نظام النفعية يرهن الناس بحاجاتهم
نظام النفعية يرهن الناس بحاجاتهم

منذ أن تسلط النظام الرأسمالي على رقابنا وبسط نفوذه وهيمنت أفكاره وسادت سياساته التي تستثمر في كل المجالات وتقتات على كل الجراحات والآلام، والإنسان عامة يعاني صنوفا من العذابات، وذوي الاحتياجات الخاصة يتعرضون للذل والهوان. فجشع هذا النظام جعله يستغل كل نقص أو عجز لدى فئة من الناس ليضمن لنفسه الحياة بإيهامهم بحرصه على رعاية مصالحهم والسهر على حل مشاكلهم،

0:00 0:00
السرعة:
March 08, 2020

نظام النفعية يرهن الناس بحاجاتهم

نظام النفعية يرهن الناس بحاجاتهم

منذ أن تسلط النظام الرأسمالي على رقابنا وبسط نفوذه وهيمنت أفكاره وسادت سياساته التي تستثمر في كل المجالات وتقتات على كل الجراحات والآلام، والإنسان عامة يعاني صنوفا من العذابات، وذوي الاحتياجات الخاصة يتعرضون للذل والهوان. فجشع هذا النظام جعله يستغل كل نقص أو عجز لدى فئة من الناس ليضمن لنفسه الحياة بإيهامهم بحرصه على رعاية مصالحهم والسهر على حل مشاكلهم، والحقيقة أنه يقتات على احتياجهم. فكما يستغل حالة الفقر ليقدم الفتات للفقير ويهينه بالمن عليه ببعض الهدايا والعطايا ليكون صاحب فضل عليه، فيخجل الفقير أن لا يرد له الجميل ويسارع للتصويت لفائدة المحسن يوم الانتخاب!

وبالمنطق نفسه أوهَم هذا النظام ذوي الإعاقة أنه ضمن لهم حقوقهم وسن قوانين تحميهم، والحقيقة أنهم في ظل نظام يتاجر بهم ويذلهم بل ينكل بصغيرهم قبل كبيرهم.

فقد كان إسناد لقب معاق أو ذي احتياج خاص لطفل، خلقه الله واعتبره إنسانا، يندرج ضمن التقسيمات التي اعتمدها النظام الرأسمالي داخل المجتمع ليتمكن من رقابهم ويسهل عليه تضليلهم وإلهاؤهم، ويضاف إلى هذه الفئة عنصر يخدمه في حربه على الإسلام هو إيهام هذه الفئة بأن ما يعانونه من نقص أو احتياج تسبب فيه خالقهم، فيسهل عليه تحقيق غاية من أهم غاياته في تعامله مع المسلمين، وبهذا لا نستغرب تدخل الغرب على نطاق واسع في الجمعيات التي تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة من تمويل وتنسيق وبرامج وتبادل خبرات وعقد ندوات...

وقد عمد النظام إلى تعميق الهوة بين الشخص الطبيعي والشخص المعاق بمنح المعاق بطاقة تمكنه من التنقل والعلاج المجاني، فكان هذا أقصى ما جاد به هذا النظام على شخص يقرون له بخصوصية الحاجة وفي المقابل يحرمونه من الرعاية العامة، فحتى هذه البطاقة لا يسهل الحصول عليها، بل يتطلب الأمر ذهابا وإيابا إلى الإدارات والمكاتب ووعودا وحتى رشوة! والأدهى أن هذه البطاقة تحدد بمدة زمنية تستوجب تجديدها حين انتهاء صلاحيتها. بمثل هذه المنة يجعلون نظامهم صاحب فضل على هذه الفئة من الناس والحال أنهم طبعوه بطابع العجز والنقص.

ولم يكتفوا بذلك، بل حرموا الطفل المعاق من حقه في التعليم العمومي، فقد تعمدت الدولة إهمال هذا الجانب حين تغافلت عن تخصيص فضاءات ومراكز وبرامج وميزانية لتعليمهم ما ينفعهم وتخلت عن هذا الدور ومكنت الجمعيات الخاصة ذات الطابع الخيري من القطاع برمته، فتعددت الجمعيات وتنوع نشاطها، كما تداخل وأصبح مجالا للاستغلال بأشكال مختلفة وتعددت المشاكل وغابت الدولة غيابا كليا، وعوضتها هذه الجمعيات الخاصة التي لا تخضع لرقابة ولا لسلطة في أغلب نشاطاتها، باستثناء بعض الجمعيات التي تحولت إلى مؤسسة شبه حكومية بعد أن أصبحت الدولة شريكة لبعض الجمعيات القليلة، لكنها شراكة وليست رقابة حيث إنها تسببت في تجاذبات كثيرة حول موضوع المنح الأجور والترقيات وما إلى ذلك من مشاكل؛ لأن العاملين والمربين في هذه الجمعيات شبه الحكومية لا ينتمون لأية وزارة، وهذا ما جعلهم يدخلون في سلسلة من الإضرابات وتلاميذهم منقطعون عن الدراسة التي غالبا ما تأخذ الصيغة الحرفية وكأن هؤلاء ليسوا كسائر الأطفال!

وقد اضطرت جمعيات عدة إلى إغلاق أبوابها وترك الصغار يواجهون مصيرهم من غير ضامن لحقهم في التعليم، رغم ترسانة من القوانين والتشريعات التي تحفظ في الرفوف ولا تطبق، وإن طبقت فهي قاصرة ولا تعالج مشكلا.

هذا فيما يخص التعليم، أما الحق في العلاج والصحة فإن الحديث عن الاتفاقيات والمنح التي توفرها الدولة للمعاق لمجانية العلاج لا تحصى ولا تعد، لكن الحقيقة أن الأسرة التي يكون أحد أطفالها مصابا بإعاقة ما تجد نفسها تعاني من أجل علاجه أو توفير مستلزماته الأمرّين نظرا لارتفاع تكلفة العلاج من جهة ولصعوبة توفر مراكز قريبة من جهة أخرى.

إننا إزاء نظام لا حدود لجوره ولا نهاية لظلمه فهو يقهر صاحب الحاجة ويذله ولا يمكنه من حاجته، فهي التي تجعل المحتاج رهينة لهذا النظام فلا يستطيع فك قيده والهروب بعيدا عنه.

والطفل المعاق وأسرته ظلوا متعلقين بوهم الحق الذي سوّقه النظام لكن أحدا لم يصل له، فهو كالسراب الذي يبتعد كلما اقتربتَ منه!

ويبقى الحديث عن واقع طفل ابتلاه الله في حاسة من حواسه أو عضو من جسمه في ظل نظام يقوم على النفعية ويدعي حماية الحقوق والحريات، يبقى مجرد أبحاث ودراسات ومؤتمرات لا تتجاوز جدران القاعات التي تعقد فيها، ولن ينال الناس حقوقهم إلا في ظل نظام رباني يراعي إنسانية الإنسان ولا يقسم الناس إلى فئات، فكل عاقل مكلف وكل مكلف محاسب. إنه نظام الخالق الذي يعرف حاجة عبده وعجزه ونقصه فيقدم له العلاج الشافي لكل مشاكله. في ظل هذا النظام فقط تنتفي الفوارق وتسترد الحقوق.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سهام عروس – ولاية تونس

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو