January 01, 2009

قراءة في كتاب:  الأزمات الاقتصادية؛ واقعها ومعالجاتها من وجهة نظر الإسلام

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ،

ها نحن ذا نعود لنلقاكم في جولة جديدة ضمن برنامجنا قراءة في كتاب ، وكتاب هذه الجولة عنوانه " الأزمات الإقتصادية واقعها ومعالجاتها من وجهة نظر الإسلام " ومؤلف هذا الكتاب أمير حزب التحرير الشيخ (أبو ياسين) عطاء خليل أبو الرشته.


وبالرغم من أن هذا الكتيب ليس بالجديد، إلا ان موضوعه متجدد، وهو موضوع بحاجة إلى معالجة جادة وحاسمة، وفي أيامنا هذه يصطلي العالم من سوء معالجات هذا الموضوع وهو الإقتصاد. وهنا لابد من إعطاء نظرتين حول أسلوب الكاتب:


أولاهما: أن الكاتب، بالرغم من صغر حجم الكتيب، استطاع أن يعطي خلفية مفيدة جدا لأسباب الأزمات وبعض النواحي السياسية والتاريخية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الكاتب إنما نظر للموضوع من وجهة النظر الإسلامية وعلى أساسها وضع الحلول لها، أي معالجات هذه الأزمات.


ثانيهما: أن الكاتب كان يكتب وإحساسنا أنه يكتب ليعالج وضعا هو مقدم على السيطرة عليه، أي أنه يكتب بقلم الممسك بزمام الأمور، وبيده مقاليد الحكم، خاصة عندما يتكلم عما يجب أن يضع الحاكم من سياسات، مع أنه لم يطلعنا على اي من هذه السياسات بأي نوع من التفصيل، ويكفينا قوله:"والدولة التي تسير على مبدأ صحيح ووجهة نظر سليمة لا يمكن أن يحدث عندها خلل بسيط ثم تسكت عن علاجه في الوقت المناسب حتى يتراكم ويصبح خللا مركبا ينقلب إلى أزمة، ولكن تعالجه في بدايته".


بدأ المؤلف بتعريف كلمة أزمة من أنها تعني الشدة لغةً، وفي موضوع البحث تعني " الشدة التي يستعصي حلها إلا ببذل جهد وإفراغ وسع"، وكذلك تطرق لمعنى إقتصاد، حيث أن الكتيب يُعنى بالأزمات الإقتصادية، فقال أن الإقتصاد لغة من القصد ، وكذلك تعني التوفير وضد الإفراط . أما الكلمة، وخاصة أن المصطلح الدارج حاليا أتانا من الغرب، أي كلمة إقتصاد باللغة الإنجليزية (ECONOMICS) فاصلها مشتق من اللغة الإغريقية ويعني تدبير أمور البيت. وبعد هذ التعاريف، لخص لنا الكاتب معنى الأزمة الإقتصادية بقوله:


"وبذلك فإن الأزمة الإقتصادية تعني الإضطراب الشديد في تدبير أمور الدولة المالية الذي يحتاج لبذل جهد وإفراغ وسع لإزالته وإعادة الوضع إلى الإستقامة والإعتدال ".


وبدأ المؤلف ببحث أهم مصادر الأزمات المالية، ولخصهما بعاملين هما: النقد وميزان المدفوعات. أما النقد، فأعطانا الكاتب خلفية رائعة تفسر الكثير مما يحدث الآن من أزمة إقتصادية، وكيف هيمن الدولار الأمريكي على الإقتصاد العالمي. وذلك أن الناس كانت تتخذ الذهب والفضة اساسا للنقد، وحتى حين أصدرت بعض الدول أوراقا نائبة عن الذهب كان بالإمكان استبدال هذه الأوراق بالذهب في أي وقت، وسمي هذا بقاعدة الذهب، وفي منتصف الأربعينات من القرن الفائت، وتحديدا في الثاني والعشرين من تموز لعام اربعة وأربعين وتسعمائة وألف، عُقد مؤتمر بريتون وودز في أمريكا ليخرج بقرارات جديدة بخصوص التعامل النقدي بالذهب، وكان من ابرز قرارات هذا المؤتمر:


أولا: على جميع الدول أن تحدد نسبة ذهب معينة لتغطية عملتها، وأن لا يتم التبادل بين الورق النائب بالذهب لأي فرد أو هيئة، إلا الدولار الأمريكي فيمكن استبداله بالنسبة للأرصدة الخارجية.


ثانيا: اشترط على الدول الأعضاء أن تقوم بتثبيت سعر الصرف لنقدها، بسياسات معينة تضعها الدول متناسبة مع غطاء من الذهب والدولارات القابلة للتحويل إلى ذهب، وسمح المؤتمر بتقلبات لهذا السعر في حدود 1% (واحد بالمائة ) وإلا تدخلت الدول لإعادته. "وأفرز هذا المؤتمر المشؤوم منظمتين شيطانيتين وضِعتا للسيطرة والهيمنة على العالم إقتصاديا وسياسيا، هما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وكلتا المنظمتين أُسِسَتا بحيث تكون لأمريكا الهيمنة عليهما، بأن كان لأمريكا أكبر الحصص فيهما، فكان، وما زالت، قراراتهما أمريكية. واستمرت قرارات هذا المؤتمر سارية مع بعض التجاوزات، حتى تم إلغاؤه نهائيا بقرار أمريكي على يد الرئيس نيكسون في الخامس عشر من آب لعام واحد وسبعين وتسعمائة وألف. ويخبرنا المؤلف عن هذه المرحلة بقوله: " وبعد ذلك أصبح النقد يستعمل على اساس الزاوية الاسمية وصار تعريفه ( أية مادة كانت، بصرف النظر عن شكلها ونوعها، تصبح بفضل القانون وسيطة عامة للتبادل المالي ). وبالتالي أصبحت الأوراق النقدية الإلزامية هي المستعملة، وتأخذ قيمتها بقانون الدولة، وترتفع وتنخفض بحسب اقتصاديات الدولة وسياساتها وإجراءاتها المتبعة في ذلك كإدارة ميزانها التجاري وميزان مدفوعاتها وغير ذلك مما له علاقة" انتهى كلام المؤلف.


وعندما لا تكون العملة مدعومة بالذهب أو الفضة، فإن ذلك يؤدي إلى فقدان الإستقرار في صرف العملة مما يؤدي إلى عدم الإستقرار داخليا وخارجيا. صحيح أن نظام الصرف بالذهب له مشكلاته، لكن هذه المشاكل غالبا ناتجة عن عدم تنظيم الواردات بالنسبة للصادرات أو عدم وجود ذهب كاف لتغطية الورق النقدي في السوق، وهذا ناتج عن عدم السيطرة على طبع العملة بالنسبة للمخزون الذهبي، مع أنه مما يمكن السيطرة عليه في حال وجود دولة مبدئية قائمة على إحقاق الحق، وليس كدولة مثل أمريكا قائمة على السيطرة بغض النظر عن الكيف، أداها جشعها وطمعها لأن تطبع دولارات ليس لها غطاء ذهبي مما أدى إلى أزمةِ مابين الثامن والخمسين وتسعمائة وألف والثامن والستين وتسعمائة وألف. ولهذا فالمطلوب للإستقرار هو العمل بنظام القاعدة الذهبية والتي تجعل العملة مغطاة بالذهب في التعامل الداخلي والخارجي، وليس نظام الصرف بالذهب الذي يقتصر على التغطية بالذهب في التعاملات الخارجية مع وجود الوعي والإخلاص والسعي لإحقاق الحق في التعامل.


أما الأزمات التي يوجدها نظام العملات الورقية الإسمية، فإنها كبيرة ومتعددة ومهلكة للإقتصادات لعدم وجود إستقرار في الأسواق المحلية والعالمية. فهذه العملات توجد التضخم في العملة، وتشكل عبئا ثقيلا على كاهل الدول للمحافظة على نوع من الإستقرار لقيمة عملتها، وتجعل عملة الدولة تحت سيطرة او تلاعب ومضاربات دول أخرى قد تودي باقتصاد الأولى إلى الهاوية. يقول المؤلف:" ومع كل هذه الأزمات لا زال العالم يتعامل بالورق الإلزامي وسبب ذلك هو وقوف بعض الدول المنتفعة من هذا النظام على حساب معظم الدول المتضررة، ليبقى نفوذها السياسي والإقتصادي متحكما في الآخرين نظرا لأن نقدها موجود في المصارف المركزية لباقي الدول مما جعل أوضاعها السياسية والإقتصادية متأثرا بنفوذ تلك الدول".
أما المصدر الثاني للأزمات الإقتصادية فهو ميزان المدفوعات وعرفه المؤلف وفصله بقوله: "هو الحساب الشامل لجملة المدفوعات التي تمت خلال فترة معينة بين دولة ما ودول العالم الأخرى بغض النظر عن طبيعة الأعمال. ويتكون الميزان من جانبين: الجانب الأول (الدائن) - الإيرادات - ويتكون (حسب النظم الإقتصادية الحالية من:


واحد - الصادرات المنظورة ((أي) جميع السلع المصدرة للعالم الخارجي).


إثنان - الصادرات غير المنظورة ((أي) السلع المباعة والخدمات المقدمة إلى الأجانب المقيمين أو للسائحين، ما تشتريه الهيئات الدبلوماسية الأجنبية في البلد، نفقات سفر الركاب أو نقل البضائع لصالح الأجانب المستحقة لشركات مركزها الدولة، عوائد أفلام، برق، هاتف، مكافآت إدارية ... فنية، أقساط تأمين لرعايا أجانب لشركات محلية، وتعويضات للرعايا من شركات أجنبية، ونفقات الطلاب الأجانب في بلادنا وامثالها).


ثلاثة - القروض الأجنبية أي ما تقدمه البلاد الأخرى للدولة من قروض.


أربعة - الفوائد والأرباح الأجنبية أي ما تدفعه البلاد الأخرى من فوائد وارباح للدولة.


خمسة - المنح والهبات التي تحصل عليها الدولة أو رعاياها من الدول الأخرى ورعاياها.


الجانب الثاني (المدين) - المدفوعات - وأبرز مكوناته :


واحد - الواردات المنظورة (جميع السلع المستوردة من المصادر الخارجية ).


إثنان - الواردات غير المنظورة (السلع المباعة والخدمات المقدمة إلى رعايا الدولة الذين يقيمون مؤقتا في الخارج أو للسائحين من رعاياها، نفقات سفر الركاب ونقل البضائع لصالح رعايا الدولة من قبل شركات النقل الأجنبية، نفقات طلاب يدرسون في الخارج، شراء سلع أو خدمات من الأجانب بواسطة الهيئات الدبلوماسية للدولة ، عوائد أفلام سينما، برق، بريد، هاتف، مكافآت أقساط تأمين الشركات الأجنبية، تعويضات الأجانب من الشركات الوطنية وأمثالها ).


ثلاثة - القروض للخارج.


أربعة - الفوائد والأرباح للخارج.


خمسة - الهبات والمنح والمساعدات للخارج.


ويُظهر ميزان المدفوعات الحركة الحقيقية للنقود من الدولة إلى الدول الأخرى ولا يُظهر بأي حال من الأحوال القيمة الكلية لما للدولة وما عليها قِبَل العالم الخارجي". انتهى كلام الشيخ عطاء ابو الرشته .


وميزان المدفوعات يوجد فيه الخلل وتحدث الأزمات الإقتصادية جرائه حين لا يتساوى طرفيه وهما الصادرات والواردات. وأورد المؤلف مجموعة من الأسباب التي تحدث مثل هذا الإضطراب في ميزان المدفوعات. نترك لكم أيها المستمعون الكرام الإطلاع عليها بقراءتكم لهذا الكتيب القيم. ونورد هنا قول المؤلف بخصوص معالجة الأزمات الناتجة عن ميزان المدفوعات، فقال:" والعجز في البداية إن لم يتفاقم يمكن التغلب عليه إذا اختطت الدولة لنفسها سياسة إقتصادية سليمة، ولكن العجز يصبح أزمة إذا لم تكف السيولة النقدية للدولة للمعالجة المؤقتة له حتى تستعيد الدولة تنشيط صادراتها وتقليل وارداتها ورسم سياسات وإجراءات لتحسين ميزان المدفوعات" .


وبعد ذلك أورد الشيخ عطاء بن خليل ابو الرشته سببا ثالثا للأزمات الإقتصادية وهو عدم توزيع الثروة بشكل سليم على الناس.


أما بالنسبة لحل أزمة المدفوعات فقد أورد المؤلف التالي:" إن الإسلام حل هذه المشكلة بأمرين:


الأول: رسم سياسات اقتصادية سليمة في الزراعة والتجارة والصناعة وملحقاتها.


الثاني: أوجب إيجاد المشاريع الضرورية على بيت المال حال الوجود والعدم " انتهى كلام المؤلف. صحيح أن هذا الحل قد يبدوا مقتضبا ، وهو كذلك، إلا أنه لا يسعنا في عجالتنا هذه أن نستطرد فيما أورده المؤلف من طبيعة الحلول المتبعة في العالم حاليا، ولا بوسعنا ذكر أخطار الإقتراض من صندوق النقد والبنك الدوليين وطبيعة الفائدة المعومة التي يتبعانها، و لا يسعنا ذكر الأرقام والإحصائيات المذهلة في هذا الشأن، وكذلك ليس لنا أن نذكر الأدلة الشرعية التي أوردها المؤلف، أو الحلول من وجهة نظر الإسلام التي خطها في هذا المؤَلَف، وما يسعنا هو أن نحث المستمع الكريم على قراءة هذا الكتيب القيم بكل ما للكلمة من معنى، فالكتيب يضع بين يدي القارئ النظام الإقتصادي الرأسمالي وينقضه بالنظام الإسلامي بشكل يسير وسهل وتظهر فيه الناحية العملية. وهذا الكتيب بوابة رائعة لمن أراد أن يفهم الوضع الإقتصادي الحالي في العالم، ويدرك كيف تحدث الأزمات الإقتصادية، خاصة وان العالم اليوم في خضم أزمة إقتصادية عالمية.
وهنا نختم تصفحنا لهذا الكتيب "الأزمات الإقتصادية واقعها ومعالجاتها من وجهة نظر الإسلام " بما ختم به المؤلف، الشيخ عطاء بن خليل أبو الرشته، حيث قال: " - ودولة الخلافة القائمة قريبا - إن شاء الله - هي التي بيدها الحل الناجع لجميع المشاكل إقتصادية كانت أو غيرها لأنها دولة السيادة للشرع والسلطان للأمة ولها خليفة واحد يتبنى الأحكام الشرعية ويبايع على كتاب الله وسنة رسوله فيراقب الله في جميع أعماله هو والأمة فتنتظم الحياة كما أرادها الله سبحانه وتزدهر في جميع شؤونها.


{ ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } "

من أراد أن يحصل على هذا الكتيب فيمكنه ذلك من خلال موقع أمير حزب التحرير وذلك بزيارتكم لموقع المكتب الإعلامي لحزب التحرير.
وإلى أن نلقاكم مع كتاب آخر، هذا أخوكم أبو عبد الله التحريري يستودعكم الله تعالى الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم اقتصاد

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 165) النقـود


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 165)
النقـود


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.

9966

العملة الذهبية للسلطان عبد الحميد العثماني


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي, ومع الحلقة الخامسة والستين بعد المائة, وعنوانها: "النقود". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة السبعين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.


يقول رحمه الله: "النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص. ولا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود. وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد. وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود. والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا، وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة. فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة بوحدة معينة من النقد، قد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية، التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة. ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:


أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول. فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد، لا في السلع والجهود. والمراد من الآية النهي عن كنز النقد، لأنه هو أداة التبادل العامة، ولأن كنزه هو الذي يظهر فيه أثر النهي. أما غير النقد فإن جمعه لا يسمى كنزا، وإنما يسمى احتكارا. ولهذا كانت الآية التي نهت عن كنز الذهب والفضة، إنما نهت عن كنز النقد. وقد عينت الآية النقد الذي نهى الله عن كنزه، وهو الذهب والفضة. قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). (التوبة 34) فالنهي منصب على أداة التبادل النقدية. وعلى هذا فإن كنز الذهب والفضة عينا حرام، سواء أكان مضروبا أم غير مضروب.


ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل ... وعلى أهل الذهب ألف دينار" رواه النسائي عن عمرو بن حزم. وقال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا". رواه البخاري من طريق عائشة. فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار، والدرهم، والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الإسلام ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصا، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.


ثالثها: لقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس، والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها. وكانت تقع بالذهب والفضة بوصفهما نقدا جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة بميزان معين، هو ميزان أهل مكة. روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الوزن وزن أهل مكة". ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


رابعها: أن الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.


خامسها: أن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصا على الذهب والفضة. والصرف هو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


تعريف النقود:


النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود.


بالنقد يقدر ثمن الشيء وأجر الجهد:
1. الثمن للشيء، والأجر للشخص مثلا، كل منهما هو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء، وجهد ذلك الشخص.
2. لا تعتبر السندات، ولا الأسهم، ولا ما شاكلها، من النقود.
3. التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء، ومنفعة الجهد.
4. تكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.


أطلق الإسلام للإنسان إجراء المبادلة بأي شيء:
1. حين قرر الإسلام أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع، أو لمبادلة الجهود والمنافع، شيئا معينا تجري المبادلة على أساسه فرضا.
2. أطلق الإسلام للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء، ما دام التراضي موجودا في هذه المبادلة.


من الأمثلة على المبادلة:
1. يجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن.
2. يجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوما.
3. يجوز أن يشتغل عند شخص يوما بمقدار معين من التمر.


الوحدة النقدية للمبادلة في الإسلام:
1. أرشد الإسلام إلى الوحدة النقدية وعينها في جنس معين من النقد هو الذهب والفضة.
2. لم يترك الإسلام للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء، أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة، أو متغيرة، يتصرف بها كما يشاء.
3. عين الإسلام الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعيينا ثابتا، بوحدات نقدية معينة.


تعيين الإسلام للوحدات النقدية: يفهم هذا التعيين من عدة أمور:
1. حين نهى الإسلام عن كنز المال خص الذهب والفضة بالنهي، مع أن المال هو كل ما يتمول.
2. ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب.
3. عين النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات.
4. حين أوجب الله سبحانه زكاة النقد، أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة. فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة.
5. أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام جاءت نصا على الذهب والفضة.


الموازين النقدية في الإسلام:
1. جعل المقياس للنقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار.
2. كانت هذه المقاييس معروفة مشهورة زمن النبي يتعامل بها الناس والثابت أنه عليه الصلاة والسلام أقرها.
3. كانت بهذه الموازين تقع جميع البيوع والأنكحة بالذهب والفضة بوصفهما نقدا.
4. حدد النبي عليه الصلاة والسلام ميزان الذهب والفضة بميزان أهل مكة. فقال: "الوزن وزن أهل مكة".
5. من مراجعة الموازين النقدية في الإسلام، يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهما، والدرهم ستة دوانق، والدينار عشرون قيراطا. وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي (ح 164) معاملات الصرف (ج2)


إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي
(ح 164)
معاملات الصرف (ج2)


الحمد لله الذي شرع للناس أحكام الرشاد, وحذرهم سبل الفساد, والصلاة والسلام على خير هاد, المبعوث رحمة للعباد, الذي جاهد في الله حق الجهاد, وعلى آله وأصحابه الأطهار الأمجاد, الذين طبقوا نظام الإسلام في الحكم والاجتماع والسياسة والاقتصاد, فاجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم التناد, يوم يقوم الناس لرب العباد.


أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: نتابع معكم سلسلة حلقات كتابنا إرواء الصادي من نمير النظام الاقتصادي ومع الحلقة الرابعة والستين بعد المائة, وعنوانها: "معاملات الصرف". نتأمل فيها ما جاء في الصفحة الثامنة والستين بعد المائتين من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام للعالم والمفكر السياسي الشيخ تقي الدين النبهاني.

6325632

عملة السلطان العثماني عبد الحميد

يقول رحمه الله: "وإذا اشترى رجل من رجل دينارا صحيحا بدينارين مغشوشين لا يجوز. ولكن لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من نفس الذي باعه، أم من غيره. لما روى أبو سعيد قال: "جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع، لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر، فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" رواه مسلم. وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" متفق عليه. ولم يأمره أن يبيعه لغير الذي يشتري منه، ولو كان البيع لمن اشترى منه محرما لبينه وعرفه إياه. ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره. وبيع الذهب بالفضة، ثم شراء الفضة كذلك. أما إن واطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، لأن الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين. وهي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك، لأن الوسيلة إلى الحرام محرمة، ولأن الرسول قال: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد عن عبادة بن الصامت، وروى أحمد عن أبي مالك الأشجعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". وعلى هذا فالصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع، وهو يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية، فكما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد. ولبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود".


وقبل أن نودعكم مستمعينا الكرام نذكركم بأبرز الأفكار التي تناولها موضوعنا لهذا اليوم:


أمثلة توضيحية على الصرف الجائز وغير الجائز:
1. إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر في ذمة الأول فضة، فاصطرفا بما في ذمتهما، بأن قضاه ما في ذمته من الذهب بما له عنده دينا من الفضة، جاز هذا الصرف، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
2. إذا اشترى رجل بضاعة بذهب، وقبض البائع ثمنها فضة جاز، لأنه يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفا بعين وذمة.
3. لو اشترى دينارا صحيحا بدراهم فضة، ثم اشترى بالدراهم دينارين مغشوشين جاز، سواء اشتراهما من الذي باعه نفسه، أم من غيره.


الحيل كلها محرمة وغير جائزة:
الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين.
1. تعريف الحيل: الحيل هي أن يظهر عقدا مباحا، يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرمه الله، أو إسقاط ما أوجبه، أو دفع حق، أو نحو ذلك.
2. من القواعد الشرعية قاعدة تنص على أن: "الوسيلة إلى الحرام محرمة"؛ لقول النبي: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". ولقوله: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".


خلاصة البحث في معاملات الصرف:
1. الصرف من المعاملات الجائزة في الإسلام، وفق أحكام مخصوصة بينها الشرع.
2. الصرف يجري في المعاملات الداخلية، كما يجري في المعاملات الخارجية.
3. كما يستبدل الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، من نقد البلد، فكذلك يستبدل النقد الأجنبي بنقد البلد، سواء أكان في داخل البلاد أم خارجها، وسواء أكان معاملات مالية نقدا بنقد، أم معاملات تجارية، يجري فيها صرف النقد بالنقد.
4. لبيان الصرف في المعاملات الخارجية بين نقود مختلفة لا بد من بحث النقود.


أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.