قوام الشخصية الإسلامية
September 18, 2011

قوام الشخصية الإسلامية

الحمدُ للهِ ربِ العالمينَ والصلاةُ والسلامُ على خيرِ المرسلينَ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين ومَن والاهُ إلى يومِ الدين.


ربِّ اشرحْ لي صدري ويسِّر لي أمري واحلُلْ عقدةً مِن لساني يفقهوا قولي.


السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُهُ . موضوعُنا اليوم بعنوان ( قوامُ الشخصيةِ الإسلاميةِ ) للأخت سلافة .

قوامُ الشخصيةِ الإسلامية:

الشخصيةُ الإسلاميةُ لا تتميزُ بشكلِ الإنسانِ ولا بنَسَبِهِ ولا حَسَبِهِ ولا بجسمِهِ ولا مالِهِ ولا مكانتِهِ الإجتماعية ، فكلُها مجردُ قشورٍ ولا تُشكِّلُ قوامَ شخصيةِ الإنسان .

وإنما يتميزُ الانسانُ بعقلِهِ وسلوكِه ، أي بأفكارِهِ ومفاهيمِهِ حيثُ أنَّ الأفكارَ والمفاهيمَ التي يحملُها أي دينُهُ وعقيدتُهُ هي التي تحدُدُ له سلوكَهُ.

وهذا ما نُسمِّيهِ بالعقليةِ أي التفكيرُ على أساسِ عقيدةٍ معينةٍ. والنفسيةُ هي أنَّ أعمالَهُ في الحياةِ وسلوكَهُ يكونُ حسبَ العقيدة.

لذلكَ المسلمُ صاحبُ الشخصيةِ الاسلاميةِ تكونُ عقليتُهُ إسلاميةً أي يفكرُ على أساسِ العقيدةِ الاسلاميةِ وهي التي تؤثرُ في سلوكِهِ عندما يلتزمُ بأوامرِ اللهِ ونواهيهِ بناءً على إيمانِهِ وعقيدتِهِ ، فتكونُ لديهِ النفسيةُ الاسلامية.

ولنعلمْ أنَّ المسلمَ حين تكونُ شخصيتُهُ إسلاميةً أي ملتزِماً بالعقليةِ الإسلاميةِ والنفسيةِ الإسلاميةِ يصبحُ مؤهَلاً للجنديةِ والقيادةِ في آنٍ واحد ، حيثُ يجمعُ بين الرحمةِ والشدةِ والزهدِ والنعيمِ ، يفهمُ الحياةَ فهماً صحيحاً لذلكَ يستولي على الحياةِ والدنيا يُؤديها حقَها وفي نفسِ الوقتِ يسعى إلى الآخرةِ فلا تغلِبُ عليه صفةٌ مِن صفاتِ عبادِ الدنيا ولا يأخذُهُ الهوسُ الديني والتقشُفُ.

فهو حينَ يكونُ بطلَ جهادٍ يكونُ حليفَ محرابٍ وفي الوقتِ الذي يكونُ فيهِ سيداً يكونُ متواضِعاً.


فيجمعُ بينَ الإمارةِ والفقهِ وبينَ التجارةِ والسياسةِ وأسمى صفةٍ من صفاتِهِ أنهُ عبدُ اللهِ خالقِهِ وبارئِه، ولذلكَ نجدُهُ خاشعاً في صلاتِه حافظاً لسانَهُ مؤدياً أركانَهُ غاضاً بصرَهُ حافظاً لأماناتِه وفياً بعهدِهِ منجزاً وعدَهُ مجاهداً في سبيلِ اللهِ ساعياً في طلبِ رزقِه.

هو المسلمُ صاحبُ الشخصيةِ الاسلاميةِ التي يكونُها الاسلامُ جاعلاً منهُ خيرَ انسانٍ مؤهَلا للقيادةِ مستحقاً لنصرِ الله.

إنَّ هذا الكلامَ الذي ذكرتُهُ ليسَ محضَ خيالٍ وإنما هو ينطبقُ على الواقعِ ومما تؤكدُهُ عقيدتُنا متمثلةً بالكتابِ والسنة . لنتأمَلْ قولَ اللهِ تعالى (فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ) البقرة138,137.

أي ما نحنُ عليهِ منَ الايمانِ هو دينُ اللهِ الذي صبغَنا وفطَرَنا عليهِ فظهرَ أثرُهُ علينا كما يظهَرُ الصبغُ في الثوبِ، فاللهُ شبَّهَ الايمانَ بالصبغِ الذي إذا صُبغَ به الثوبُ ظهرَ أثرُهُ عليه وتغيَّرَ لونُهُ بالكلية، وكذلكَ الإيمانُ إذا دخلَ القلبَ ظهرَ أثرُهُ على صاحبِهِ فأصبحَ يٌؤثرُ في سلوكِهِ تاثيراً مباشراً ويؤيدُ ذلكَ أنَّ اللهَ في كلِ آيةٍ يصفُ فيها المؤمنينَ أو يتحدثُ عنهم يقرِنُ مع وصفِهِم بالايمانِ صفةَ العملِ الصالحِ مِن مِثل { الذين آمنوا وعملوا الصالحات} { ومن يؤمنْ باللهِ ويعملْ صالحاً} وهكذا مما يؤكدُ أنَّ المسلمَ لا تكتمِلُ شخصيتُهُ الإسلاميةُ إلا بالإيمانِ والعملِ الصالح. رُوِيَ أنَّ أبا عمرةَ سفيانَ بنِ عبدِ الله رضيَ اللهُ عنه قال : قلتُ يا رسولَ الله " قل لي في الاسلامِ قولاً لا أسألُ عنه احداً غيرَك قال : قل: آمنتُ بالله ثمَّ استقم" .

وفي تفسيرِ الاستقامةِ قالَ ابنُ عباس : هو أداءُ الفرائضِ وعن أبي العاليةِ هو الإخلاصُ له في الدينِ أي الايمانُ والعمل . فالاستقامةُ سلوكُ الطريقِ المستقيمِ وهو دينُ الإسلامِ القويمِ من غيرِ اعوجاجٍ فيفعلُ الطاعاتِ الظاهرةَ والباطنةَ ويتركُ المنهياتِ بالكيفيةِ التي أمرَ بها الإسلام.


وقد مدحَ اللهُ المسلمَ فقالَ تعالى{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } فصلت 30, وقولُه تعالى { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } الاحقاف 14,13.

ولا أدلَّ على ذلك َكيفَ تحولتْ شخصياتُ الصحابةِ بعدَ أنْ آمَنوا تحولَتْ شخصياتُهُم تحولاً كلياً فهذا عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه كيفَ كانَ أعدى أعداءِ الرسولِ صلّى اللهُ عليه وسلم فخرجَ حامِلاً سيفَهُ مهدِداً بقتلِهِ لولا أنَّ رجلاً حوَّلَ انتباهَهُ عنِ النبيِ عندما أخبرَهُ بإسلامِ أختِه وزوجِها وعندما سمعَ آياتٍ منَ القرآنِ انشرحَ صدرُهُ للإسلامِ وشهدَ الشهادتينِ بينَ يدَيِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلم فأصبحَ شديدا على الكفرِ بعدَ أنْ كانَ شديداً على الإسلامِ وأهلِه ونذكُرُ مقالَتَهُ لأبي سفيانَ عندما طلبَ منه أنْ يشفعَ له عندَ الرسولِ صلى الله علي وسلم ويبقى على الصلحِ معهم " واللهِ لو لم نجدْ إلا الذرَ نقاتلُكُم به لقاتلناكم به".

وهذا خالدُ بنُ الوليدِ وكلُنا يعلمُ أنهُ كانَ فارساً مِن فرسانِ الشركِ وسيفاً للكفرِ على الاسلامِ ولا زِلنا نذكُرُ دورَهُ في تحويلِ هزيمةِ الكفارِ إلى نصرٍ يومَ احد، ولكن عندما أسلمَ تحولتْ شخصيتُهُ تحولاً جذرياً فأصبحَ سيفاً من سيوفِ الاسلام على الكفار ، حتى أطلقَ عليه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم سيفَ اللهِ المسلول ولم تفُتْهُ معركةٌ يقاتَلُ فيها في سبيلِ الله .

إذن لنلحقْ بهؤلاءِ الركبِ الاوائلِ ولنتسلحْ بأفكارِ الإسلامِ ومفاهيمِهِ ونُقبِلْ على أحكامِ اللهِ تعالى حتى نكونَ شخصياتٍ إسلاميةً فنكونَ أهلاً لقيادةِ الأمةِ دونَ الرويبضاتِ ونستحقَ نصرَ اللهِ في الدنيا ورضاهُ في الاخرةِ. عن جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنه قال: أتى النبيَ النعمانُ بنُ قوقلَ فقالَ يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إنْ صليتُ المكتوبةَ وحرَّمتُ الحرامَ وأحللتُ الحلالَ أدخلُ الجنة ؟ قالَ : نعم .

اللهمَ أَلهِمْنا الرشدَ والاستقامةَ
وهيِّءْ لنا مِن أمرِنا رشدا
وأصلِحْ للمسلمينَ أحوالَهم بالتمكينِ والاستخلاف
إنكَ على كلِ شيءٍ قدير
وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِ العالمين
والسلامُ عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

كتبة لاذاعة المكتب الاعلامي لحزب التحرير سلافة

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب )من مقومات النفسية الإسلامية) الحلقة المائـة وأربع

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وسيد المرسلين, المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية, مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية, نقول وبالله التوفيق: موضوع حلقتنا لهذا اليوم هو "الشروط الواجب توافرها فيمن يخطب الجمعة".
اقتبست مادة هذه المقالة من مقالة كتبها الأستاذ علي مدني الخطيب الداعية المصري جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
إن الخطابة هي فن مشافهة الجماهير والتأثير عليهم، وخطبة الجمعة كانت ولا تزال لها تأثير كبير إذا أديت على الوجه الصحيح. وأما الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يخطب الجمعة، فمن الممكن أن نلخصها في الأمور الآتية:

أولا: يجب أن يشعر الخطيب بأنه صاحب رسالة يؤديها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها، وذلك لأن صاحب الرسالة يستفرغ كل طاقته في محاولة توصيلها للناس، لا يكل ولا يمل. والمشكلة الآن في أن الخطابة قد أصبحت وظيفة يتكسب بها الخطباء عند الغالبية العظمى منهم في كل البلدان، وهذا ما ضيع كثيرا من فائدتها. وعما قريب في ظل دولة الخلافة القادمة بإذن الله ستعود الخطابة إلى سابق عهدها, تؤدي دورها في الأمة على أحسن وجه وعلى أفضل ما يرام.

ثانيا: الخطابة فن، ولذا ينبغي لمن يتصدى لها أن يكون ذا موهبة، يثقلها بالعلوم والمعارف المختلفة، ذات الصلة الوثيقة بعلم الخطابة، فسعة الاطلاع خير معين للخطيب في أداء خطبته بقوة وتأثير.

ثالثا: الناس ينظرون إلى سلوك الخطيب، ويدققون النظر فيه، ولذا ينبغي أن تتطابق أفعاله مع أقواله، فالتزام الخطيب بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيق ما يدعو إليه في خطبته، يجعل لكلامه قبولا عند المستمعين، أما مخالفة القول للعمل، فأكثر المستمعين لا يثقون به ولا بكلامه.

رابعا: أن يكون الخطيب شجاعا في قول الحق، مع التحلي بالحكمة وحسن التقدير للموقف، بعيدا عن التهور والاندفاع غير المحسوب، فالشجاعة في قول الحق صفة أساسية لا بد وأن يتحلى بها الخطيب؛ لأنه سيتعرض لأمور كثيرة, إن لم تكن عنده الشجاعة الكافية فلن يستطيع أن يوفيها حقها.
وكما نطالب الخطباء بالشجاعة، فإننا نطالب الحكام أن يسمعوا كلمة الحق ويستجيبوا لها. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها!".

خامسا: أن يكون وثيق الصلة بجمهوره، أقصد مستمعيه، وأن يحدث تقاربا بينه وبينهم، فيعود مرضاهم، ويسأل عن غائبهم، ويشارك في وضع الحلول لمشكلاتهم، وكلما اقترب من المدعوين ووقف بجانبهم في أزماتهم كان ذلك أدعى إلى التفافهم حوله.
مع ملاحظة أن يعف نفسه عما في أيدي الناس، كما ورد في الحديث الشريف عن سهل بن سعد الساعدي، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس". رواه ابن ماجة بسند صحيح.

سادسا: أن يكون على قناعة تامة بما يدعو إليه، حتى يكون قادرا على الإقناع والتأثير، فالإيمان بقضية ما يجعل صاحبها يدافع عنها بكل ما يملك.

سابعا: اختيار موضوع الخطبة بحيث يعالج القضايا التي لها مساس بواقع الحياة التي يحياها الناس، ويناقش المشكلات الاجتماعية المتعددة، ويحاول طرح الحلول المناسبة لها والمستنبطة من الشرع الحنيف، أما الموضوعات السلبية التي لا تعالج أمراض المجتمع وعلله المختلفة، فإن الاستفادة منها تكون قليلة. ويا حبذا لو اتفق خطباء الحي وحاملي الدعوة ممن يأمرون بالمعروف, وينهون عن المنكر, ويحرصون على تبليغ رسالة الإسلام للناس كافة, يتفقون على موضوع واحد، كل يعالجه بأسلوبه الخاص به، مع التقيد بالأحكام الشرعية, فستكون النتيجة أجدى وأفضل.

ثامنا: فصاحة اللسان، وسلامة مخارج الحروف، مع مراعاة حسن الإلقاء، قوة ولينا، فلا يكون الإلقاء على وتيرة واحدة، حتى لا يمل السامع.

تاسعا: حسن الهندام والمظهر، وإن كان لا دخل له في شخصية المرء, وهو من القشور كما بيـنا سابقا, لكن الأولى والأفضل أن يحرص المؤمن أن يظهر بالمظهر الحسن, فينبغي أن تكون ملابسه مرتبة, وهيئته حسنة.

عاشرا: أن يتجنب الألفاظ المسيئة التي لا يحسن استخدامها ومن الأمثلة على ذلك ما قاله أحد الخطباء في حضرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبينا" فقال له عمر رضي الله عنه: "بئس الخطيب أنت!". والخطأ في قوله: "ومن يعصهما" حيث استخدم ضمير المثنى "هما" ليعبر به عن الله ورسوله, والصواب ترك الضمير, وأن يقول: "ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا".

حادي عشر: مع الإعداد الجيد، ومع كل ما سبق: التوكل على الله، وطلب العون منه، كما فعل ذلك نبي الله موسى عليه السلام، حينما دعا ربه قائلا: {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}. (طه 28)

ثاني عشر: مميزات الخطبة الناجحة خمسة: مقدمة قوية, وصوت واضح, وممارسة, وإلقاء معتدل وخاتمة قوية.

ثالث عشر: أقسام أو أجزاء الخطبة ثلاثة: هي المقدمة, والموضوع, والخاتمة.

رابع عشر: أهداف الخطبة أربعة هي: الإفهام والإقناع والإمتاع والاستمالة.

خامس عشر: خصائص أسلوب الخطبة عشر: قصر الجمل والفقرات, وجودة العبارة والمعاني, وشدة الإقناع والتأثير, والسهولة, ووضوح الفكرة, وجمال التعبير, وسلامة الألفاظ, والتنويع في الأسلوب ما بين الإنشائي والخبري, وقلة الصور البيانية, والإكثار من السجع غير المتكلف.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمد احمد النادي

المعلم التاسع: ثبوت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
وقفنا في الحلقة السابقة: بما أن القرآن ليس من عند العرب، ولا من عند محمد صلى الله عليه وسلم وهو واحد منهم, ولا من عند العجم, فهو حتما من عند الله خالق الكون والإنسان والحياة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وما دام القرآن معجزا للبشر, فإن الذي أتى به دليلا على نبوته ورسالته يكون نبيا ورسولا حقا, وما دام القرآن لا يزال يتحدى البشر بإعجازه فهو معجزة دائمة. ومحمد إذن نبي لكل البشر حتى يوم القيامة, وهو خاتم الأنبياء والمرسلين, وهو الوحيد من بينهم الذي تمتاز نبوته بالدوام, ورسالته بالشمول والدوام.

أوحى الله إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم باللغة العربية بوساطة الملك جبريل عليه السلام. وأنزله عليه مفرقا في مدة ثلاث وعشرين سنة . وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس كافة تدل على صدق رسالته. وسيظل القرآن معجزة إلى يوم القيامة يوم تقوم الساعة.
وكان القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بحفظه في الصدور، وكتابته في الرقاع، من جلد أو ورق أو عظم أو عسب النخل أو حجارة رقيقة. وكان إذا نزلت الآيات، أمر بوضعها موضعها من السورة، فيقول ألحقوا هذه الآية في سورة كذا بعد آية كذا، فيضعونها موضعها من السورة.
روي عن عثمان بن عفان أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم تنزل عليه الآيات فيقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا". (رواه الترمذي3011)
وهكذا حتى نزل القرآن كله والتحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى بعد أن كمل نزول القرآن. ولذلك كان ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن توقيفيا من النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله تعالى فهو ترتيب توقيفي من الله تعالى. وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في ذلك مطلقا. وهذا الترتيب للآيات في سورها على الشكل الذي نراه الآن، هو نفسه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفسه الذي كان مكتوبا بالرقاع والأكتاف والعسب واللخاف ومحفوظا في الصدور. وعليه فإن القرآن قطعي في وروده إلينا وفي ترتيب آياته.

أيها المؤمنون:
لقد نقل إلينا القرآن الكريم بطريق التواتر، أي نقل القرآن الكريم جمع كبير من الصحابة رضي الله عنهم إلى التابعين، ثم نقله جمع كبير من التابعين إلى تابعي التابعين، ثم نقله جمع كبير من تابعي التابعين حتى وصل إلينا كما نزل مكتوبا في الصحف التي جمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ونسخها عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخط نفسه, والإملاء ذاته الذي كتبت به الصحف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل الوحي بها. وقد تكفل الله بحفظه بقوله: )إنا نحن نزلنا الذكر‌ وإنا له لحافظون(. (الحجر : 9 ).

وبما أن القرآن كلام الله ولا يأتي بكلام الله إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي .
وكذلك اشتمل القرآن على دعوة الناس إلى الإيمان بالله وحده وعبادته، والالتزام بطاعته، ورتب على طاعته الجنة وعلى معصيته النار، ولا يأتي بأوامر الله ونواهيه إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي أيضا.
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.