة, إن لم تكن عنده الشجاعة الكافية فلن يستطيع أن يوفيها حقها.
وكما نطالب الخطباء بالشجاعة، فإننا نطالب الحكام أن يسمعوا كلمة الحق ويستجيبوا لها. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها!".

خامسا: أن يكون وثيق الصلة بجمهوره، أقصد مستمعيه، وأن يحدث تقاربا بينه وبينهم، فيعود مرضاهم، ويسأل عن غائبهم، ويشارك في وضع الحلول لمشكلاتهم، وكلما اقترب من المدعوين ووقف بجانبهم في أزماتهم كان ذلك أدعى إلى التفافهم حوله.
مع ملاحظة أن يعف نفسه عما في أيدي الناس، كما ورد في الحديث الشريف عن سهل بن سعد الساعدي، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس". رواه ابن ماجة بسند صحيح.

سادسا: أن يكون على قناعة تامة بما يدعو إليه، حتى يكون قادرا على الإقناع والتأثير، فالإيمان بقضية ما يجعل صاحبها يدافع عنها بكل ما يملك.

سابعا: اختيار موضوع الخطبة بحيث يعالج القضايا التي لها مساس بواقع الحياة التي يحياها الناس، ويناقش المشكلات الاجتماعية المتعددة، ويحاول طرح الحلول المناسبة لها والمستنبطة من الشرع الحنيف، أما الموضوعات السلبية التي لا تعالج أمراض المجتمع وعلله المختلفة، فإن الاستفادة منها تكون قليلة. ويا حبذا لو اتفق خطباء الحي وحاملي الدعوة ممن يأمرون بالمعروف, وينهون عن المنكر, ويحرصون على تبليغ رسالة الإسلام للناس كافة, يتفقون على موضوع واحد، كل يعالجه بأسلوبه الخاص به، مع التقيد بالأحكام الشرعية, فستكون النتيجة أجدى وأفضل.

ثامنا: فصاحة اللسان، وسلامة مخارج الحروف، مع مراعاة حسن الإلقاء، قوة ولينا، فلا يكون الإلقاء على وتيرة واحدة، حتى لا يمل السامع.

تاسعا: حسن الهندام والمظهر، وإن كان لا دخل له في شخصية المرء, وهو من القشور كما بيـنا سابقا, لكن الأولى والأفضل أن يحرص المؤمن أن يظهر بالمظهر الحسن, فينبغي أن تكون ملابسه مرتبة, وهيئته حسنة.

عاشرا: أن يتجنب الألفاظ المسيئة التي لا يحسن استخدامها ومن الأمثلة على ذلك ما قاله أحد الخطباء في حضرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبينا" فقال له عمر رضي الله عنه: "بئس الخطيب أنت!". والخطأ في قوله: "ومن يعصهما" حيث استخدم ضمير المثنى "هما" ليعبر به عن الله ورسوله, والصواب ترك الضمير, وأن يقول: "ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا".

حادي عشر: مع الإعداد الجيد، ومع كل ما سبق: التوكل على الله، وطلب العون منه، كما فعل ذلك نبي الله موسى عليه السلام، حينما دعا ربه قائلا: {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}. (طه 28)

ثاني عشر: مميزات الخطبة الناجحة خمسة: مقدمة قوية, وصوت واضح, وممارسة, وإلقاء معتدل وخاتمة قوية.

ثالث عشر: أقسام أو أجزاء الخطبة ثلاثة: هي المقدمة, والموضوع, والخاتمة.

رابع عشر: أهداف الخطبة أربعة هي: الإفهام والإقناع والإمتاع والاستمالة.

خامس عشر: خصائص أسلوب الخطبة عشر: قصر الجمل والفقرات, وجودة العبارة والمعاني, وشدة الإقناع والتأثير, والسهولة, ووضوح الفكرة, وجمال التعبير, وسلامة الألفاظ, والتنويع في الأسلوب ما بين الإنشائي والخبري, وقلة الصور البيانية, والإكثار من السجع غير المتكلف.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمد احمد النادي

المعلم التاسع: ثبوت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
وقفنا في الحلقة السابقة: بما أن القرآن ليس من عند العرب، ولا من عند محمد صلى الله عليه وسلم وهو واحد منهم, ولا من عند العجم, فهو حتما من عند الله خالق الكون والإنسان والحياة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وما دام القرآن معجزا للبشر, فإن الذي أتى به دليلا على نبوته ورسالته يكون نبيا ورسولا حقا, وما دام القرآن لا يزال يتحدى البشر بإعجازه فهو معجزة دائمة. ومحمد إذن نبي لكل البشر حتى يوم القيامة, وهو خاتم الأنبياء والمرسلين, وهو الوحيد من بينهم الذي تمتاز نبوته بالدوام, ورسالته بالشمول والدوام.

أوحى الله إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم باللغة العربية بوساطة الملك جبريل عليه السلام. وأنزله عليه مفرقا في مدة ثلاث وعشرين سنة . وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس كافة تدل على صدق رسالته. وسيظل القرآن معجزة إلى يوم القيامة يوم تقوم الساعة.
وكان القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بحفظه في الصدور، وكتابته في الرقاع، من جلد أو ورق أو عظم أو عسب النخل أو حجارة رقيقة. وكان إذا نزلت الآيات، أمر بوضعها موضعها من السورة، فيقول ألحقوا هذه الآية في سورة كذا بعد آية كذا، فيضعونها موضعها من السورة.
روي عن عثمان بن عفان أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم تنزل عليه الآيات فيقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا". (رواه الترمذي3011)
وهكذا حتى نزل القرآن كله والتحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى بعد أن كمل نزول القرآن. ولذلك كان ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن توقيفيا من النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله تعالى فهو ترتيب توقيفي من الله تعالى. وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في ذلك مطلقا. وهذا الترتيب للآيات في سورها على الشكل الذي نراه الآن، هو نفسه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفسه الذي كان مكتوبا بالرقاع والأكتاف والعسب واللخاف ومحفوظا في الصدور. وعليه فإن القرآن قطعي في وروده إلينا وفي ترتيب آياته.

أيها المؤمنون:
لقد نقل إلينا القرآن الكريم بطريق التواتر، أي نقل القرآن الكريم جمع كبير من الصحابة رضي الله عنهم إلى التابعين، ثم نقله جمع كبير من التابعين إلى تابعي التابعين، ثم نقله جمع كبير من تابعي التابعين حتى وصل إلينا كما نزل مكتوبا في الصحف التي جمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ونسخها عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخط نفسه, والإملاء ذاته الذي كتبت به الصحف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل الوحي بها. وقد تكفل الله بحفظه بقوله: )إنا نحن نزلنا الذكر‌ وإنا له لحافظون(. (الحجر : 9 ).

وبما أن القرآن كلام الله ولا يأتي بكلام الله إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي .
وكذلك اشتمل القرآن على دعوة الناس إلى الإيمان بالله وحده وعبادته، والالتزام بطاعته، ورتب على طاعته الجنة وعلى معصيته النار، ولا يأتي بأوامر الله ونواهيه إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي أيضا.
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.