قلب المسلم: طائر جناحاه الخوف والرّجاء
قلب المسلم: طائر جناحاه الخوف والرّجاء

ليس غريبا أن يعيش الكافر في هذه الدّنيا وقد غفل عن الحياة الآخرة لا يخاف ما سيؤول إليه أمره فقد جحد نعمة خلق الله له وأنكر وجود الله واتّخذ إلهه هواه وسلّم نفسه للشّيطان يزيّن له الدّنيا وملذّاتها ويغويه بالشّهوات ليشبع غرائزه وحاجاته دون قيد ولا خوف.

0:00 0:00
السرعة:
May 29, 2020

قلب المسلم: طائر جناحاه الخوف والرّجاء

قلب المسلم: طائر جناحاه الخوف والرّجاء


ليس غريبا أن يعيش الكافر في هذه الدّنيا وقد غفل عن الحياة الآخرة لا يخاف ما سيؤول إليه أمره فقد جحد نعمة خلق الله له وأنكر وجود الله واتّخذ إلهه هواه وسلّم نفسه للشّيطان يزيّن له الدّنيا وملذّاتها ويغويه بالشّهوات ليشبع غرائزه وحاجاته دون قيد ولا خوف.


لكن أن يكون هذا حال المسلم يسير على ما سار عليه الكافر فيغفل عن الآخرة وعن مصيره فيها فهذا أمر غريب غرابة عيشه في الحياة الدّنيا وقد غاب عنها شرع ربّه وأحكامه. فكيف للمسلم الذي آمن بالله ربّا وبنبيّه محمّد e رسولا وبالقرآن كتابا ودستورا أن يحيا وقد ألغي الإسلام من حياته، إلّا من بعض العبادات التي صارت عادات أشبه بما يؤدّيه النصارى في الكنيسة؟!


أنّى له العيش في ظلّ نظام رأسماليّ كافر فرض عليه حياة بُعْدٍ عن الله وعن هديه ونوره، حياة يجري فيها لا يلوي على شيء كلّ همّه تأمين حاجياته فمات قلبه وانعدم خوفه من الله، إلّا من رحم ربّي؟ لماذا تحوّل الكثير من المسلمين عن التّجارة الرّابحة وتمسّكوا بتجارة خاسرة مهلكة؟ لماذا غفلوا عن الآخرة وانشغلوا بالدّنيا الفانية؟ لماذا تحجّرت قلوب الكثيرين فباتوا لا يخشون عاقبة ذنوب ارتكبوها، وتراهم إمّا يتكبّرون عن نصح البعض لهم فتأخذهم العزّة بالإثم أو يتواكلون على رحمة الله فلا يهتمّون للذّنوب صغيرة كانت أو كبيرة ويردّدون "الله غفور رحيم"؟! عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبي e فيما يرويه عن ربّه أنّه قال: «وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنَ، وَإِنْ أَخَفْتُهُ فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ أَمَّنْتُهُ فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ فِي الْآخِرَةِ».


ألم يقف هؤلاء على هذا الحديث القدسيّ؟ ألم يتدبّروا كلماته؟ ألم يهزّهم قسم ربّهم بعزّته؟ كيف يعيشون دنياهم في أمن وهم على يقين بأنّهم يحسنون فيها صنعا ثمّ يأملون العيش في هذا الأمن في الآخرة: هل اجتمع فيهم الأمنان؟ كيف هذا؟! قطعا لا يمكن حدوث ذلك وقد أقسم الله عزّ وجلّ بعزّته أن لا يجمعهما على عبده!


على المسلم إذاً أن يحسن ظنّه بالله كما أنّ عليه أن يخاف عقابه. وحتّى يسير سيرا سليما في هذه الدّنيا وجب عليه الجمع بين الاثنين حتَّى يَلْقى الله سبحانه وتعالى، عليه أن يمشي في الأرض يبتغي في أعماله حلالها ويتجنّب حرامها، يخشى ربّه ويرجو ثوابه ولا يَغُرّه عمله فيحسبه منجّيه وينسى رحمة الله وفضله. عن أنس بن مالكٍ رَضِي اللهُ عَنْه: «أَنَّ النَّبِيَّ e دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقَالَ أَرْجُو اللَّهَ وَأَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ».


هذا ما يجب أن يكون عليه المسلم؛ خائفا وراجيا. إذ يدفع الخوفُ والرَّجاءُ من الله تعالى الإنسانَ إلى العمل الصّالح وإلى حسن الظّنّ بالله وبرحمته، فهما السّبيل للنَّجاة من النّار ودخول الجنَّةِ. هذا ما بلّغه e لأُمّته وهذا ما سعى إلى غرسه في نفوس صحابته وجميع المسلمين. أكّد عليهم أن يلزموا الخوف من الله وأن لا يأمنوا زيغهم وابتعادهم عن هدي ربّهم. عليهم أن يدعوه؛ يسألونه الثّبات كما كان عليه الصّلاة والسّلام يفعل. فقد كان دائم السّؤال يلحّ على ربّه أن يثبّت قلبه على دينه وعلى طاعته! فهذا رسول الله وحبيبه الذي غفر له ما تقدّم وما تأخّر ووعد بالجنّة، فكيف بنا نحن؟! فأين نحن من الحبيب المصطفى الذي جمع بين الخوفِ والرَّجاءِ، والرَّغبةِ والرَّهبةِ ووعى على عظم هذا الأمر فسار في الدّنيا يعبد الله حقّ عبادته حتّى لقاه غير مبدّل ولا مفتون ونال ثواب الله ومرضاته وفاز بجنّته؟


على المسلم أن ينفطر قلبه إن قام بذنب أو فرّط في واجب أو غفل عن أمر من أمور دينه وعليه أن يخشى طوال حياته من غضب الله وانتقامه وأن يخاف عذاب النّار. هذا الخوف هو السّراج الذي ينير قلبه فإن فارَقه خرب هذا القلب وضاع صاحبه وفسدت أعماله. فكيف للمسلم اليوم أن يضمن رضوان ربّه ويحيا في هذه الدّنيا غير خائف من مصيره في الآخرة وكأنّه على يقين بالفوز؟! كيف يسير في الدّنيا وقد غفل عن هذا الأمر الجلل الذي يقيه شرّ القيام بالمعاصي ويحول دونه ودون الشّهوات فيتّقي الوقوع في الآثام والقيام بالمحرّمات؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾. فالخوف يحثّه على أن يقوم بالصّالحات ويترك المحرّمات ولكن دون أن يتحوّل إلى خوف مذموم يؤدّي به إلى اليأس والقنوط من رحمة الله و﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. فالمسلم يطمع في نيل رضا الله ومحبّته وثوابه وفي أن يكون من أهل الجنّة ويفوز بنعيمها. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.


فطمع المسلم هو رجاؤه في عطاء ربّه وهو ما يدفعه على الاستمرار في العمل الصّالح فيتنافس في الخيرات ويجتهد في إكثار الطّاعات وقد تعلّق قلبه بالجنّة ونعيمها وصار يجاهد نفسه ويمنّيها بما وعد الله به المتّقين في الدّار الآخرة ويستغلّ وقته في كلّ ما يعود له بالخير والمنفعة فيها. عليه أن يكون ذا قلب حيّ ينبض بحبّ الله... ويحلّق كطائر بجناحيه! يقول ابن القيّم: "القلبُ في سيره إلى الله عزّ وجلّ بمنزلة الطّائر؛ فالمحبّة رأسه والخوف والرّجاء جناحاه". فالخوف والرّجاء هما جناحا قلب المسلم ولا يمكنه الطّيران ولا التّحليق لبلوغ غايته إن فقد أحدهما. فحين يمسك المسلم كتاب الله ويرتّل آياته يصيبه الخوف والهلع من تلك الآيات التي يتوعّد الله فيها الكفّار والمنافقين وينتابه القلق خوفا أن يكون منهم، وحين يقرأ الآيات التي يعد فيها المؤمنين بالنّعيم وبصحبة الرّسول e يسعد بذلك ويشتاق لبلوغ مرتبة هؤلاء ويسأل ربّه أن لا يحرمه ذلك ويكون منهم.


وبذلك فإنّ علم المؤمن بالعذاب العظيم يدفعه للخوف وعلمه في سعة الله ورحمته يجعله يأمل ويرجو ربّه. قال عليه الصّلاة والسّلام: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ».


وعليه لا بدّ للمسلم أن يكون بين المقامين: مقام الخوف ومقام الرّجاء، وأن يكون متوازنا لا يغلّب أحدهما على الآخر، فإن غلبته نفسه ودعته إلى معصية فعليه أن يتذكّر الخوف والعقاب من الله، وإن دعته للابتعاد عن الأعمال الصّالحة فعليه أن يعود إلى ذكر الله وإلى استحضار رحمته ومغفرته. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾. يسير على هدي نبيّه عليه الصّلاة والسّلام وسائر الأنبياء الذين عبدوا ربّهم خوفا وطمعا. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.


يعيش المسلم اليوم في ظلّ نظام رأسماليّ يفصل الدّين عن الحياة! نظام كفر لا يخاف الله ولا يرجو رحمته! نظام جاحد حقود على هذا الدّين وأهله فكيف يرضى المسلم بذلك؟ كيف يقبل العيش دون أحكام ربّه تطبَّق فيه؟ كيف يبقى دون إمام ينفّذ فيه أحكام الإسلام ويقيه شرّ الوقوع في شهوات الدّنيا؟ كيف يأمن عقاب ربّه وهو راض عن هذا الباطل؟ كيف لا يخاف غضب ربّه وقد عطّلت أحكامه وعادت البشريّة إلى الظّلمات والجاهليّة؟!


إنّ قلب المؤمن لا بدّ أن ينبض بحبّ الله ويحلّق كطائر يرفرف بجناحيه خوفا من الله وطمعا في رحمته فيبلغ عنان السّماء ويحيا الحياة التي يرضاها له ربّه ويكون بذلك بإذن الله من الفائزين. عليه أن يسارع لنشر الخير وإعادة نور الله ويعمل مع العاملين المخلصين فينصر دين الله ويرفع راية العقاب عاليا خوفا من أن يؤاخذه ربّه بما فعل السّفهاء وطمعا في نيل رضوانه بأن يكتبه من الصّالحين المصلحين.


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
زينة الصّامت

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو